الأطفال ذوو الحافز الكبير يتفوقون على الأطفال الأذكياء

يُعد كيفن أوفساك أحد أولئك الذين يبدون وأنهم لن يتماهلوا أبدًا. فعلى الرغم من واجبهِ الدراسي في كلية الطب بجامعة هارفارد، إلا إن لديهِ شغفٌ آخر وهو تصميم برنامج برمجيات أصلي لمساعدة الأطباء على اتخاذ أفضل القرارات.

يُوضح مواطن منيسوتا والبالغ من العمر 23 عامًا، والذي دَرَسَ الهندسة الطبية الحيوية وعلوم الكومبيوتر في جامعة ديوك كطالب جامعي «إنه أمرٌ ممتع بالنسبة لي» ويُقر بأنه يسمح لنفسه بتناول الطعام في أثناء العمل عندما يكون منغمسًا بأحد مشاريعهِ.

وهنالك مصطلح يطلق على الأشخاص الذين يماثلون أوفساك – وهو النوع الذي يختار أن يواجه تحدي برمجة معقد بالإضافة إلى عبءٍ ثقيل من الواجبات الدراسية الصعبة. ويصف عُلماء النفس التربوي أديل وألن جوتفريد الأشخاص البارزين ب «الموهوبون بشكلٍ تحفيزي» عندما يتعلق الأمر بالجهد والتصميم. ووفقًا لجوتفريد فقد أهملت ثقافتنا بشكلٍ كبير من مدى أهمية الدافع لضمان النجاح في الحياة لاحقًا، فإذا تَعَلمَ المجتمع تقدير هذه الكفاءة بنفس الطريقة التي ينظر بها إلى مهارات الذكاء أو القيادة، فقد تكون نعمة كبيرة للأطفال – وخاصةً لأن الدافع والتحفيز على عكس المواهب الأخرى، فهي كفاءة متاحة لنا جميعًا.

لدى آل جوتفريدز العديد من الأبحاث التي تدعم نظرياتهم عن التحفيز، وحرفيًا بما يكفي للأبد. وفي أواخر السبعينات كان لدى عائلة جوتفريدز أساتذة في جامعة ولاية كاليفورنيا، وعَمِلَ كلًا من ألين في فوليرتون وأديل في نورثريدج على مشروعٍ بحثي يدرس 130 طفلًا ولدوا في مستشفى في فوليرتون، كاليفورنيا. وكان ما يقارب من 90% من المشاركين من القوقاز وكان جميعهم تقريبًا ينحدرون من الطبقة العاملة إلى الطبقة المتوسطة العليا.

«إذا كان هنالك خلطة سرية للفوز بالحياة فعلى ما يبدو أن الأطفال المحفزين قد عثروا عليها»

جمعت آل جوتفريدز والعديد من الزملاء على مدى العقود الأربعة اللاحقة مجموعة هائلة من البيانات عن المشاركين في الدراسة، مما أسفر عن رؤى مهمة حول الآباء العاملين، والمزاجية، ومواضيع اخرى. وجمع الباحثون معلومات حول المشاركين من الآباء والمعلمين والنصوص وأختبروا معدل الذكاء ومستويات التحفيز وحتى إنهم زاروا منازلهم. وفي كل هذا جمعت دراسة فوليرتون الطولية ما يقارب 18000معلومة عن كل من المشاركين ال 107 المتبقين. وقالت ألين ببهجة «إنه عمل حياتنا» «سنأخذهُ إلى قبورنا».

يعتقد آل جوتفريدز أن أهم نتائج الدراسة تتركز على التحفيز. وكان أداء الاطفال الذين احرزوا درجات أعلى في مقاييس التحفيز الأكاديمي الأصغر في سن مبكرة. مما يعني أنهم استمتعوا بالتعليم لمصلحتهم الخاصة أكثر مما هي في المدرسة، وحصلوا على دورات أكثر تحديًا وأيضًا على درجات أعلى من أقرانهم. ولقد كانوا مؤهلين أكثر ليكونوا قادة وأكثر ثقة بالنفس فيما يتعلق بالواجب المدرسي. ورأى المعلمون أنهم يتعلمون أكثر ويعملون بجد أكبر، وكشبابٍ واصلوا البحث عن التحديات وفرص القيادة. وإذا كان هنالك خلطة سرية للفوز بالحياة فعلى ما يبدو أن الأطفال المحفزين قد عثروا عليها.

