شخصٌ مصاب بالحصبة من 100 عام يساعد العلماء على تتبع أصل الفايروس

ساعدت رئة بشرية مصابة بفايروس الحصبة محفوظة في سائل الفورمالين لأكثر من 100 عام، العلماء على تتبع تاريخ فايروس الحصبة وتحديد أصوله في فترة ترجع إلى القرن السادس قبل الميلاد.

لعدة سنين، احتفظ بالرئة مع مئات العينات في قبو متحف برلين للتاريخ الطبي والتي جمعت كلها في فترة مابين 1870 و1930.

وفي رحلة البحث عن جراثيم تستهدف الجهاز التنفسي في الإنسان، عالم الفيروسات سبيستيان كالفينياك-سبنسر Sébastien Calvignac-Spencer من معهد روبرت كوخ Robert Koch وفريقه البحثي تفحصوا كل برطمان في ذلك القبو.

حيث وجدوا بالصدفة رئة مصابة بالحصبة تعود لطفل بعمر سنتين والذي توفي بسبب هذا المرض سنة 1921.

حيث قال كالفينياك-سبينسر “أنها صدفة”

نجح الفريق البحثي في استخراج عينات من الفيروس من أنسجة الرئة البالغة من العمر 108 عام واستخدم المادة الوراثية للفايروس -أقدم جينوم متسلسل للحصبة على الإطلاق- لمعرفة المزيد عن أصل الجرثومة.

في دراسة جديدة نُشرت في 18 حزيران/يونيو في دورية Science، تستنتج أن الحصبة ربما تكون قد انحرفت عن أقرب جرثومة مشابهة لها، وهو فيروس الماشية الذي تم القضاء عليه في وقت مبكر من عام 528 قبل الميلاد.

وقال كالفينياك-سبنسر لLive Science إن الفيروس قد يكون “أقدم ب 1000 سنة من أي تقدير عن تاريخ ظهوره”.

اكتشاف جديد

توقعت دراسات سابقة أن الحصبة وفيروس الماشية المنقرض، المسمى الطاعون البقري، انقسما عن أحدث أسلافهم المشتركة بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وفقًا لتقرير عام 2011 في مجلة Molecular Biology and Evolution (MBE).

ولكن لم تضف هذه النتائج جديدًا لأن الطبيب الفارسي محمد بن زكريا الرازي قد قدم وصفًا إكلينيكيًا للحصبة في القرن العاشر.

“إن الانقسام بين الحصبة والطاعون البقري استخف به بشكل واضح”

هذا كان تصريح جويل فيرتهايم Joel Wertheim وهو مؤلف تقرير MBE وأستاذ مساعد في كلية الطب جامعة كاليفورنيا، سان دييغو، والذي لم يكن مشاركًا في الدراسة الجديدة Science.

وأسباب هذا القول هو وجود مشكلتين خطيرتين:

الأولى تتمثل في انعدام العينات الأثرية لفايروس الحصبة.

والثانية تتمثل في الافتراض الخاطئ حول كيفية تطور الفايروس عبر الزمن، وقال فيرتهايم ل Live Science إن هذه الافتراضات توجه النماذج التطورية باتجاه “تاريخ جديد مثير للسخرية”.

بنى فيرتهايم وباقي الباحثين نموذجًا جديدًا يبين أهمية هذه العوامل عائدين بتاريخ منشأ الفايروس لنهاية القرن التاسع ميلاديًا، “لكننا لم نكن نعتقد أننا على حق” كما قال فيرتهايم.

وأضاف بعدها أن كالفينياك-سبنسر وفريقه وصلوا جزئيًا إلى تقدير واقعي أكثر من خلال تضمين عينة 1912 المكتشفة حديثًا إلى تحليلهم.

أشار الباحثون إلى أنه قبل العثور على عينة 1912، فإن عينة 1954 كانت أقدم تتابع مؤرخ لجينوم فايروس الحصبة.

يقدر العلماء معدل التغير التطوري أو كمية وسرعة الطفرات الجينية لدى فايروس الحصبة، بواسطة مقارنة العينات التي جمعت سابقًا على فترات زمنية مختلفة وتتبع الاختلافات الجينية فيما بينها.

وقال كالفينياك-سبنسر في هذا الخصوص، أنه كلما تم فحص عينات أكثر وأقدم كلما وضحت الفكرة عن معدل التغير في جينوم الجرثومة.

