إلى أيِّ مدىً نستطيع الاقتراب من الثقب الاسود؟

تسقط تيارات من الغازات إلى هلاكها وتنغمس في ثقوب سوداء، بعيدة عن الكون إلى الأبد. في لحظاتها الأخيرة، ترسل هذه البقايا الغازية توهجًا أخيرًا من الضوء، وهو واحد من ألمع الانبعاثات في الكون.

غطسات الموت هذه بعيدة جدًا بحيث لا يمكن رؤيتها مباشرة، لكن ابتكر الفلكيون تقنية جديدة للكشف عنها. إنهم يستخدمون طريقه لاختبار معرفتنا بالجاذبية في أكثر البيئات تطرفًا في الكون.

في دراسة جديدة، نظر الفيزيائيون إلى ميزات معيّنة لهذا الضوء لمعرفة أقرب ما يمكن الوصول إليه إلى ثقب أسود دون الحاجة إلى العمل بجد لمنع وقوع كارثة، عتبة الثقب الاسود هذه هي منطقة تسمى المدار الدائري الداخلي المستقر ISCO.

وجد الباحثون أن طريقتهم يمكن أن تعمل بفضل تواجد تلسكوبات أشعة سينية أكثر حساسية من سابقتها. وعلى الرغم من عدم قدرتنا على رؤية الثقب الأسود بشكل مباشر إلا أننا نستطيع رصد تأثير الثقوب السوداء على كل ما هو قريب منها بسبب قوة الجاذبية.

قبل الكارثة

أفق حدث الثقب الأسود هو الخط الخفي الذي لا يمكنك العودة منه أبدًا، لأن سرعة الإفلات من جاذبية الثقب الأسود تصبح أسرع من سرعة الضوء. لذا بمجرد أن يمر أيُّ شيء عبر أفق الحدث -وإن كان الضوء ذاته- لن يعود بإمكانه العودة إلى الكون؛ إن جاذبية الثقب الأسود قوية جدًا بعد أفق الحدث. لكن خارج الثقب الأسود كل شيء جميل.

ولكل ثقب أسود كتلة معينة، أصغرها يفوق كتلة شمسنا ببضع مرات وأكبرها قد يكون أثقل من الشمس بمليارات المرات؛ إنها وحوش الكون! لكن الدوران حول ثقب أسود يشبه الدوران حول أي جسم آخر في الكون، فالمدارات هي ذات المدارات والجاذبية هي ذات الجاذبية، الاختلاف هو في الشدة وحسب.

في الواقع، الكثير من الأشياء في الكون تجد نفسها تدور حول الثقوب السوداء، وبمجرد أن يعلق أي شيء في نطاق جاذبية الثقب الأسود ستبدأ رحلته نحو النهاية. عندما تسقط المادة باتجاه الثقب الأسود، تنضغط لتصبح بشكل حلقة رفيعة تعرف بالقرص المُزوِّد accretion disk. يدور هذا القرص ويدور، ولأن الحرارة والاحتكاك والقوى المغناطيسية والكهربائية تنشطه فسوف يتوهج بشكل مشرق.

في حالة الثقوب السوداء الأكثر ضخامة، تتوهج الأقراص المزوّدة حولها بشدة وتحصل على اسم جديد: النوى المجرية النشطة (AGN)، التي يفوق إشعاعها شدةَ ملايين المجرات المنفردة!

في القرص المُزوِّد، تحتك جزيئاتُ الغازِ التي تدورُ مع بعضِها البعض، ما يقلل سرعة دورنها ويرميها -في النهاية- الى فَكِ أفق حَدَثِ الثقبِ الأسود. ولولا قوة الاحتكاك تلك، لظلَّت المادة تدور حول الثقب الأسود إلى الأبد، بذات الطريقة التي يمكن للكواكب أن تدور حول الشمس لمليارات السنين.

نداء استغاثة

مع اقترابك من مركز الثقب الأسود، تصل إلى نقطة معينة تتلاشى حينها كل آمال الاستقرار أمام صخور الجاذبية. خارج الثقب الأسود مباشرةً ولكن قبل الوصول إلى أفق الحدث، تكون قوى الجاذبية شديدة للغاية بحيث تصبح المدارات المستقرة مستحيلة. بمجرد وصولك إلى هذه المنطقة، لن يمكنك البقاء في مدار هادئ وتصبح أمام خياران فقط: إذا كان لديك صاروخ أو مصدر آخر للطاقة، فيمكنك دفع نفسك بعيدًا إلى بر الأمان. ولكن إذا كنت قطعة من الغازات التعيسة، فستكون محكومًا أن تسقط نحو الكابوس المظلم المنتظر أدناه.

هذه الحدود -المدار الدائري الداخلي المستقر أو ISCO لعشاق المصطلحات الفلكية- هي تنبؤ قوي لنظرية النسبية العامة لآينشتاين، وهي ذات النظرية التي توقعت وجود ثقوب سوداء في المقام الأول.

المصادر: 1