8 طرق تجارية غيّرت تاريخ العالم

ظهرت الطرق التجارية خلال التاريخ القديم، رابطةً بين أماكن الإنتاج وأماكن التجارة، وكانت السلع النادرة متاحة فقط في أماكن محددة، مثل الملح والتوابل اللذين كانا أكبر محرك لشبكة التجارة، لكن عند إنشاء هذه الطرق صار حتى التبادل الثقافي أسهل، بما في ذلك انتشار الديانة والأفكار والمعرفة، وحتى انتشار البكتريا في بعض الأوقات.

1) طريق الحرير:

أشهر طريق تجاري قديم، ربط كبرى الحضارات القديمة كالصين والإمبراطورية الرومانية، وتمت التجارة بالحرير لأول مرة من الصين للإمبراطورية الرومانية في القرن الأول قبل الميلاد، وفي تبادل للصوف، والفضة، والذهب القادم من أوروبا، إضافةً لتعزيز التجارة، فإن طريق الحرير أصبح أيضاً طريقاً حيوياً لانتشار المعرفة والتكنولوجيا والدين والفنون، وأُنشئت عدة مراكز تجارية على امتداد الطريق، مثل سمرقند في أوزبكستان حالياً، وصارت مراكز هامة للتبادل الفكري، وكان أصل طريق الحرير في شيان في الصين، وامتد على طول سور الصين العظيم وعبر بعدها جبال بامير إلى أفغانستان ثم إلى بلاد الشام، حيث حملت البضائع عبر السفن المتجهة لموانئ البحر المتوسط، وكان من النادر للتجار أن يسافروا 4000 ميلاً، لذا أجرى معظمهم تجارته على أجزاءٍ من الطريق، وعندما انهارت الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي، لم يعد الطريق آمناً، ولم يستخدم مجدداً حتى القرن الثالث عشر، وعندما أعاد المغول إحياءه، اتبعه المكتشف الإيطالي ماركو بولو، خلال القرن الثالث عشر، وصار من أوائل الأوروبيين الذين زاروا الصين، لكن هذا الطريق المشهور صار مرغوباً لأشياء أكثر من مجرد التجارة، مثل الروابط بين الثقافات، ويظن العلماء أن التجار المسافرين على طول الطريق سببوا نقل البكتريا، وانتشار الموت الأسود (الطاعون).

2) طريق التوابل:

على خلاف معظم الطرق التجارية الأخرى المذكورة في هذه اللائحة، فإن طرق التوابل كانت ممرات بحرية تربط الشرق بالغرب، حيث كانت السلع المطلوبة بشكل كبير في أوروبا، هي الفليفلة، والقرنفل، والقرفة، وجوزة الطيب، قبل القرن الخامس عشر، وتحكّم الوسطاء في شمال أفريقيا والمنطقة العربية بوصول التجارة للشرق، مما جعل هذه التوابل مكلفة ونادرة الوجود، حسب بداية عصر الاستكشاف بين القرنين 15 و17 فقد جعلت تقنية الملاحة الجديدة من الإبحار للمسافات الطويلة ممكناً، وذهب الأوروبيون للبحار لبناء علاقات تجارية مباشرة مع الصين واندونيسيا واليابان، وقد جادل بعضهم بأن تجارة التوابل هي التي سببت تطور القوارب بشكل سريع، وشجّعت على اكتشاف الأراضي الجديدة وعززت العلاقات الدبلوماسية الجديدة بين الشرق والغرب (والتي كانت جزئية مع وجود التوابل بعين الاعتبار، حين قام كريستوفر كولومبوس برحلته الشهيرة في 1492).

وقد استفاد الإنكليز والهولنديون خصوصاً من السيطرة على تجارة التوابل في إندونيسيا، وتحديداً في المنطقة المعروفة بجزر الملوك أو جزر التوابل، والتي كانت المصدر الوحيد لجوزة الطيب والقرنفل حينها، وقد دقت طبول الحرب، واُستعمرت الأراضي، وتحققت ثروة بسبب عودة تجارة التوابل، مما جعلها واحدةً من أكثر الطرق التجارية تأثيراً في العولمة.

3) طريق البخور:

تطوّر هذا الطريق لنقل اللبان والمُر، والتي وُجدت فقط في جنوب شبه الجزيرة العربية (عمان واليمن حالياً)، واشتق كلاهما من لحاء الأشجار الذي كان يجفف في الشمس، وهذه الشذرات ممكن حرقها كبخور، أو تستخدم كعطر، وكانت شائعة الاستخدام دوماً في مراسم الدفن، وللمساعدة في التحنيط.

تم الاعتماد على الجمل حوالي 1000 قبل الميلاد، وهذا التطور سمح للعرب أن يبدأو بنقل مركز البخور الشهير للبحر المتوسط، وهو مركز تجاري هام، وأصبح اللبان والمر سلعة مهمة للرومانيين واليونانيين والمصريين، وقيل أن الإمبراطور الروماني Nero نيرو، استخدم موسم عامٍ كامل ليحرق في جنازة حبيبته، ازدهرت التجارة ووصل الطريق البري إلى أوجّه، وقيل أنه كان يشهد تداول 3000 طن بخور المُتاجر به كل عام، كتب المؤرخ الروماني Pliny the Elder بليني الأكبر أنه احتاج مدة 62 يوماً لإكمال الطريق، رغم أن هذه المسارات تغيرت عندما بدأت الفرق الطامعة تفرض الضرائب، والتي كانت باهظة على القوافل التي تمر عبرها، وفي القرن الأول الميلادي كانت هذه المناطق مطلوبة بشكل كبير، وحين تطور تصميم القارب صارت الطرق البحرية أكثر جاذبية.