حوالي 19% من الأطفال الذين أُختيروا عشوائيًا لدراسة فوليرتون سجلوا لاحقًا 130 أو أعلى في أختبار الذكاء – وهو معيار مقبول على نطاقٍ واسع للموهبة الفكرية. ولكن مع بعض الاستثناءات القليلة، جوتفريدز «الموهوبين بشكل تحفيزي» لم يتداخلوا مع الموهوبين فكريًا. بمعنى آخر، تفوق هؤلاء الأطفال الذين يمتلكون تحفيز عالي حتى عند السيطرة، للاختلافات في الذكاء أو القدرة.

تبين أديل: «إن التحفيز في حد ذاتهِ يمثل مقدارًا معينًا من التباين في الانجاز يتجاوز معدل الذكاء». كما رأت جوتفريدز أن الاطفال الذين يتمتعون بتحفيزٍ عالي يزدهرون وينمون، ويبدأُون في البحث عن مفاتيح حل اللغز حول كيفية حصولهم على هذه الطريقة.

قَدّمَ الكم الهائل من المعلومات في دراسة فوليرتون نافذة غير عادية على الحياة المنزلية لأطفال الدراسة. وأجرت جوتفريدز جنبًا إلى جنب مع الزملاء مهمة شاقة لتحليل بياناتهم الضخمة لإثارة «المسارات» – التأثيرات البيئية التي وقعت أو لم تحفز الأطفال نحو التحفيز الجوهري حينما يتعلق الأمر بالتعلم.

أثبتت النتائج بعض أجزاء الحكمة التقليدية وأنكست البعض الآخر منها. وقد ساعد الآباء الذين يقرؤون لأطفالهم في تنمية حب القراءة، مما أدى بشكلٍ غير مباشر إلى تحقيق قراءة أعلى. ولكن عدد الكتب في المنزل لم يكن له تأثيرٌ على هذا الانجاز. ويميل الأطفال في الثامنة من العمر والذين يُشجَعون على أن يكونوا فضوليين إلى حب العلوم وأخذ دورات علومٍ أكثر تحديًا في المدرسة الثانوية.

عمومًا، كان لدى الآباء الذين شجعوا الاستقصاء والاستقلالية والجهد، والذين قدروا التعلم لمصلحتهم الخاصة، أطفالًا يتمتعون بمستويات أعلى من التحفيز والإنجاز الجوهريين. وبالإضافة لذلك فقد استمرت آثار هذه الممارسات مع تقدم الأطفال بالعمر. وتشير أديل «أن ما تفعله في سن التاسعة ليس له تأثيرٌ فوري فحسب، بل له تأثيرٌ لاحق مع مرور الوقت».

تكرار تلك النتائج لخبراء آخرين، وفي دراسة بعد دراسة، تميل المكافآت الخارجية مثل المال أو الحالة إلى تقليل استمتاع الناس بنشاطٍ ما، حتى وإن كانوا يحبون ذلك في السابق. لذا، فإن في سبيل إعداد الأطفال لتحقيق نجاحٍ حقيقي في الحياة، يجب أن يكون لديهم تحفيزٌ جوهري أي أن يروا التعلم ومواجهة التحديات الجديدة كمكافأة خاصة بهم، وكتبت جوتفريدز في عام 2008: «تعليم الرغبة في التعلم قد يكون بنفس أهمية تدريس المهارات الأكاديمية».

«لماذا نعلق عند اختبار الذكاء؟»

في السنوات الأخيرة، سادت فكرة أن النجاح يعتمد على صفات أخرى غير الذكاء. وقد عَممت عالمة النفس أنجيلا داكويرث مفهوم الحصى -أي التمسك بهدفٍ بالرغم من الصعوبات- إلى جانب البحث عن صفاته التنبؤية للنجاح. وأمضت كارول دويك، عالمة النفس في ستانفورد سنوات لتوثيق تأثير «عقلية النمو»، حيث يُقدر الناس العمل الشاق والتفاني في القدرة الفطرية. ومع ذلك فإن هذه المفاهيم تدفع بعدة طرق ضد التأريخ. تقول ألين بفارغ الصبر: «قرن كامل من البحث، عندما ترى الموهبة، إنه ذكاء. وقلنا كما تعلمون، يمكن أن تأتي الموهبة بأشكال عديدة». «لماذا نعلق عند اختبار الذكاء؟»

على الأقل يقع اللوم بصورة جزئية على عالم النفس في ستانفورد لويس تيرمان، الذي طوّر الاختبار المستخدم لقياس الذكاء والمعروف باسم ستانفورد بينيه. في عام 1922 أخذ هو وباحثوه الأطفال من مدارس كاليفورنيا بناءًا على توصيات المعلمين. وقد أُعتُبِرَ أُولئك الذين حازوا على أعلى من الحد المعين في اختبار الذكاء موهوبين ومسجلين في دراسة تيرمان الطولية الرائدة.

