أكبر تجربة نفسية في التاريخ تجري الآن

ما الذي يمكن أن يعلمنا إياه الوباء عن كيفية استجابة الناس للمواجهة الصعبة؟

إن تأثير COVID-19 على الصحة البدنية لمواطني العالم غير عادي. وبحلول منتصف شهر أيار/مايو، كانت هناك أربع ملايين حالة إصابة موزعة على أكثر من 180 دولة. وقد يكون تأثير الوباء على الصحة العقلية له مدى أبعد. وفي مرحلة ما كان ثلث سكان الكوكب تقريبًا تحت أوامر بالبقاء في ديارهم. وهذا يعني أن 2.6 مليار شخص -أكثر مما كانوا أحياء أثناء الحرب العالمية الثانية- كانوا يعانون من الصدى العاطفي والمالي لهذا الفيروس الجديد.

“يمكن القول بأن [الحظر الشامل] هو أكبر تجربة نفسية أجريت على الإطلاق”، هكذا كتب عالم النفس الصحي إيلك فان هوف Elke Van Hoof من جامعة بروكسل الحرة في بلجيكا. بدأت نتائج هذه التجربة غير المقصودة للتو في الحساب.

إن علم المرونة، الذي يحقق في مدى صمود الناس في وجه الشدائد، يقدم بعض الأدلة. فقد كتب الطبيب النفسي في جامعة هارفارد جورج فيلان George Vaillant، أن الفرد المنعزل يشبه غصن زهر يتمتع بقلب جديد أخضر: “عندما يلتوي، فإنه ينحني ولا ينكسر؛ بل ينبض ويواصل نموه”. ويصف هذا التعبير المجازي عددًا مذهلًا من الناس: ذلك أن ثلثي الأفراد يتعافون من التجارب الصعبة من دون تأثيرات نفسية مطولة، حتى عندما عاشوا عبر أحداث مثل الجرائم العنيفة أو كأسرى حرب. بل إن البعض يستمر في النمو والتعلم مما حدث لهم. ولكن الثلث الآخر يعاني من ضائقة نفسية حقيقية، بعض الأشخاص لعدة أشهر، وآخرون لسنوات.

وحتى إذا أثبت أغلب الأفراد مرونتهم، فإن حصيلة اضطرابات COVID-19 والأعداد الضخمة التي يشتمل عليها الأمر كانت بمثابة تحذير من خبراء بشأن مرض عقلي مثل “تسونامي”. فالناس يواجهون تهديدات متعددة: فالتهديد بالمرض، والوحدة في العزلة، وفقدان الأحبة، وانعكاسات فقدان الوظيفة، وعدم اليقين المستمر بشأن توقيت إنهاء الوباء المتفشي. لا شك أن الكساد والقلق والإجهاد اللاحق للصدمات سوف يتبع ذلك بالنسبة للبعض. وتشير خطوط الاتصال الساخنة للمصحة العقلية إلى زيادات هائلة في المكالمات، كما وجدت دراسات المسح المبكرة مستويات مرتفعة من القلق. وتقول أخصائية علم النفس أنيتا ديلونجيس Anita DeLongis من جامعة كولومبيا البريطانية، التي تدرس الاستجابات النفسية الاجتماعية للأمراض: “إن هذا الوباء يضع علامة على جميع المربعات من حيث أنواع الضغوطات التي ستكون صعبة”. إن الوفيات الناجمة عن انتحار أخصائيي الرعاية الصحية الذين كانوا على الخطوط الأمامية الطبية تشكل تذكيرًا قويًا بالمخاطر.

وتزداد المرونة الفردية تعقيدًا لأن هذا الوباء لم يؤثر على كل شخص بنفس الطريقة. وعلى الرغم من كل ما هو مشترك -بعد أن ضرب الفيروس التاجي كل مستويات المجتمع وترك القليل من الأرواح دون تغيير- كان هناك تباين هائل في الاضطراب والدمار الذي شهدته. ولنتأمل هنا حالة بروكلين، التي كانت مجرد منطقة في مدينة نيويورك الأشد تضررًا فالسكان الذين بدؤوا عامهم بالعيش أو العمل على بعد بضعة أميال من بعضهم البعض لديهم قصص مختلفة جدًا عن المرض والخسارة وخوض غمار تحديات الابتعاد الاجتماعي. ويعتمد مدى سرعة تعافي الأفراد والشركات والمؤسسات ومدى صحتهم على الوظائف والتأمين والصحة التي كانوا يتمتعون بها عند بدء هذا الأمر، وعلى ما إذا كانوا قد تحملوا متاعب أو حسرات، وعلى ما إذا كان بوسعهم الاستفادة من الموارد المالية والدعم الاجتماعي.

