بكتيريا تجرح وبكتريا تداوي: من أين نحصل على أدويتنا؟ وما دور الشعيات الفطرية actinomycetes وهل هي فعلا الصيدلية التي منحتنا إياها الطبيعة؟

لطالما سمعنا بالبكتيريا المقاومة للصادات الحيوية antibiotic-resistant bacteria وعدم فعالية هذه العقاقير في القضاء على الإصابات البكتيرية bacterial infections. لذلك تعمل مجموعات بحثية في بلدان عديدة على إيجاد صادات حيوية جديدة ذات فعالية طبية-علاجية وليس فقط مخبرية-بحثية. مع اقترابنا من عام 2050 يقدر العلماء ارتفاع عدد حالات الموت جراء الإصابة بالبكتيريا المقاومة للصادات الحيوية أو الفطريات المقاومة للمضادات الفطرية antifungal-resistant yeasts متجاوزةً أعداد حالات الموت التي تسببها حوادث الطرقات والسرطانات والأمراض في أنحاء العالم.

رسم يعبر عن مقاومة الأحياء الدقيقة للعقارات المضادة لها

للصادات الحيوية دورٌ كبير وأساسي  في درء الإصابات بالعدوى infections خلال العمليات الجراحية surgical operations وإدارة الأمراض المزمنة chronic illness management. ولكن كثرة استعمالها يدفع البكتيريا لتطوير آليات بيوكيميائية biochemical mechanisms لإبطال مفعول هذه الصادات عليها. فيعمل المشرعون القانونيون مع مستشارين مختصين بعلم الأحياء الدقيقة على سنّ قوانين تهدف إلى التقليل من استعمال الصادات الحيوية في مجال الزراعة وتعزيز الإشراف على ضبط انتشار هذه المركبات الكيميائية في البيئة، إلا أن هذه الإجراءات غير كافية ولابد من إيجاد صادات حيوية جديدة خصوصاً في هذا الوقت.

من أين نحصل على الصادات الحيوية؟

تعتبر الأحياء الدقيقة المتواجدة في التربة soil microorganisms مصدرا أساسيا لاكتشاف الصادات الحيوية بالإضافة إلى طيف واسع من المركبات الطبيعية الأخرى ذات الفعالية الحيوية natural bioactive compounds على الإنسان والحيوان والنبات وتضم: أدوية السرطانات الكيميائية antitumoral chemotherapeutics والمثبطات المناعيّة immunosuppressants والمضادات الفطرية antifungals وطاردات الديدان antihelminthic والمضادات الفيروسية antivirals ومانعات التخثر antithrombotics ومنشطات النمو النباتية growth promoters ومبيدات الأعشاب hrebicides وغيرها الكثير. وتعتبر الشعيات الفطرية أهم منتج لهذه المركبات الطبيعية ذات الفعالية الحيوية. وقد يوهمنا الاسم بأن هذه الأحياء الدقيقة فطريات إلا أنها بكتيريا وتتواجد في مختلف أنواع التربة ضمن بيئات كوكبنا المتعددة.

يظهر الشكل 1 ستة أطباق بيتري Petri dish تحتوي على عزلات مختلفة isolates للشعيات الفطرية ذات ألوان متنوعة حيث تظهر المستعمرات البكتيرية bacterial colonies بمظهرها المجعد الذي يميزها. المصدر

المتسلسلات Streptomyces أول مصنعات الصادات الحيوية

تنتج الشعيات الفطرية معظم الصادات الحيوية المستخدمة في الطب البشري والبيطري وهي مجموعة بكتيرية خيطية filamentous غير متحركة non-motile. ينتمي أكثر من ثلثي الأحياء الدقيقة المنتجة للمركبات ذات الفعالية الطبية المذكورة أعلاه إلى جنس genus المتسلسلات Streptomyces المنتشرة بكثرة في كل أصناف التربة. تعرف الفترة الممتدة بين عامي 1950 و 1970 بالعصر الذهبي لاكتشاف الصادات الحيوية فاختُبرت مختلف أنواع التربة screening بشكل مكثّف للبحث عن أنواع ميكروبية منتجة لمركباتٍ كيميائية ذات فعالية حيوية، وقد تم تمويل هذه الأبحاث من قبل الصناعات الدوائية، فعُزلت أنواع بكتيرية عدة من جنس المتسلسلات بالإضافة إلى عزل أنواع تنتمي إلى أجناس أخرى من أسرة phylum الشعيات الفطرية. أسفر عن هذا البحث المكثّف عن اكتشاف آلاف المركبات التي استُخدمت طبيا بنجاح. ولكن بعد بضعة عقود من هذا النجاح الكبير ضعف ألق هذه الاستراتيجية بشكل ملحوظ بعد تناقُص وتيرة اكتشاف أنواع بكتيرية جديدة وإهدار مبالغ وجهود كبيرة على إعادة عزل أنواع مكتشفة سابقاً.

