السبب الحقيقي وراء كارثة مجاعة البطاطا الأيرلندية

منذ عام 1850، رفع الانفجار السكاني مجموع سكان العالم من 1.2 مليار إلى 8 مليار نسمة. ولكن رغم ذلك، ما زالت أيرلندا تعاني من الحدث المأساويّ الذي وقع قبل 150 سنة: مجاعة البطاطا الأيرلندية.

في عام 1844، كان تعداد سكان أيرلندا 8 مليون نسمة، ولكن في 2018، أفاد مكتب تعداد السكان الأيرلندي أن عدد سكان أيرلندا لا يصل الخمسة ملايين نسمة. والملفت في النظر، أن انخفاض عدد السكان حدث ما بين عاميّ 1844 و 1849.

فكيف لمجاعة أن تسبب مثل هذا التأثير الوخيم طويل الأمد وخفض تعداد السكان في فترة قصيرة كهذه؟ فبعكس المجاعات الأخرى، لم يكن سبب المجاعة هو القحط أو الجفاف، ولا حتى تغير المناخ أو التربة؛ وإنما كانت خليطًا من الفساد السياسيّ، الاضطهاد الدينيّ، والتوقيت السيء لمرضٍ أصاب المحاصيل.

وفقًا للموسوعة البريطانية “بريتانيكا” Encyclopedia Britannica، ضمّت “قوانين الاتحاد لعام 1800” أيرلندا -والتي كانت مستعمرةً بريطانيةً آنذاك- لتتّحد مع المملكة المتحدة وتُأسّس المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا.

وبما أن الأيرلنديين الكاثوليك كانوا محظورين من تمّلك الأراضي، فقد كانت جميع مزارع أيرلندا مملوكة للعائلات البريطانية الثرية. وبهذا فقد كان مُلاك الأراضي يؤجرون الأراضي الزراعية الأيرلندية للمزارعين الأيرلنديين.

عائلة فلاحيين أيرلندية تكتشف ضرب آفة البطاطا مخزونهم – لدانييل مكدونالد عام 1847

ولم يكن للأيرلنديين أي خيارٍ سوى أن يصبحوا مزارعين مأجورين، لأنهم كانوا ممنوعين من التصويت أو حتى تلقي التعليم. وليتمكنوا من دفع إيجار الأرض، قام المُلّاك بتقسيم الأرض الواحدة إلى مساحات صغيرة من فدان أو فدانين.

وبذلك ذهب معظم الحصاد وما ينتج من تربية الماشية كدفعٍ لإيجار الأراضي وزيادة ثراء الأثرياء الإنجليز.

سُمح للمزارعين الأيرلنديين بزراعة قطعة صغيرة من الأرض بالبطاطا لإطعام عوائلهم. وبما أن البطاطا رخيصةٌ وتنمو حتى في التربة السيئة، فقد تمكن المزارعون من البقاء.

ولكن تغيّر كل ذلك عندما وصلت فطريات آفة البطاطا لأيرلندا، وتدمّرت محاصيل البطاطا الأيرلندية بالآفة في فترةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ للغاية.

وبما أن البطاطا هي مصدر غذائهم الوحيد، فقد واجهوا معضلة حياةٍ أو موتٍ. فإن لم يستخدموا المحاصيل والمواشي لدفع أجور الأراضي الزراعية فسيطردون منها؛ وبذلك مات الملايين منهم جوعًا.

كاريكاتير سياسيّ أيرلندي: “تاريخ مروّع” – لجون فيرغس عام 1881

نزح وهاجر باقي الأيرلنديين للولايات المتحدة ومناطق أخرى في أوروبا. وما بين هذه الهجرات الجماعية وملايين موتى المجاعة، انخفض تعداد سكان أيرلندا بالملايين قبل أن تنتهي المجاعة عام 1849.

نصب المجاعة التذكاريّ في دُبلن

والجدير بالذكر، أن المجاعة لم يكن سببها نقص الغذاء، فقد استمر المزارعون الأيرلنديون بزراعة المحاصيل الأخرى وتربية المواشي. ولكن كان كل ما ينتجونه يذهب لدفع إيجار الأرض للمُلاك. ومع أن بعض الملايين استطاعوا النجاة والبقاء على قيد الحياة، إلا أنّ تعداد سكان أيرلندا لم يتعافى منذ حينها لهذا اليوم.

ولكن يبدو أن المجاعة قد غيّرت موقف الأيرلنديين من علاقتهم ببريطانيا بصورة كبيرة. فعندما بدأت المجاعة بالانتهاء عام 1848، قام القوميون الأيرلنديون، متأثرين بالثورة الباريسيّة الفرنسية، ببدء سلسلة من الانتفاضات محاولين تخليص أيرلندا من قبضة بريطانيا العظمى.

احتاج الشعب الأيرلندي سنواتٍ عديدةً ليستقلّ عن بريطانيا عام 1919، وتبنّى دستورًا أسماه “أيرلندا” عام 1937، لتُصبح بلادهم أخيرًا ورسميًا جمهورية أيرلندا عام 1949.

المصادر: 1