أستمر العلماء بالجدال لعقود حول الدروس التي يجب أن نستخلصها من حياة «النمل الأبيض». ولكن إحدى ميزاتهِ الواضحة هي مقياس القدرة. في القرن الماضي أصبح معدل الذكاء 130 فما فوق عمومًا كعلامة قياسية للموهبة الفكرية.

«يمكن أن تأتي الموهبة بأشكالٍ متعددة. لماذا نعلق في ختبارات الذكاء؟»

على مدى العقدين الماضيين، اعتمد معظم المعلمين والمؤسسات التوسع في هذا التعريف – ولكن القليل منهم على ما يبدو على استعدادٍ للتخلي عن جوهرهِ. وجد اثنان من أساتذة جامعة فلوريدا، في دراسة عام 2011، إن جميع الولايات الخمسين «تجاوزت» اختبارات الذكاء كمعيارٍ وحيد لتحديد الأطفال الموهوبين أو ذوي القدرات العالية. ووفقًا للمؤلفين، تنظر العديد من الدول الآن في معايير متعددة عند تقييم الموهبة، أما من خلال متوسط عدة فئات (على سبيل المثال القدرة، والقيادة والابداع) أو اختيار الأطفال الذين يتميزون على واحدٍ أو أكثر منهم.

ومع ذلك، فلا تزال معظم الدول تطلب اختبار الذكاء والانجاز، ووجد المؤلفون ثلاث ولايات فقط تُدرج التحفيز كفئة في تعريفها للموهبة. وقد يكون العزم مرغوبًا أيضًا ومحببًا لدى الجمهور ولكن النظام لا يزال يركّز بشكلٍ كبير على درجات الاختبار.

يقول رينيه آيسلاس من الرابطة الوطنية للأطفال الموهوبين أنه من الصعب، ما إن لم يكن من المستحيل، معرفة عدد المناطق التعليمية التي قد تستخدم التحفيز كجزءٍ من تعريف الموهبة، وذلك لأن العديد من الولايات أيضًا تسمح للمناطق المحلية بصياغة معاييرها الخاصة.

يسارع آيسلاس للإشارة إلى إن التعريف ليس سوى قمة جبل الجليد عندما يتعلق الأمر بتعليم الموهوبين. ويُخبر الآباء بأن يكون التركيز على الملصق أقل من التركيز على الخدمات التي يعتقدون أن أطفالهم يحتاجونها. ولكنهُ لا يتفق على أن النظام يمكنه أن يغفل الأطفال المستحقين. وعُثِرَ على دراسة أُجريت عام 2015 لتحليل البيانات من ولاية واحدة يُبين فيها أن الأطفال الفقراء وذوي البشرة الداكنة (من أصول أفريقية)، ومتعلمي اللاتينية أو اللغة الإنجليزية كانوا أقل اختيارًا لأن يُعرفوا كموهوبين بمرتين ونصف حتى عندما سجلوا نفس النتيجة مع أقرانهم في الصف الثالث في الرياضيات و قراءة الاختبارات. وغالبًا ما يحصل الأطفال الذين يحصلون على الإيماءة الرسمية على أنهم «موهوبين» على فرصٍ أكبر – لذا فأن آيسلاس يعتقد أن من الأهمية أن يواصل المتعلمون العمل ليحصل عليها من يستحقها.

«يمكنك الاستمتاع بما تفعله في الحياة»

لكن بحث جوتفريدز حول التحفيز مهم للأسباب التي تتجاوز تعليم الموهوب، تعتقدان جوتفريدز أن المدارس والآباء يمكنهم مساعدة جميع الأطفال في العثور على شغفهم للتعلم. وتشتكي ألن من أن «التعليم موجه للغاية تجاه المهارات، وبالتالي فإنه موجه نحو الكفاءة، ويبدو أنهم ينسون التحفيز». وتقول أديل أن أهم شيءٍ يمكن للآباء فعله لأطفالهم هو إثارة فضولهم وإعطائهم الفرصة ليصبحوا جيدين في شيءٍ يستمتعون به سواءٌ كان ضمن فئة موهوبة أم لا. وتقول أيضًا: «يمكن لأي شخصٍ أن يكون موهوبًا بشكلٍ تحفيزي، وذلك بإعطائه التشجيع المناسب».

