لماذا الشعور بالاقتراب من خط النهاية يدفعك إلى السعي بقوة أكبر

يشرح العالم السلوكي أوليغ أورمينكسي لماذا نعمل بجد أكثر عندما نقترب من تحقيق الهدف.

بقلم كاتي ميلكمان، كاسي براباو في 9 حزيران 2020.

كل شخص لديه أهداف يسعى إلى تحقيقها، حتى في أثناء تفشي جائحة عالمية. قد تكون عالمًا يعمل على مدار الساعة للعثور على علاج يقضي على كوفيد-19. إذا كان الأمر هكذا، فشكرًا لك وحظًا طيبًا! وربما قد تكون غارقًا في عملك من المنزل وتحاول بقوة للوصول إلى 10,000 خطوة يوميًا وحياتك تنحصر في مساحة معيشة صغيرة في إحدى المدن. أياً كان ما تسعى إليه، فالعلم يبين لك بأنك تبذل جهدًا أكبر كلما شعرت بالاقتراب من خط النهاية. عندما تأمل الباحثون هذه النزعة وللمرة الأولى، أطلقوا عليها اسم فرضية التدرج في الهدف. وتبين أن لها أثر مثير للاهتمام ليس فقط في من أجل السعي بقوة أكبر، بل أيضًا من أجل المسوقين الذين يتطلعون لإقناعنا في شراء فنجان آخر من القهوة أو على الأقل في القيام برحلة الطيران التالية.

يدرس أوليغ أورمينسكي، أستاذ جامعي في التسويق بكلية إدارة الأعمال بجامعة شيكاغو بوث، فرضية التدرج في الهدف منذ أن كان طالب دكتوراه. وفي الآونة الأخيرة, في مقابلة إذاعية ببرنامج علم الاختيار Choiceology تحدثت كاتي ميلكمان، أستاذة جامعية في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، مع اورمينسكي وفيما يلي نسخة منقحة من المقابلة.

هل يمكن أن توضح ما هي فرضية التدرج في الهدف؟

الفكرة الأساسية هي أنه كلما اقتربنا من الوصول إلى الهدف، يكون لدينا المزيد من الحوافز لمواصلة العمل لتحقيق هذا الهدف.

هل يمكنك التوضيح كيف تبين ذلك في ورقة 2006 الكلاسيكية؟

كانت هناك بعض الدراسات المبكرة التي حاولت اختبار ذلك بطريقتين. وهي اثنتان من الدراسات المفضلة لدي: في أحدهما، صمم بعض الباحثين جهازًا يعلقون السجائر عليه، قامو بإحضار المدخنين إلى المختبر، مما جعل المدخن يضطر إلى سحب السيجارة وهي معلقة على هذا الجهاز المنزلق في فمه لسحب الدخان.

حدث ذلك في السبعينيات. لقد حاولوا قياس هذه الفكرة لأنهم اعتقدوا أنهم سوف يقومون بيسحب الدخان بشكل أسرع لأن السيجارة كانت تقريبًا موضوعة في الفم. بالطبع، لم يجدوا أي نتائج، فلا يريد أي أحد أن يصطدم بوجهه هذا الجهاز المحمّل بالسجائر.

كانت هناك دراسة أخرى أجريت على الأشخاص الذين يذهبون إلى أحد البنوك لصرف الشيكات النقدية وحاولوا قياس سرعة المشي. هذا يسلط الضوء على الاختلاف بين الجرذان في المختبر والبشر، وهو في أننا نسرع من تلقاء أنفسنا. ربما لا ترى الناس يقتحمون باب الكافيتريا مندفعين كما يفعلون ذلك في المصرف. نحن نعلم أن الجائزة ستكون موجودة هناك ومع ذلك نقوم بتحديد مقدار الجهد المبذول ومدى السرعة للوصول إلى هذه الجوائز التي هي بالتأكيد موجودة بكل الأحوال.

أردنا اختبار الفكرة عند البشر، فمن المرجح أن يتم تطبيق تدرج الهدف هذا ذهنيًا وذلك عندما نفكر في الأهداف المختلفة في حياتنا وكيفية تحديد أولوياتها، ومدى الجهد المبذول في سبيل كل هدف وفي أي وقت كان. لقد اعتمدنا بأن الاختبار الأمثل لهذه الفروقات التحفيزية تكمن في برامج الولاء لدى العملاء في علم التسويق.

