ماذا يحصل للغبار الذي نستنشقه؟

“يمتلك الجسم آليات عديدة للدفاع عن نفسه، تتضمن الأغشية المخاطية، والأهداب، وكريات الدم البيضاء، التي تساعد الجسم على مواجهة الجسيمات الغريبة المستنشقة.

أدت حياتنا المزدحمة إلى كون عقولنا دائمة الإنشغال بالعديد من الأشياء معًا.

لكن أجسامنا لا تقل أهميةً عن عقولنا في عملية البقاء على قيد الحياة، فأجسامنا مسؤولة عن عملياتٍ مهمة وبشكل مستمر.

مثال على ذلك التنفس، نحن نتنفس في اليقظة، العمل، وحتى في أثناء النوم، إننا نتنفس كل الوقت.

نتعرض في حياتنا اليومية لعوامل الجو المختلفة، فمثلًا الهواء خارج محطة القطار يحتوي على جسيمات (جزيئات مجهرية من مواد صلبة أو سائلة معلقة في الهواء) دقيقة بنسب أكثر من المناطق السكنية المعتدلة.

ليس ذلك فقط إنما مستوى الجسيمات في طبقات الجو يتغير من وقت لآخر خلال اليوم، فمستويات الغبار في الهواء تكون في أدنى مستوياتها عند الفجر.

كيف لأعضاء التنفس الرئيسية (الرئتين) التعامل مع هذا الوضع؟

يومًا بعد يوم تتنفس رئتانا الهواء المحمل بكميات كبيرة من الجسيمات.

ماذا يحصل للجسيمات المستنشقة؟ هل هناك آليات للتخلص من هذه الجسيمات؟ نعم، بالطبع هنالك طريقة.

إذا لم نتمكن من التخلص من هذه الجسيمات الغريبة سينتهي المطاف برئاتنا كأكياس مليئة بالأوساخ، تخيل ماذا يمكن أن يحصل إذا لم تقم بإفراغ مكنستك الكهربائية من الغبار!

ماذا نتنفس؟

الهواء الذي نتنفسه كل يوم هو خليط من عدة غازات، في حين أن الأوكسجين فقط هو ما يحتاجه جسمنا فنحن نستنشق العناصر الأخرى.

فالغلاف الجوي للأرض يتكون من 78% نيتروجين، 21% أوكسجين، 1% غازات أخرى مثل (ثاني أوكسيد الكربون، الهيليوم، الهيدروجين، الأرجون، الكريبتون، النيون، والزينون).

لكن ذلك ليس كل شيء فالغلاف الجوي عدا عن الغازات يشتمل على عناصر أخرى، يحوي الهواء أيضًا بخار الماء، وجسيمات الغبار والأبواغ وغبار الطلع، تدعى هذه الجسيمات الصغيرة بـ(الهباء الجوي) وهي تتكون بشكل أساسي من مكونات طبيعية.

فالهواء يعتبر ناقلًا للعديد من الجسيمات الدقيقة، أيضًا هو يوفر ملجأً للعديد من أشكال الحياة الدقيقة التي تتكون من عضيات جرثومية دقيقة تدعى بـ(الهباء الجوي الحيوي) هذه الجسيمات تبقى في الجو ويمكنها الانتقال عبر الرياح، والأمطار، وحتى العطاس.

أدى التمدن لإطلاق العديد من المكونات غير الطبيعية في الهواء كـالسخام والدخان والغبار وجزيئات أخرى تطلق في الجو خلال النشاطات البشرية.

يحصل تلوث الهواء عندما تدخل إلى الجو المنتجات الثانوية الضارة لحرق الوقود، وعوادم السيارات، ومصادر الطاقة، هذه المسببات الرئيسية الواجب ذكرها لكن هنالك الكثير من النشاطات البشرية التي تسمح للمواد الضارة بالدخول الى الهواء الذي نتنفسه.

كيف للغبار أن يدخل الجسم؟

يدخل الغبار رئتينا بنفس الطريقة التي تدخل بها بقية الغازات، كما ذُكر سابقًا فنحن نعلم أن الهواء عبارة عن خليط من عناصر عدة، ذلك يعني أننا نتنفس كميات كبيرة من هذه الجسيمات دون أن ندرك ذلك.

بينما نحن نتنفس يدخل الهواء من فتحتي الأنف الخارجيتين، ذلك يؤدي إلى التجويف الأنفي، ثم إلى البلعوم الأنفي (جزء من البلعوم المشترك لمرور الطعام والهواء) وذلك يؤدي بدوره إلى لسان المزمار في الحنجرة ثم إلى الرغامى.

تعرف الرغامى أيضًا بالقصبة الهوائية وهي أنبوب مستقيم يمتد لمنتصف تجويف الصدر وعند الفقرة الصدرية الخامسة حيث تنقسم الرغامى إلى شعبتين رئيسيتين يمنى ويسرى

وعند هذه النقطة يدخل الهواء كلتا الرئتين، وكل شعبة هوائية رئيسية تخضع لعدة انقسامات لتشكل شعب ثانوية وثالثية لتصبح أخيرًا شعيبات انتهائية دقيقة جدًا، بعد ذلك كل شعيبة هوائية تعطي امتدادًا للعديد من التراكيب الوعائية الدقيقة والغير منتظمة الجدران لتشكل ما يشبه الكيس تدعى بالأسناخ الهوائية.