لقد كشف الوباء عن أوجه الظلم التي يعاني منها نظام الرعاية الصحية الأميركي وشبكة الأمان الاقتصادي. فالأميركيون السود واللاتينيون يموتون بمعدلات أعلى بكثير من الأميركيين من ذوي البشرة البيضاء. وتقول السيدة كارول ورثمان، وهي خبيرة في الصحة العقلية العالمية: “عندما نتحدث عن الظروف الموجودة مسبقًا، فليس الأمر فقط إذا كنت سمينًا، فهذا هو حالة مجتمعنا الموجودة مسبقًا”.

ومن حسن الحظ أن هذا الوباء غير المسبوق يؤدي إلى علم غير مسبوق، ليس فقط في علم الفيروسات بل وأيضًا الصحة العقلية والمرونة. يقيس علماء السلوك الخسائر النفسية في الوقت الحقيقي ويكافحون لتحديد ما يساعد الأشخاص على التكيّف. وخلافًا للهجمات الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول أو إعصار كاترينا، والتي وقعت على مدى فترة محدودة حتى مع أن تأثيراتها التي تم استخلاصها، فإن الإطار الزمني المفتوح لـCOVID-19 يسمح بأنواع جديدة من الدراسات الطولية واتجاهات البحث. ومن المتوقع أن يؤدي التحول المفاجئ إلى الأشكال الافتراضية للعمل والتوسيع الاجتماعي إلى بدء تحقيقات أكثر دقة وتأنيًا في ما يجعل التفاعل الاجتماعي مُرضيًا أو مخضبًا. يقول الطبيب النفسي دنيس تشارني من كلية الطب بجامعة إيكان بجبل سيناء، إذا واجه الباحثون تحدي COVID-19، “سيكون هناك علم جديد كامل للمرونة. يمكننا أن نتعلم كيف نساعد الناس ليصبحوا أكثر مرونة قبل حدوث هذه الأشياء”.

انحنِ لكن لا تنكسر

وصل رافائيل حاسد إلى مدينة نيويورك من مسقط رأسه إسرائيل في عام 2000 لحضور معهد الطهي الفرنسي. في عام 2005 افتتح مطعمًا يسمى ميريام في بروكلين وقد أصبح المفضل في الحي. في الأسابيع الأولى من آذار/مارس، استطاع حاسد أن يرى ما هو قادم. يقول: “كنت أتابع الأخبار في إسرائيل. لقد تأخرنا بأسبوعين من كل النواحي. كنت أقول أن هذا سيحدث هنا”. عندما جذبت وجبة غداء ميريام الشهيرة في عطلة نهاية الأسبوع ثلث الحشد المعتاد، لم يقضي حاسد الكثير من الوقت في التساؤل عما يجب القيام به: فقد أعطى كل طعام المطعم القابل للتلف إلى الجيران. في الوقت الذي طلبت فيه المدينة إغلاق جميع المطاعم، كانت ميريام قد أغلقت بالفعل.

في مواجهة الأحداث المؤلمة المحتملة، “سيظهر حوالي 65% من الأشخاص الحد الأدنى من الأعراض النفسية”، كما يقول الطبيب النفسي الإكلينيكي جورج بونانو George Bonanno من كلية المعلمين بجامعة كولومبيا. يدرس بونانو، وهو خبير في المرونة، آثار الأعاصير والهجمات الإرهابية والإصابات التي تهدد الحياة والأوبئة مثل تفشي السارس SARS عام 2003. تظهر أبحاثه وبحوث الآخرين باستمرار ثلاثة استجابات نفسية شائعة للصعوبات. يتبع ثلثا الأشخاص مسار الصمود ويحافظون على صحة نفسية وجسدية مستقرة نسبيًا. يعاني حوالي 25% من المرض النفسي مؤقتًا مع الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة ثم يتعافون؛ وهو نمط يُعرف باسم مسار التعافي. ويعاني 10% من ضائقة نفسية دائمة. هذه النتائج صحيحة عبر مختلف السكان والحالات الاجتماعية والاقتصادية. يقول بونانو: “نحن نتحدث عن الجميع”. من ناحية أخرى، فإن خطر الاضطرابات النفسية أعلى مرتين من الأشخاص في أدنى الدرجات الاقتصادية.