فكر في شراء 10، واحصل على واحدة مجانًا, وذلك بالنسبة لبرامج القهوة، أو في السفر المتكرر بالنسبة لشركات الطيران. في حال كنت تفكر في برنامج القهوة، فأنت عطشان، وتريد الحصول على أي شيء تشربه، يمكنك الذهاب إلى المقهى في الطابق السفلي حيث لديك بطاقة خصم أو يمكنك الذهاب إلى أي مكان آخر. قد تتأثر طريقة اختيارك لهذه الأشياء بمحاولتك لإنهاء بطاقة الخصم للقهوة تلك. تمت الدراسة الرئيسية في شراء 10، والحصول على بطاقة قهوة واحدة مجانية في الحرم الجامعي. تم تنظيم هذا البرنامج بجمع البطاقات، مع قياس الوقت الذي استغرق فيه الأشخاص في العودة لتناول القهوة التالية و ذلك بالاستدلال على عدد الخِتم الموجودة مسبقًا على بطاقتهم. عندما يكون لديك ختمًا واحدًا فقط على بطاقتك، ومازال هناك تسعة لتحصل عليها، فسوف تكون أقل حماسًا، وبالتالي سوف يستغرق منك وقتًا أطول للعودة وشراء فنجان قهوة آخر، مما لو كان لديك ثمانية خِتم وبقي اثنان منها فقط، هذا بالضبط ما وجدناه.

مالذي يجعلك تعتقد أن الناس يتصرفون بهذه الطريقة؟

أعتقد أن طريقة تنظيم الإدراك الأساسي لدى البشر تعطي الأولوية للمكافآت الأكبر و الأقرب لتحقيقها. عند الجرذان، يتم ذلك مباشرةً و بطريقة بسيطة للغاية. ولكن بالنسبة للبشر، يتم تصفية كل ما نقوم به من خلال الإدراك الأكثر تعقيدًا والأعلى ترتيبًا.

والطريقة الأخرى لقول ذلك هي أننا متحيزون، وهذا في الواقع جزء مما يحدث. عندما يكون لديك ختم واحد فقط على بطاقتك، فهذا بعيد المنال. بينما عندما يكون لديك ختمان فقط، فتلك القهوة تكون وشيكة، يمكنك الحصول عليها في الحال. وهكذا، يصبح للأمر قيمة أكثر.

تخميني هو أننا نفكر بشكل عفوي في الأهداف أكثر إذا كان بالإمكان تحقيقها في أقرب وقت وسوف تُؤخذ على محمل الجد وتُقدر أكثر.

أود أن أتحدث عن “وهم التقدم” وكيف يرتبط هذا بوهم التقدم.

هناك الكثير من الأبحاث التي تظهر أن البشر يحاولون تكوين الأحكام واستخدام الاستدلال لتبسيط القرارات المعقدة. وهذا يعني أن السلوك البشري لا يهتم بالمسافة الفعلية للوصول إلى الهدف، ولكن تقديرنا لتلك المسافة.

وبالتالي، فإن وهم التقدم مثير للاهتمام ذهنيًا لنجعل منها طريقة لاختبار فيما إذا كان الدافع يتعلق بالاقتراب من الهدف الحقيقي أو الإدراك الذاتي له.

الفكرة الأساسية هي الحفاظ على مسافة موضوعية ثابتة من الهدف، وهذا جعل بعض الناس يشعرون بأن الهدف قريب جدًا والبعض الآخر يشعرون بأن الهدف بعيد جدًا. وهكذا، قمنا في الدراسة بتصميم نوعين مختلفين من بطاقات القهوة هذه. إحداها كانت بطاقة مكونة من 12 أختام، لكننا اضفنا ختمين مجانيين. النسخة الأخرى كانت بطاقة قياسية، فقط اشترِ 10 أكواب قهوة، واحصل على واحدة مجانًا.

في كلتا الحالتين عندما يحصل الناس على البطاقة، يكون لديهم 10 أكواب قهوة للحصول على المكافأة. ولكن في الحالة الأولى، من خلال برمجتها على أنها 12 ختماً ومنحهم ختمين بالمجان، سيشعرون أنهم في طريقهم للوصول إلى المكافأة.

سوف يستكمل الناس بطاقاتهم بشكل أسرع إذا اعتبروا أن المتبقي هو 10بطاقات من أصل 12 بطاقة أكثر من أن يكون ال 10 بطاقات هي المطلوبة. يمكنك رؤية هذا في الكثير من إعدادات ألعاب الفيديو real-world المختلفة، حيث ستمنحك الكثير من البرامج تلك نقاطًا مجانية للبدء.