تكون الأسناخ محاطة بشبكة من الشعيرات الدموية، فالهواء يدخل الأكياس السنخية ويحصل تبادل الغازات ويؤخذ الأوكسجين من الهواء المستنشق بعد مبادلته بغاز ثنائي أوكسيد الكربون عبر الشعيرات الدموية.

يتخذ ثاني أوكسيد الكربون مع بقية الغازات نفس مسار الدخول عبر السبيل التنفسي ليزفر مرة أخرى في الجو.

وخلال عملية التنفس هذه يمكن للغبار أن يعلق في أجزاء الجهاز التنفسي.

كيف يتعامل جهازنا التنفسي مع الغبار المستنشق؟

يجب على الجميع إدراك أننا نتنفس كميات كبيرة من الجسيمات الغريبة والملوثة كل يوم، وذلك يشير إلى أن جهازنا التنفسي يتصدى لهذه الجسيمات الغريبة كل مرة نتنفس فيها، لكن عملية التنفس سريعة، كيف يتمكن الجسم من إبقاء هذه الملوثات الخارجية بعيدًا؟

لهذا السبب لدينا المخاط والأهداب

تبطن المخاطية الأنفية أو المخاطية التنفسية كامل التجويف الأنفي من فتحة الأنف إلى الرغامى.

تفرز الخلايا الكأسية المخاط بينما الأهداب تكون على شكل شعيرات صغيرة تنشأ من الظهارة وتبطن المخاطية الأنفية.

عندما يحدث الشهيق، فإن الهواء الحاوي على الغازات وجزيئات الغبار يندفع داخل فتحتي الأنف، عند هذه المرحلة تُحتجز الجسيمات الأكبر حجمًا بالمخاط والشعيرات الأنفية،

تجد الجسيمات الأصغر طريقها إلى البلعوم ليحتجزها المخاط مجددًا،

وإذا وُجدت جسيمات أصغر ووصلت إلى الرغامى والقصيبات الهوائية فإنها ستحتجز مرة أخرى بالمخاط.

تساعد الأهداب المتحركة على تفريغ المخاط من السبيل التنفسي إلى الحلق، عند تلك النقطة إما أن يبصق على شكل بلغم أو يتم إبتلاعه ويهضم بالعصارات المعدية.

يذكر أن بعض عمليات الشهيق تتم عن طريق الفم لكن ليس هناك ما يدعو للقلق فالهواء المستنشق عن طريق الفم يمر عبر البلعوم الذي يحتوي على طبقة مخاطية حامية.

وعدا عن احتجاز الجسيمات الغريبة فقط، فإن المخاط يحتوي مكونات مهمة تساعد في مجابهة وتدمير هذه الجسيمات، فهو يشتمل على أجسام مضادة مهمة تدعى lgA التي تساعد في إقصاء الذيفانات والجسيمات الممرضة التي يمكنها إختراق سطح المخاطية.

يحتوي المخاط أيضًا على نظائر الإنزيمات (وهي إنزيمات تعطل عمل الجراثيم) التي تساعد في تفكيك الجراثيم الممرضة.

يتم استبدال طبقة الظهارة المخاطية باستمرار بواسطة تكاثر الخلايا تحت البطانية (الطبقة المولدة) فذلك يضمن القدرة على التخلص من العوامل الممرضة بانتظام.

لكن وعلى الرغم من الحرص الشديد من قبل الجسم لإيقاف دخول هذه الجسيمات الغريبة لا يزال هنالك بعض منها يجد طريقه إلى داخل الأسناخ الرئوية وكما هو معروف أن وظيفة الأسناخ هي تبادل الغازات فلا وجود للأهداب والمخاط هنا، وذلك بسبب أن المخاط سميك جدًا وسوف يعيق عملية تبادل الأوكسجين بثاني أوكسيد الكربون لذلك نحن بحاجة لطرق أخرى للدفاع.

تصل عند هذه النقطة الخلايا البلعمية السنخية لإنقاذ الموقف فهي خلايا مبلعمة كبيرة (قادرة على التهام المواد الغريبة الضارة).

تبحث الخلايا البلعمية السنخية عن الجسيمات المترسبة باستمرار، فتلتصق بها، وتلتهمها، وتقتل كل ماهو على قيد الحياة منها، ثم تهضمها.

وفي حالة وجود عدوى أو احتمال تهديد على الرئة تُجند الخلايا العدلات (خلايا دم بيضاء دفاعية) لمكافحة العدوى.

الآن يبدو جليًا لنا أن للجسم آليات عدة لإقصاء الجسيمات الغريبة وذرات الغبار التي تدخل الجسم عبر الإستنشاق، لذا في المرة القادمة التي تمشي فيها في حي مغبر أو تعلق وسط رياح عاصفة مفاجئة تذكر أن جسمك يمتلك كل القوة لمحاربيه لتكون على أهبة الاستعداد للإنقضاض على العدو.

المصادر: 1