الماسوشية: اضطراب خضوع أم آلية دفاع

على عكس الماسوشية (أو المازوخية) الجنسية والتي تُمثّل إحدى أنواع الفتيشية الجنسية، تفسير الماسوشية بحسب نظرية الديناميكا النفسية يقدم تفسيرًا لرغبة البعض بإيذاء أنفسهم

لماذا يقوم بعض الناس بإيذاء أنفسهم؟ يمكن لنظرية الديناميكا النفسية أن تقدم الإجابة.

يتسبب بعض الأفراد عن غير قصد بفشلهم المتكرر في كل من العلاقات الشخصية والعملية بسبب وجود حاجة لاواعية تدفعهم لإيذاء أو معاقبة أنفسهم، فما أن يقترب شخص كهذا من الحصول على ترقية في العمل على سبيل المثال، إلا وبه يفشل في ذلك بطريقة لا يمكن وصفها إلا بأنها متعمدة أو مخطط لها.

إنَّ الحاجة الضمنية التي تدفع فردًا ما إلى إيذاء نفسه يتسبب بها إحساس متفشٍّ وقمعيٌّ مصدره الشعور بالذنب؛ إذ يمثل الإحساس بالذنب واحدًا من الأحاسيس الأكثر سيادةً فيما يعرف “بـالماسوشية الأخلاقية” بحسب علم النفس التقليدي (على عكس الماسوشية الجنسية والتي تمثل أحد أنواع الفتيشية الجنسية). يمكن أيضًا وصف النمط المتمثّل في التخطيط للنجاح دون الوصول إليه حقًا “بالتخريب الذاتي”.

وُصفت الشخصية المحبة لإيذاء النفس أو التدمير الذاتي “بالشخصية الماسوشية” في نظرية التحليل النفسي. وقبل وصف المفهوم الديناميكي النفسي للماسوشية، علينا الإشارة إلى أن الديناميكا النفسية تفترض وجود معالجة لاواعية للأفكار تشمل دوافع وعواطف لا ندركها.

تطور المفهوم الفرويدي للماسوشية الأخلاقية ليصبح وصفًا لاضطراب الشخصية الماسوشية (وشكله الآخر شبه السريري: أسلوب الشخصية الماسوشي). تضمنت النسختان الأولى والثانية من الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات النفسية فئةً تشخيصيةً للشخصية الماسوشية، أما في النسخة الثالثة من الدليل فقد أُعيدت تسمية الشخصية الماسوشية وإدراجها على أنها اضطراب في الشخصية تحت مسمى “اضطراب الشخصية المنهزمة”.

ورغم ذلك، حُذفت الشخصية الماسوشية من النسخة الخامسة للدليل التشخيصي ولم تُدرج مجددًا حتى وقتنا هذا؛ بل يمكن القول إنها أُلقيت في سلة مهملات علم تصنيف الأمراض النفسية وعلم النفس الإكلينيكي ونظرية التحليل النفسي.

يتضمن النموذج التصنيفي للشخصية بناءًا على النظرية الديناميكا النفسية عددًا من الأبعاد، وهي: الشعور السائد، والدافع، والنمط الشخصي، والنمط السلوكي، وآلية الدفاع، والأسلوب المعرفي.

الماسوشية في العلاقات الشخصية: الخضوع

يبقى الفرد الماسوشي في علاقاتٍ ذات آثارٍ تخريبية ومؤذية بشكل واضح، وقد يكون السبب وراء ذلك هو متغيرات نفسية مُعيّنة. فعلى وجه التحديد، تمتاز تصرفات الفرد الماسوشي في العلاقات المؤذية عاطفيًا بالخضوع. رغم ذلك، فإن الخضوع الماسوشي هو آلية دفاع، بل هي تشكل بصورة أدق رد فعل يتم فيه استخدام الخضوع لإخفاء الساديّة التي تتشكل كضرورة للسيطرة على الشعور بالذنب وتحريضه.

إن الرغبة بتحفيز الشعور بالذنب لدى الشريك (الذي يُفترض في الغالب عدم قدرته على الشعور بالذنب) تعمل على تحفيز الخضوع الماسوشي. وبعبارة أخرى، يتصرف الأفراد الماسوشيون بشكل استسلامي، غالبًا لدرجة مُهينة، على أمل إحداث شعورٍ بالذنب لدى الفرد الآخر. وبشكلٍ عام، يواجه الماسوشيون عادة صعوبةً في التعبير عن غضبهم في علاقاتهم الشخصية، وعليه، تتجلى عدائيتهم تجاه الشخص الآخر في بعض الأحيان من خلال قطعهم التواصل تمامًا، أو إنهاء العلاقة وهجر الشخص الآخر.

يوصف الأفراد الماسوشيين بالـ “شباب اللطفاء”، ويظهرون مستويات مَرَضية مختلفة كما يسميها روبرت بورنشتاي R.F. Bornstein بـ”التبعية الشخصية”؛ ويُقصد بها الاعتماد على الآخرين بشكل مفرط ومدمّر، فتشمل هذه المستويات التردد والسلبية والحاجة المفرطة للشعور بالقبول. كما أن التحويل المضاد (التداخل بين مشاعر المريض والمعالج) لدى الأفراد الذين يعانون من الماسوشية يكون ضاريًا؛ ففي كثير من الأحيان قد يُنكر المعالج أو مقدموا الرعاية وجود العداء الكامن وراء الماسوشية العلنية لأنهم يشعرون بالتهديد من السادية الخاصة بهم (آش، Asch, 1988).

الماسوشية ذاتية العمل

يمتلك الفرد الماسوشي معايير داخلية عالية للغاية للنجاح، وتُصف بالمثالية، ولكنه دائم الإخفاق. يؤدي نمط تدنّي التحصيل في معظم المجالات المهمة لديهم إلى انتقادهم للذات بشدة، والشعور بالذنب وكراهية أنفسهم بشكل عام. وبحسب آش (1988، ص 100): “إنه نوع من الفخر بنفي الذات، وأخذ الطريق “الأصعب”، وفي تناقص المكاسب المادية التي هي السمة المميزة للماسوشي الأخلاقي […] الخضوع العلني لإخفاء الرغبة المعادية للسيطرة وكذلك الرغبة في توليد الذنب”.

المصادر: 1