دراسة أنواع تربة جديدة قد يقودنا إلى اكتشاف مضادات ميكروبات antimicrobials جديدة

لوحظ أن دراسة أنواع تربة متشابهة بحثا عن الشعيات الفطرية يُنتج عزلات بكتيرية isolates تنتج صادات حيوية متشابهة كيميائيا. دفعت هذه النتائج الباحثين المهتمين بالمركبات الطبيعية ذات الفعالية الحيوية إلى البدء باستكشاف بيئات غير مألوفة آملين بعزل سلالات بكتيرية تحتوي على الجينات المسؤولة عن إنتاج مركبات ذات فائدة طبية وعلاجية. فما كان من الباحثين إلا البدء بالتوجه نحو البحار والمحيطات، فكان هذا التوجه موفقاً، إذ أظهرت السنوات العشر الأخيرة نتائجاً رائعة، فاكتُشف أكثر من 250 مركباً كيميائياً ذات فعالية حيوية مُنتجاً من 100 سلالة من الشعيات الفطرية تنتمي إلى قرابة 40 جنساً. فأُنتج أكثر من 40 مركبا جديدا من جنس السالينسبورا Salinspora منها السالينوسبوراميدات  salinospramides ذات الخواص المضادة للسرطانات و 18 مركبا جديدا من جنس فيروكوسيسبورا Verrucossispora منها عائلة الأبيسوميسين abyssomicin الصادات الحيوية بالإضافة إلى جنسي النوكارديوبسيس Nocardiopsis الذي ينتج 52 مركبا والميكرومونوسبورا Micromonospora الذي ينتج 46 مركبا أظهرت جميعها مصادر مستقبلية لمركبات متنوعة كيميائيا وجديدة باحتوائها على أجزاء moiety فريدة ذات فعالية طبية.

تعتبر صحراء أتاكاما actama في جمهورية تشيلي من أكثر البيئات جفافاً وقسوةً على سطح الأرض، ومن أغنى مصادر الشعيات الفطرية والمركبات الكيميائية المتنوعة. إذْ اكتُشف من هذا الصحراء وحدها أكثر من 46 مركبا كيميائيا تضم أشباه القلويات alkaloids والببتيدات peptides والماكروليدات macrolides والتربينات terpenes والبوليكيتيدات polyketides حيث طُوّر مؤخرا صادان حيويان جديدان هما كاكسالاكتين chaxalactin وكاكساميسين chaxamycin من متسلسلات عزلت من هذه البيئة.

صورة فوتوغرافية تبين عملية جمع العينات من صحراء أتاكاما بحثا عن الشعيات الفطرية. المصدر

 من المثير للاهتمام دراسةٌ تناولت أجناساً من النمل قاطع الأوراق leafcutter ants وكشفت وجود طيف واسع من المركبات ذات الفعالية الحيوية تحمي مزرعة الفطر التي يتغذّى عليها النمل من أعدائها الطبيعيين وهي فطريات أخرى بطبيعة الحال. عُزلت أجناس من الشعيات الفطرية في هذه الدراسة منها الرودوكوكس Rhodococcus والنوكارديا Nocardia والميكروبكتيريوم Microbacterium والكيتاساتوسبورا Kitasatospora والسيودونوكارديا Pseudonoocardia والمتسلسلات Streptomyces منها نوع Streptomyces formicae KY5 الذي يُنتج البوليكيتيدات خماسية الحلقات pentacyclic polyketides كالفورميكاميسين formicamycin وهو صاد حيوي جديد وواعد ضد السلالات البكتيرية ذات المقاومة المتعددة للأدوية multi-drug resistant strains. إن هذه لعينةٌ صغيرة من الطائفة الكبيرة للمركبات الكيميائية التي يمكن للشعيات الفطرية إنتاجها بعد عزلها من أي نقطة من على سطح كوكبنا، فجينوماتها في غاية الغنى والتنوع مما يسمح لها بإنتاج هذه المركبات وغيرها.

 

صورة فوتوغرافية للنمل قاطع الأوراق leafcutter ants وهي أحد مصادر الشعيات الفطرية المنتجة لمضادات الفطريات. المصدر

زيادة الإنتاج أساسي من أجل الحصول على دواء ناجح

لقد أسهم التقدم التكنولوجي في مجال تسلسل الدنا DNA sequencing ومطياف الكتلة mass spectrometry والمعلوماتية الحيوية bioinformatics في كشف المجموعات الجينية المسؤولة عن إنتاج المركبات المتعددة لدى الشعيات الفطرية وقدرتها الكامنة على لعب دور صيدلية الطبيعة بكل جدارة. ويزداد يقيننا يوما بعد آخر بقدرة هذه الكائنات الفائقة على إنتاج الكثير مما نحتاجه من مركبات كيميائية. فلا بدّ أولا من القدرة على إنتاج كميات كبيرة من هذه المركبات قبل البدء بالتخطيط للتجارب السريرية clinical trials. ومن أكثر التحديات الذي يواجهها المختصون في هذا النوع البكتريا وأنا منهم قلّة إنتاجها للمركبات المطلوبة، مما يستدعي البحث عن طرق وراثية genetic tools لزيادة الإنتاج، خصوصا تلك المركبات معروفة الجينات المسؤولة عن صنعها، حيث تنتجها بكميات قليلة جدا ضمن الشروط المخبرية.