لكن الآثار الصحية العقلية لأزمة كاسحة وخبيثة للغاية قد لا تلتزم بهذا النموذج. تشير الدراسات إلى أن الحجر الصحي الصارم يمكن أن يؤدي إلى آثار نفسية سلبية مثل اضطراب ما بعد الصدمة، على الرغم من أن القليل منا كانوا تحت الحجر الصحي الحقيقي، مما يشير إلى العزل بعد التعرض المحتمل للعدوى. وبدلًا من ذلك، يعيش جزء كبير من العالم مع قيودٍ يشتبه بونانو في أنها تشبه إلى حد كبير إدارة الضغط المستمر. يقول اختصاصي الوبائيات ديزي فانكورت Daisy Fancourt من جامعة يونيفيرسيتي كوليدج لندن: “هذه هي المرة الأولى في تاريخ الحياة التي شهدنا فيها إغلاقًا عالميًا استمر لفترة طويلة. نحن ببساطة لا نعرف كيف سيكون رد فعل الناس على هذا”.

النطاق المحتمل للتأثير كبير. تقول نانسي سين Nancy Sin، أستاذة علم النفس الصحي بجامعة كولومبيا البريطانية: “هذا يختلف عن أشكال الضغط الأخرى لأنه ليس مجالًا واحدًا فقط من حياتك. يتعامل الناس مع تحديات العلاقة أو الأسرة، مع التحديات المالية والعملية، مع الصحة”.

تظهر التقارير المبكرة بالفعل تأثيرات واضحة. وجد أول مسح واسع النطاق على مستوى الدولة في الصين، حيث ضربت الأزمة في وقت مبكر، أن ما يقرب من 35% أبلغوا عن ضائقة نفسية. في الولايات المتحدة، تم العثور على الخوف والقلق المتزايدين بشأن COVID لدى الأشخاص الذين يعانون بالفعل من القلق. أظهرت دراسة أخرى نتائج مقلقةً لدى كبار السن. هذا أمر مثير للدهشة لأن الأبحاث السابقة تُظهر أن كبار السن يتمتعون برفاهية عاطفية أفضل. تقول سين، التي تدرس الشيخوخة وتتعاون مع أنيتا ديلونجيس في دراسة مستمرة لـCOVID-19 على 64,000 شخص حول العالم: “خلال هذا الوباء، لا يمتلك كبار السن نقاط القوة المرتبطة بالعمر في العواطف التي نتوقعها عادةً. إنهم يُبلغون عن الضغط بنفس القدر الذي يواجهه الأشخاص في منتصف العمر والشباب”.

لا تزال سين تحلل أسباب الإجهاد، لكنها تشك في أنه ناتج عن زيادة احتمال إصابة كبار السن بالمرض وفقدان أحبائهم. يتعامل كبار السن مع ضغطهم بشكل أفضل من الشباب، ومع ذلك، يبلغون عن قدر أقل من الاكتئاب أو القلق. تقول سين إنهم قد يستفيدون من الحكمة التي تأتي من خلال العيش أكثر من الشباب. كما أن لدى البالغين الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا مزيدًا من الوقت لتطوير مهارات التعامل مع الإجهاد، وقد تقاعد العديد منهم، وبالتالي يقل احتمال قلقهم بشأن العمل.

بدأ فانكورت Fancourt دراسةً في منتصف آذار/مارس والتي نمت لتشمل أكثر من 85,000 مقيم في المملكة المتحدة. تتبع الدراسة الاكتئاب والقلق والتوتر والوحدة أسبوعًا بعد أسبوع. يقول فانكورت: “نحتاج إلى معرفة ما يحدث في الوقت الفعلي”. بعد ستة أسابيع، وجدوا أن مستويات الاكتئاب كانت أعلى بكثير مما كانت عليه قبل الوباء.

بشكل عام، كان أولئك الذين يعانون من أمراض نفسية تم تشخيصها سابقًا، وأولئك الذين يعيشون بمفردهم والشباب يبلغون عن أعلى مستويات الاكتئاب والقلق. على الجانب الإيجابي، كان هناك انخفاض طفيف في مستويات القلق بمجرد الإعلان عن الحظر الشامل. يقول فانكورت: “عدم اليقين يميل إلى جعل الأمور أسوأ”. يتجّمد البعض بسبب عدم معرفة ما سيأتي، في حين يجد البعض الآخر طرقًا للمضي قدمًا.