ومع ذلك فقد تجد هذه الرسالة صعوبة في صدى المناخ التعليمي الحالي، ومع إندفاعها الدؤوب لتحقيق الإنجازات في وقتٍ أبكر وأسرع.

«ما هي الرسالة التي نعطيها للأطفال؟ ليس عليك أن تعاني خلال عملك للوصول إلى عطلة نهاية الأسبوع. يمكنك الاستمتاع بما تفعله في الحياة».

تقول المعلمة شيري ويرنر، مديرة مدرسة متوسطة رسمية في غرب لوس أنجلوس: «أن التركيز على التحفيز لا يحدث لأنه يتناقض تمامًا مع ما يقوله المجتمع للأطفال». وتعتقد ويرنر أن المعلمين بحاجة إلى التواصل مع الأطفال من خلال تعليمهم بطريقة تبدو ملائمة لحياتهم. ولكن أولوياتها تضعها أحيانًا في مسار تصادم مع الآباء، وخاصة عندما ينتقل الأطفال إلى مرحلة أعلى.

تقول ويرنر: «هنالك الكثير من المخاوف من إنه إذا ما تركنا الأطفال يتعلمون ما يشاؤون تعلمهُ، فلن يذهبوا إلى الجامعة». ولقد شَهِدَتْ تصاعد قلق الوالدين على مر السنين مع تصاعد المنافسة في الجامعات وسوق العمل. ولكنها تعتقد أن المدارس لا تفضل الأطفال عندما يُثنون عن استكشاف الموضوعات التي تهمهم بشكلٍ طبيعي. «ما هي الرسالة التي نعطيها للأطفال؟ ليس عليك أن تعاني خلال عملك للوصول إلى عطلة نهاية الأسبوع. يمكنك الاستمتاع بما تفعله في الحياة».

أن آل جوتفريدز هُم تجسيدٌ حي لهذه الروح. وما زالا يشاركان بنشاطٍ في أبحاثهما، وتتوقان لمناقشة معايير أحدث نتائجهما. ومع اقتراب الأطفال في دراسة فوليرتون من منتصف العمر، فقد تغيرت المقاييس من جدولة الدرجات ومعدلات الصف إلى تعريفات أخرى أكثر ذاتية للإنجاز، مثل الرضا عن الحياة والعلاقات. وقد ساعدتْ ألين مؤخرًا في تصميم استبيان لقياس النجاح الشخصي.

إنهُ يقول: «أن العنصر الأكثر إفادة في المقياس ببساطة هو تحقيق الأهداف التي حددتها». «وٱنه يتجاوز التعليم، والمال، إنه نجاحك الشخصي». ولقد أمضوا وقتًا بالنظر إلى القيادة، والتي ليس من المستغرب أن تتوافق مع أبحاثهم التحفيزية الذاتية. ويدرس فوليرتون الأطفال الذين أظهروا مستويات أعلى من التحفيز الذاتي في سن التاسعة وتبين أنهم أكثر حماسًا للقيادة في العشرينيات من العمر – وربما ذلك لأنهم يستمتعون حقًا بالتحدي.

ولكن الملاحظة النادرة للأسف تتغير عندما تتحدث جوتفريدز عن عملهم للجمهور العام. أنهم أكاديميون وليسوا صحفيين. وتُقر ألين قائلةً: «نحن لا نعلم كيف نكتب للجمهور»، متذكرًة الأوقات التي تركوا فيها غير الخبراء في حيرة من الوصف التفصيلي للتحليلات المتغيرة الكامنة والمعادلات الهيكلية – أدوات التجارة لعلماء النفس البحثي. ووافقت أديل «لقد قالوا لنا إننا فقدنا الجمهور». ولقد تحدثوا مع الزملاء في المؤتمرات الأكاديمية حول طرق الوصول إلى المزيد من الممارسين والآباء. ولكن ربما يحتاج بقيتنا إلى لقائهم في منتصف الطريق. وبعد كل ذلك، لقد وهبتا حياتهما بأكملها للبحوث، و الآن الأمر متروكٌ للجميع للاستماع.

المصادر: 1