إن المادة الوراثية لفايروس الحصبة هي ال RNA والتي تكون أكثر قابلية للتفكك والتحلل من نظيرتها ال DNA. لكن بسبب حفظ عينة 1912 في مادة الفورمالين فإن التفاعلات المحطمة لل RNA قد توقفت وعلاوةً على ذلك فإن كالفينياك-سبنسر صرح قائلاً أن الفورمالين قد أدى دور المادة اللاصقة محافظًا على وجود الRNA قريبًا من الجزيئات مما صعب من عملية استخلاصه. دفع ذلك الباحثين لأخذ شريحة صغيرة جدًا بقياس 0.007 أونصة (200 ملغم) من النسيج الرئوي، وتعريضها لدرجة الغليان، لدفع الجزيئات المتلاصقة للتفكك بدون تدمير الRNA.

وكتب الباحثون أنهم على وشك الانتهاء من إنشاء جينوم من بقايا ال RNA المكتشف.

ولزيادة إثراء نموذجهم التطوري، جرب الفريق جميع العينات الجينية في المختبر المرجعي الوطني الألماني ووجدوا عينتين من الحصبة تم جمعهما في عام 1960 لإضافتهما إلى تحليلهما.

بناء نموذج أفضل

بنى الفريق نموذجهم التطوري من عينة 1912 وعينات 1960 إضافةً ل 127 عينة أخرى، والتي جمع معظمها في فترة التسعينات وما بعدها.

قارن نموذج ثاني نحو 50 تسلسل للحصبة مع فايروس الطاعون البقري، و الذي أُعلن اسئصاله في عام 2011، والذي يعد أقرب طاعون نسبي لحيوانات المجترات الصغيرة (PPRV)، والتي تصيب الماعز والأغنام، وذلك لتحديد متى انقسمت هذه الفايروسات عن السلف المشترك.

قال كالفينياك-سبنسر أن الباحثين في كلا النموذجين وضعوا ظاهرة “الاختيار المنقى purifying selection” في الحسبان على عكس الدراسات السابقة.

قللت الضغوط التطورية التي سمحت بالطفرات التي تحافظ على استقرار فايروس الحصبة عبر الزمن من تجمع الطفرات الضارة لجنس الفايروس، وهذا ما يسمى بظاهرة الاختيار المنقى.

وقال فيرتهايم أن هذه القوى المكملة تساعد في تحديد وتيرة التغيير التطوري، لذلك عند البدء في تقدير متى ظهرت الحصبة لأول مرة، يجب أن نأخذ في عين الاعتبار ظاهرة الاختيار المنقى.

وأضاف أنه يمكن أن تغير تقديرك حسب أهمية أخذ تأثير ظاهرة الاختيار المنقى في الحسبان، حيث إنها تجعل أجزاء من الجينوم تعاني من الطفرات عكس أجزاء أخرى والتي بالكاد تمر بأي طفرات.

“سيكون هناك طفرات تمر بنفس الجزء الجيني مرارًا وتكرارًا” ولكن لكون العينات محدودة ستكون هناك طفرات لن تستطيع اكتشافها، كما بين كالفينياك-سبنسر.

وبهذا وضع الفريق البحثي نموذجًا يوضح الطفرات الجينية التي لم تلاحظ من قبل.

يمكن تحديد تاريخ أول انتشار للحصبة في البشر وفقًا لأول انفصال لفايروس طاعون الماشية عن فايروس الحصبة، حيث كان في القرن السادس قبل الميلاد (رغم أن أول إصابة بشرية غير معروف تاريخ بدايتها).

لاحظ الباحثون أنه منذ حوالي 2000 إلى 2500 سنة، بدأ البشر في بناء مستوطنات كبيرة بما يكفي لتفشي مرض الحصبة، مما أعطى الفرصة لتوطين الفايروس في المجتمع البشري.

تميل الحصبة إلى التملص من المجتمعات التي يقل عدد سكانها عن 250000 فرد، حيث يصبح السكان في مأمن من المرض أو يموتون منه، “مجموعات صغيرة من البشر يمكن أن تعمل فقط كمضيف لنهاية مميتة” كما ذكر كالفينياك-سبنسر.

وقال كالفينياك-سبنسر أنه مهتم بالكشف عن عينات الحصبة القديمة إن وجدت، من أجل تحسين فهمنا لتاريخ الفايروس. وذكر فيرتهايم أنه يتوقع أن ينضم المزيد من علماء الفيروسات للبحث عن عينات قديمة تكمن في قبو المتحف وأرشيفات المستشفيات.

وقال فيرتهايم: “لقد اندهشت عندما رأيت أنهم كانوا قادرين على سحب فيروس عمره أكثر من 100 عام من أنسجة الرئة”. وأضاف قائلًا: “إنني أعتقد أن المزيد من علماء الفيروسات سيبدأون في استخدام “الفيروسات الأقدم بكثير حيث سيصبح الناس أكثر طموحًا بوجود هذه النتائج”.

المصادر: 1