بعد إغلاق مطعم حاسد لمدة ثلاثة أسابيع، لم يتلقى أي مدفوعات حكومية تهدف إلى حماية الشركات الصغيرة. وبينما كان وضعه مليئًا بالغموض، يقول: “كنت أفكر أنه يجب علينا مواصلة إنشاء أعمال لأنفسنا”. عندما أرسل عدد قليل من العملاء بريدًا إلكترونيًا للاستفسار عما إذا كان سيفكر في تقديم الطعام لعيد الفصح، قام حاسد بتطوير قائمة طعام تتضمن خدمة التوصيل. قبل الوباء، كان حاسد يخطط لفتح محل لبيع الأطعمة الأجنبية يقع في واجهة متجر مجاورة. بدلًا من تجديد المساحة الجديدة، قام بفتح الأطباق داخل المطعم. كان أكبر مخاوفه هو ما إذا كان الموظفون سيشعرون بالأمان. لطمأنتهم، بالإضافة إلى الابتعاد الاجتماعي، يحتاج إلى أقنعة وقفازات وتعقيم المطعم صباحًا ومساءًا. يبحث حاسد في استراتيجيات التعقيم الأخرى التي تنطوي على منفاخ وكحول سمع أنها استُخدمت في سنغافورة.

يدرك حاسد أن قدرته على التكيّف ليست شيئًا يمكن أن تفعله أي شركة، خاصةً العديد من المطاعم التي تعمل على هوامش ضيقة. تستخدم العملية الجديدة الحد الأدنى من الموظفين، لكن حاسد يواصل الدفع -من جيبه الخاص- لأي موظف لم يتمكن من الوصول إلى البطالة. إن تقديم الطعام عن طريق التوصيل يجلب أقل من ثلث دخل ميريام السابق، لكنه يقول إنه أفضل من لا شيء. يقوم المطعم أيضًا بإعداد وجبة أسبوعية لمستشفى محلي: “إنها ليست صانعة أموال، لكنها أقل ما يمكننا القيام به”. حاسد مسرور بإعادة ابتكار ميريام ومتفائل بأن المطعم سيبقى في نهاية المطاف. يقول: “نحن في وضع أفضل بكثير من أماكن أخرى في نيويورك”.

مكونات التأقلم

عندما أصيب توم إنك Tom Inck المقيم في بروكلين بحمى مستمرة وسعال جاف في منتصف شهر آذار/مارس، خشي المعالج النفسي ومستشار الإدارة من أن يكون لديه COVID-19. بسبب نقص الاختبارات في ذلك الوقت، قام طبيب إنك أولًا بالكشف عن كل فيروس آخر معروف-بعد أن دفع إنك ثمن جميع الفحوصات- ثم التقى الطبيب والمريض في شوارع مانهاتن. بالوقوف في شارع ماديسون بكامل معدات الحماية، أجرى الطبيب الاختبار، وعاد إيجابيًا بعد ستة أيام.

التعامل بنجاح مع الأزمات يعني الاستمرار في العمل والمشاركة في الأنشطة اليومية. يجب على المرء حل المشاكل (سواء كان ذلك يعني الحصول على البقالة أو اختبار الفيروس)، وتنظيم العواطف وإدارة العلاقات. هناك عوامل تتنبأ بالمرونة مثل التفاؤل، والقدرة على الحفاظ على المنظور، والدعم الاجتماعي القوي والتفكير المرن. يميل الأشخاص الذين يعتقدون أن بإمكانهم التأقلم، في الواقع، إلى التأقلم بشكل أفضل.

خلال تسعة أيام من العزلة في غرفة احتياطية، ملأ إنك الوقت بالتأمل والقراءة. وفي بعض النواحي، كانت الأمور أكثر صعوبة على زوجته، ويندي بلاتنر، التي كانت تدير رعاية زوجها، وانتقال وكالة التسويق الخاصة بها إلى العمل عن بعد، ومشاعر ابنتيّ الزوجين اللتان تدرسان في الكلية، حيث كانتا مستاءتين من فقدان فصولهم الدراسية والقلق بشأن والدهم. تركت بلاتنر وجبات الطعام خارج باب زوجها واستيقظت كل ثلاث ساعات طوال الليل لتسجيل درجة حرارته ومستوى الأكسجين في الدم. كانت خائفة لكنها حازمة. وتقول: “شعرت أنه حصل على رعاية ممتازة، على الرغم من أنها كانت عن بعد، وأنني أملك الموارد في نفسي والدعم الذي أحتاج. هذا ما قلته لبناتي وما قلته لنفسي؛ قد يكون الأمر صعبًا، لكن كل شيء سيكون على ما يرام”.