من خلال دراستنا تسلسل الجينوم تستنتج أن أغلب أجناس الشعيات الفطرية تستطيع إنتاج 10-15 مركبا كيميائيا ذات خواص مضادة للميكروبات antimicrobial. ولكن ضمن الشروط المخبرية لا نتمكن إلا من جعل هذه الميكروبات تنتج مركبا واحدا أو اثنين، وذلك بسبب غياب التعبير الجيني gene expression للجينات المسؤولة عن إنتاج المركبات المتنوعة. أما في الطبيعة فتستطيع هذه الميكروبات إنتاج ما تتطلبه ظروف التنافس الحيوي competition للقضاء على الميكروبات الأخرى المتواجدة ضمن بيئتها. فتُطلَق تسمية الجينات الخاملة dormant genes على مثل هذا النوع من الجينات فهي موجودة لكنها غير مفعّلة، ويوجد اتفاق بين الباحثين على ضرورة استكشاف هذه الجينات وإيجاد الظروف البيوكيميائية الجزيئية القادرة على تفعيل هذه الجينات وتنشيط استقلاب metabolism مركبات جديدة نحن بأمس الحاجة لها بكميات كبيرة.

طرق الوراثة الجزيئية molecular genetics المتبعة في دراسة الشعيات الفطرية

هناك عدد من الطرائق التي يستخدمها الباحثون من أجل “إيقاظ” الجينات الخاملة وزيادة تعبيرها جينياً، منها فهم آلية ضبط regulation الجينات المسؤولة عن مركب ما. فإحدى الأفكار العبقرية في هذا المجال كانت بجعل سلالات الشعيات الفطرية تنمو بشروط كيميائية وفيزيائية وحيوية مشابهة لبيئاتها الأصلية، وذلك ضمن المختبر، فما كان من ذلك إلا مساعدة العلماء على فهم الإشارات الحيوية الكيميائية signalling pathways التي تطلقها الميكروبات وبالتالي تحديدها والتلاعب بها لاحقا لضمان إنتاجها للمركبات المطلوبة. فبهم هذه الإشارات الحيوية يتمكن الباحثون من تضخيم دور overexpression الإشارات الإيجابية وحذف delete الإشارات السلبية، مما يمكّننا من تفعيل الجينات المطلوبة وبالتالي إنتاج المركبات الكيميائية التي نسعى إلى إنتاجها.

إلى جانب التقدم الكبير في التقنيات المذكورة أعلاه، ساهم التقدم في الأدوات الجينية بإجراء حذف لبعض مناطق الجينوم genome regions كنظام الميغانيوكلياز إنترون المطور من فطريات الخميرة SceI meganuclease system وتوفر بلاسميدات تؤمن أجراء تقنية كريسبر الخاصة بالشعيات الفطرية pCRISPomyces plasmids مما سرّع بشكل كبير البحث في هذه الميكروبات. تساعد طريقة أخرى منطقية وبسيطة على حث هذه الميكروبات على إنتاج مركبات معينة عن طريق إضافة طلائع هذه المركبات precursor مما يساهم ببدء استقلاب هذه الطلائع وتحويلها للمركبات المطلوبة. وهناك أيضا طريقة الاستنساخ cloning للجينات المطلوبة من جنس إلى آخر ضمن الشعيات الفطرية، وقد أثبتت هذه الطريقة نجاحا ملحوظا بسبب التخلص من عوائق عملية النسخ transcription الموجودة في الكائن الأصلي خلال التعبير الجيني، وغياب هذه العوامل في الجنس البكتيري الذي نُقلت إليه هذه الجينات. إن عملية فهم آلية إنتاج أي مركب كيميائي ضمن الشعيات الفطرية صعبة وتحتاج إلى تجميع الكثير من البيانات data مما يتطلب إجراء آلاف التجارب المختلفة لفهم الخطوات والجزيئات الداخلة في استقلاب أي مركب كيميائي، وقدرتنا على إنتاج هذا المركب بالكميات المطلوبة.

سباق تسلح ضد البكتيريا الممرضة pathogens

الشعيات الفطرية منتشرة بكثرة في الطبيعة مزودة إيانا وبوفرة بمركبات جديدة ذات فعالية حيوية، وما علينا إلا عزلها ودراستها. فمن شأن الأبحاث متعددة التخصصات interdisciplinary التعاون وخلق ابتكارات جديدة لتطبيقها في خدمة كشف الشعيات الفطرية وكشف المخفي من قدراتها لمساعدتنا في سباق التسلح ضد مقاومة البكتيريا لأدويتنا.

المصادر: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9