أين سيكون لهذا الاكتشاف فائدة أكبر خارج نطاق برامج المكافآت؟ هل يمكن أن يكون مهمًا للأشخاص الذين يحاولون تحقيق الأهداف؟

أحد زملائي، ديفين بوب، لديه دراسة رائعة تبحث في الاختبارات المعيارية. قام بإعداد اختبارات مختلفة في أيام مختلفة مع إبلاغ الطلاب مسبقًا أي موضوع سيتم تناوله وذلك بالتدريج, أولاً و ثانيًا و ثالثًا و رابعًا.

وجد أن الطلاب يحرزون نقاط أعلى في الاختبار الأول. الفكرة هي أنه في الأسبوع الماضي، كانوا يفكرون في هذه الأهداف الأربعة لمحاولة تحقيقها، والنجاح في أربعة اختبارات تغطي أربعة مواضيع مختلفة، وكانوا يركزون جهودهم على الهدف الأقرب. الطلاب يفكرون في الموضوع الأول، “دعني أدرس بجد لهذا الموضوع.” وربما يعطونه كامل أولوياتهم باعتباره الموضوع الأول.

هذا يعني أن فهم تدرج الهدف مهم لضبط الدوافع الخاصة بنا لأنه يمكن أن يكون سيفًا ذو حدين. من ناحية، فإن وجود هدف واضح موعود به ضمن شرط واضح هو بالفعل أمر محفز. إنه يجذب اهتمامنا، ويجعلنا نحشذ طاقتنا ونعمل بجد لتحقيق هذا الهدف. إنه مورد محفز جداً ويمكننا الاستفادة منه لتحديد بطريقة تجعلنا نقترب من الهدف.

من المحتمل أن يكون لتدرج الهدف جانبٌ مظلمٌ أيضًا، فالتركيزعلى الهدف القريب، سوف يجعل رؤيتنا محدودة، تمامًا مثل الطلاب. إن الجانب الآخر من فهم تدرج الهدف هو الإدراك بأنه مفيدٌ لتحفيزنا على تحقيق الهدف المرتقب، ونريد أن نؤكد على أنه لا يحجب النظرعن الأهداف الأخرى اللاحقة سواء أكانت متساوية الأهمية أو ربما تكون أكثر أهمية منها.

نتيجة البحث حول هذا الموضوع هل وجدت أي شيء في حياتك لتفعله بشكل مختلف عن السابق؟

ما أود أن أخبركم به هو أنني متقن في تنظيم الوقت وتحديد الأولويات في مشاريعي وأعمالي. لسوء الحظ، أنا أمثل الحالة الكلاسيكية التي يدرسها الأشخاص السيئون لأنهم يجدون أن هذه النظرية مذهلة.

لدي قائمة مهام طويلة جدًا وأقوم بتنظيم أهدافي لتحديد الأولويات. بعد ذلك، أجد صعوبة في صرف انتباهي عن الهدف الذي يكون في القائمة الأولى للوصول الى الأهداف الأخرى الطويلة المدى والأكثر أهمية. في حال كنت أعمل على مشاريع متعددة وكان أحدها مع مؤلف مشارك ولدي اجتماع مع هذا المشارك في اليوم التالي، فسوف يكون هذا أهم شيء في العالم بالنسبة لي، حتى إذا كان هناك شيء آخر أكثر إلحاحاً حيث تبدو الخطوة التالية في استكمال الهدف أقل أهمية.

هل وجدت أي علاج لمعاناتك؟ هل تفعل أي شيء لتفاديه أو لديك أي نصائح عصرية لتقديمها؟

الإستراتيجية التي أوصي بها، هي تحديد أولويات الأهداف بتفكير متبلد، حيث أفكر بان جميع أهدافي بعيدة المنال وأحاول أن اكون موضوعياً حول مدى أهميتها. وبعد ذلك، أضع أهم الأهداف في أول القائمة وأفكر في طرق تجعل هذه الأهداف سريعة المنال. وعلى الرغم من أنني لم أختبرها بطريقة علمية، فلقد حاولت اختبارها في حياتي الشخصية وحصلت على نتائج مختلفة.

نحن جميعًا نشعر بأن هذا مفيد حتى لو لم نكن نعرف السبب في ذلك. بالنسبة للأهداف البعيدة المنال، حاول تقسيمها إلى أجزاء و ركز على الجزء الذي يمكن إنجازه بسهولة لإحراز تقدم في هذا الدافع. لذا، إذا كنت أكتب بحثًا، وفكرت بأنه في أفضل الأحوال، سيتم نشره بعد عامين، فسوف يكون هذا محبطًا لي.

ولكن بدلاً من اختيار، يومًا لنشره فإنني سأحاول الانتهاء من المسودة الأولى، ثم سأقوم بإعادة صياغتها في رأسي وسأشعر بالحماس أكثر.

المصادر: 1