يمكن تعزيز مهارات التأقلم لدى معظم الناس. صُمّمت العديد من الدراسات الجديدة لتحديد الاستراتيجيات الناجحة التي تخفف من آثار الإجهاد. حتى الآن، يقول فانكورت، يُشجّع الناس على اتباع استراتيجيات الصحة العقلية التقليدية: الحصول على قسط كافٍ من النوم، وملاحظة الروتين، وممارسة الرياضة، وتناول الطعام بشكل جيد والحفاظ على روابط اجتماعية قوية. إن قضاء بعض الوقت على المشاريع، حتى الصغيرة منها، التي توفر إحساسًا بالغاية يساعد أيضًا.

في دراسات سابقة، أظهرت ديلونجس أن أولئك الذين يتمتعون بدرجة عالية من التعاطف هم أكثر عرضة للانخراط في السلوكيات الصحية المناسبة مثل الابتعاد الاجتماعي، كما أن لديهم نتائج أفضل في الصحة النفسية من الأشخاص ذوي التعاطف المنخفض. لكن دراساتها السابقة عن أمراض مثل السارس SARS وغرب النيل كانت مستعرضة ودُرست لمرة واحدة فقط.

ستتبع دراسة COVID-19 سلوك الأشخاص ومواقفهم لأشهر من أجل التقاط التغييرات في التعاطف والتكيف مع مرور الوقت. تقول ديلونجيس: “هذا لا يتعلق فقط بسمات التعاطف”. يمكن التعرف على الاستجابات التعاطفية وتشجيعها من خلال المراسلة المناسبة، ويقول حدسها أن الزيادة أو النقصان في الاستجابة المتعاطفة على مدى الأسابيع والأشهر سوف ترتبط بالتغيرات في السلوكيات الصحية وآليات التأقلم.

كجزء من دراسة ديلونجيس، ستطلب سين من الناس بتسجيل أنشطتهم اليومية ومشارعهم لمدة أسبوع. فتقول: “الصورة حتى الآن هي أن الحياة صعبة حقًا، لكن الناس يجدون طرقًا لمواجهة هذا التحدي”. أبلغ الكثيرون عن قدر كبير من التفاعلات الاجتماعية الإيجابية. يبلغ كبار السن عن أعلى مستويات التجارب الإيجابية في حياتهم اليومية، غالبًا من خلال تقديم الدعم للآخرين.

من اللافت للنظر أن التواصل عن بعد أثبت أنه مُرضٍ. ركز البحث السابق حول آثار التكنولوجيا الرقمية ووسائل الإعلام على العلاقة بين الوقت الذي يقضيه على الشاشات والرفاهية النفسية ولكنه لم يكشف كثيرًا عن قيمة أنواع مختلفة من التفاعل عبر الإنترنت. الآن بعد أن اعتمد العالم على الإنترنت للاختلاط، أصبح من الضروري التحقيق في هذه الفروق الدقيقة. هل يجب على وسائل التواصل الاجتماعي أن تحاكي بشكل وثيق التفاعل وجهًا لوجه أم أن أشكال التواصل الأقل كثافة تجعل الناس يشعرون بالاتصال؟ لا نعرف حتى الآن، ولكن من المرجح أن يتم تمويل هذه الدراسات الآن كما لم تكن في السابق. تقول عالمة النفس آمي أوربين Amy Orben من جامعة كامبريدج، التي تدرس الصحة العقلية للمراهقين واستخدام التكنولوجيا: “أعتقد أننا تجاوزنا للتو عقدًا من المحادثة في غضون شهر”.

تعد وسائل التواصل الاجتماعي عاملًا في أنواع البحث الأخرى أيضًا. تقوم عالمة النفس روكسان كوهين سيلفر Roxane Cohen Silver من جامعة كاليفورنيا في إيرفين بتقييم تأثير التعرض لوسائل الإعلام على رفاهية الناس. وتقول: “أولئك الذين يستهلكون قدرًا كبيرًا من الأخبار حول الأزمة على مستوى المجتمع المحلي هم أكثر حزنًا”. يجمع العالم الاجتماعي المحوسب يوهانس إيكستيدت Johannes Eichstaedt من جامعة ستانفورد بين التحليلات على نطاق واسع للتويتر والتعلم الآلي لالتقاط مستويات الاكتئاب والوحدة والفرح خلال الوباء.

كما خشيت بلاتنر، أصبحت الأمور صعبة على عائلتهم. في الليالي السابعة والثامنة، عندما كانت حمى إنكتحوم حول 103 فهرنهايت (39.4 مئوية)، وانخفضت مستويات الأكسجين في الدم إلى 93، قال طبيبه (عبر Zoom) إذا بقيت المستويات هناك أو ازدادت سوءًا، يجب أن يذهب إنك إلى المستشفى. وقال في بيان أزعج الأطفال: “لن يكون لدي مريض يموت في المنزل”. يقول إنك: “كان أصعب شيء بالنسبة لنا هو الخوف”. لكن خافض حرارة الباراسيتامول Tylenol أبقى الحمى تحت السيطرة، والأنفاس القصيرة والضحلة أبقت مستوى أكسجين الدم في منطقة الأمان. بعد 10 أيام، بدأ إنك يشعر بتحسن.

تركت التجربة إنك ممتنًا ونشطًا. ألقى بنفسه مرة أخرى في العمل بتقديم المشورة للآخرين الذين كانوا مرضى ووقّعوا ليكونوا متبرعين بالبلازما للمرضى. ولكن، على عكس الآخرين الذين تعافوا، لم يخرج كثيرًا في البداية. يقول: “شعرت وكأن العالم مكان خطير”.

شروط المجتمع الموجودة مسبقًا

حتى أولئك المليئين بالمرونة الشخصية يحتاجون إلى مساعدة خارجية إذا واجهوا تحديات على جبهات متعددة. بصفتها المدير التنفيذي لشركة IMPACCT Brooklyn، وهي شركة تنمية مجتمعية تخدم الأحياء السوداء تاريخيًا في بروكلين، ترى برنيل ك.غرير Bernell K. Grier مدى قسوة الوباء على الجالية الأمريكية الإفريقية، وتقول: “أسمع يوميًا أشخاصًا مصابين بفيروس COVID-19، إما يتعافون منه أو يموتون منه”. ووقعت ثلاثة من تلك الوفيات في شقق تديرها غرير وطلبت منها تنظيم خدمات التنظيف العميق. تقول غرير: “يخشى كبار السن من الخروج، ويخشون أن يأتي أي شخص إلى باب منزلهم، فهم ليسوا على دراية بالتكنولوجيا. هناك الكثير من الأشياء التي يُطلب منهم فيها استخدام الكمبيوتر، فهم بحاجة إلى شخص يمسك بيدهم ويساعدهم بالقيام بذلك”.

يقول فانكورت: إن الوباء “سيؤدي إلى تفاقم أوجه تباين السلم الاجتماعي الذي اعتدنا على رؤيته عبر المجتمع. من المهم أن يكون [للناس] تدخّلات على المستوى الوطني يمكنها دعمهم”. في المملكة المتحدة، تشمل هذه التدخلات الخدمة الصحية الوطنية وبرنامج الإيجار الذي يدفع ما يصل إلى 80% من رواتب الملايين من البريطانيين الذين لم يتمكنوا من العمل بسبب الوباء. في الولايات المتحدة، توجد حزم حماية الأجور والبطالة ولكن ثبت صعوبة الوصول إليها بسرعة.

تقدم منظمة غريير مجموعة متنوعة من الخدمات حول الإسكان، ودعم الأعمال التجارية الصغيرة، والتفاعل مع المؤسسات المالية والحكومية. فور انتشار الوباء، قام موظفوها بتوزيع معلومات حول الصحة العامة والموارد الاقتصادية. قدموا ندوات عبر الإنترنت لمساعدة الشركات على التقدم للحصول على القروض. تقول غرير: حتى أواخر نيسان/إبريل “لم يحصل أي من الأشخاص الذين ساعدناهم على أي شيء. الدعم لا يصل إلى أعمالنا”. فقط 70% من المستأجرين في غرير Grier كانوا قادرين على دفع الإيجار في نيسان/إبريل. تقول جرير: “لا يزال يتعين علينا أن ندفع للبوابين والحمالين والحرارة والكهرباء والضرائب وكل شيء آخر. إنه تأثير الدومينو. إذا كان السكان لا يستطيعون الدفع، لا يمكننا الدفع”.

يقول وورثمان Worthman، عالم الأنثروبولوجيا في إيموري، إن القدرة على التأقلم مع أصداء الوباء ليست مجرد قضية فردية، بل هي قضية مجتمعية. كما أنها أيضًا فرصة. فيقول: “لقد أشار الناس إلى فترات الكوارث في التاريخ الأمريكي، بعد الحرب العالمية الأولى والاكتئاب، والتي أدت إلى تغيير هيكلي حقيقي أفاد الناس”.

تدعو جرير إلى تغيير إيجابي لمجتمعها. في محادثاتها مع الصحة العامة والمسؤولين المنتخبين، أشارت إلى الفوارق مثل حقيقة أن مراكز الاختبار الأولى لم تكن موجودة في الأحياء الفقيرة. وتقول: “هذا ضوء على ما كان موجودًا لفترة طويلة جدًا”. “عندما تنظر إلى [الحلول]، تأكد من أن المساواة في الدخل وعدسة العدالة العرقية هي عامل تصفية لكل ما يتم تنفيذه”. مع ظهور بروكلين من جديد للعزلة الاجتماعية، تعرف جرير دور المجموعات الحاسمة التي تديرها. “سنستمر في التواجد هنا لنكون ذلك الاتصال، مستشار الائتمان، هذا الملاح”.

يبدو أن تعزيز المرونة على الرغم من دعم المجتمع أكثر أهمية من أي وقت مضى. بصفتها ممرضة مدرسة في بروكلين، عملت مارلين هوارد Marilyn Howard -والتي هاجرت من غيانا عندما كانت مراهقة- خلال الأسابيع الأولى من آذار/مارس حتى إغلاق المدارس العامة. مرضت في اليوم التالي بعد تركها العمل. استغرق الأمر 10 أيام للحصول على نتائج الاختبار التي أكدت أنها مصابة بـCOVID-19. بحلول ذلك الوقت، اعتقدت هاورد أنها كانت على طريق التعافي. ولكن يوم السبت، 4 نيسان/إبريل، استيقظت مع تنفس مجهد ساء بسرعة. شقيقها نايجل هوارد، الذي شاركت معه الشقة السكنية، اتصل بسيارة إسعاف. لكن الرابع من نيسان/إبريل كان قريبا من ذروة الوباء في بروكلين، ولم يكن هناك سيارة إسعاف متاحة. قادها نايجل إلى أقرب مستشفى، لكن تنفس مارلين تدهور في الطريق. قبل أقل من دقيقة من وصولهم، توقف قلبها، ولم يتمكنوا من إنعاشها. كانت تبلغ من العمر 53 عامًا.

تقول هاسلين هوارد، أصغر إخوة مارلين الخمسة: “كان بإمكان شيئين بسيطين إنقاذ حياة أختي: لو أُغلقت المدارس في وقت أبكر، أو كان من الممكن أن تأخذ زميلتها إجازةً مرضيّةً، فربما لم تكن لتمرض. ولو أوصى شخص ما بمقياس تأكسج نبضي، لعلمنا بأنها يجب أن تذهب إلى المستشفى في وقت أقرب. ولو توفرت سيارة إسعاف…”

رتب الإخوة جنازة، سمحت هاسلين بثلاثة أشخاص فقط في الغرفة في المرة الواحدة، لكن خدمةً افتراضيةً تزامنيةً سمحت لأكثر من 250 شخصًا بالاحتفال بحياة مارلين.

وقدأُصيب نايجل بعدها بـCOVID-19 وعُزل في المنزل. تقول هاسلين: “أنا وأشقائي في المراحل الأولية للتخطيط لبناء منظمة تستهدف مساعدة مجتمع السود وذوي البشرة السمراء والمجتمعات الفقيرة، ومعالجة بعض هذه القضايا على المستوى المحلي والملموس”. إنه شيء يمكنهم القيام به في ذكرى وفاة أختهم، آملين أنه كان ليجعلها فخورة بهم. وتضيف: “هذه إحدى الطرق التي نحاول اجتياز حزننا بها. فكيف نحول المأساة إلى انتصار؟”

المصادر: 1