4) طريق الكهرمان:

قامت تجارة الكهرمان منذ 3000 عام قبل الميلاد، مع وجود دليلٍ تاريخي يثبت أن حبات الكهرمان قد وصلت من بحر البلطيق إلى مصر، قام الرومانيون بتطوير هذا الطريق، إذ صار يربط البلطيق بباقي أوروبا، وكانوا يقدرون قيمة الكهرمان، واستخدموه لأغراض تزيينية وطبية، وقد وُجدت رواسب ضخمة من الكهرمان تحت بحر البلطيق، ترسبت على مر ملايين السنين، وذلك عندما غطت الغابات المنطقة، يشكل الكهرمان رماداً بعد العاصفة، ومن الممكن حصاده من شواطئ البلطيق، اعتمد العديد من التجار عليه في عملهم، وخلال الحروب الصليبية في القرنين الثاني والثالث عشر، وأصبح البلطيق مصدراً هاماً للدخل لفرسان توتوني، والذين سيطروا على منطقة إنتاج الكهرمان، أما الفرسان البروسيين فقد اضطهدوا وقتلوا كل من حاول حصاد أو بيع الكهرمان، وبالإمكان إيجاد آثار لطريق الكهرمان القديم في بولندا، حيث يعرف أحد الطرق الرئيسية بإسم (طريق الكهرمان السريع).

5) طريق الشاي:

امتدت الطرق التجارية القديمة لأكثر من 6000 ميل، مروراً بجبل هينجدوان، وهو منطقة رئيسية لإنتاج الشاي في الصين وإلى التيبت والهند، وتمر هذه الطريق أيضاً عبر أنهار كثيرة مما يجعلها واحدة من أخطر الطرق التجارية القديمة، والبضائع الرئيسية المسافرة عبر الطريق كانت الشاي الصيني والتيبتي، مع التجارات المباشرة للشاي بالاتجاهين، وصارت الهدف الرئيسي للتجار على الطريق، واستخدمت أجزاء من الطريق منذ 1600 قبل الميلاد، لكن الناس بدأوا باستخدام الممر كاملاً من حوالي القرن السابع ميلادي، بدأت تحدث مع وجود سلاسة سونغ (960-1279)، ويذكر جزءٌ من البحث على الأقل أنه في هذه الفترة (960-1127)، تم تداول 20000 حصان كل عام، بكمية 8000 طن من الشاي، وعندما صارت الطرق البحرية أكثر انتشاراً، فقد الطريق أهميته، لكن خلال الحرب العالمية الثانية، عادت له أهميته، حيث أغلق اليابانيون عدة طرق بحرية، وأصبح الطريق الوحيد للموارد بين أراضي الصين والهند.

6) طريق الملح:

كان الملح سلعة مهمة لإضافة النكهة وحفظ الطعام، ومطهر، لكن الملح المحصود كان سلعة نادرة في المناطق الغنية بالمعادن حيث أصبحت مراكز تجارية هامة، والطرق التي تربط هذه المراكز بمراكز أخرى أصبحت أيضاً أماكن شهيرة، مثل العديد من الطرق، وأشهرها كانت طريق الملح Via Salaria والتي تمر من أوستيا قرب روما عبر إيطاليا ثم الساحل الأدرياتيكي، وكان الملح ثميناً جداً وشكّل جزءاً من رواتب الرومان، فكانت كلمة راتب “salary” مشكّلة من جزئين (sal الكلمة اللاتينية للملح، وعبارة لا يستحق ملحه) وكان يحصل أن يُمنع الملح عن الجنود إن لم يعملوا جيداً، وكان هناك طريقٌ آخر للملح يمر عبر أوروبا، كان هو طريق الملح القديم، وكان يمتد لمسافة 62 ميلاً، من لونبورغ في ألمانيا، والذي كان واحداً من أكثر مصادر الملح الوفيرة إلى لوبيك شمال الساحل الألماني، وخلال العصور الوسطى أصبح هذا الطريق حيوياً لتزويد الملح لأساطيل الصيد والذي غادر من ألمانيا إلى إسكندنافيا، حيث استخدمت الطواقم الملح لحفظ الصيد الثمين، وكانت تستغرق حوالي 20 يوم لتوصيل الملح، وذلك حتى تعبر طريق الملح القديم وعدة بلدات في الطريق صارت غنية عبر فرض الضرائب والرسوم على العربات التي تمر خلالها.

7) الطريق التجاري عبر الصحراء:

كان يتكون فعلياً من عدة طرق، وامتد من شمال أفريقيا إلى غربها، وشكّل تقاطعاً للتجارة، بسبب المساحة الكبيرة في الصحراء، وقد ظهرت هذه الطرق أولاً في القرن الرابع ميلادي، وحوالي القرن الحادي عشر، ظهرت القوافل المؤلفة من حوالي 1000جمل، والتي كانت تحمل البضائع عبر الصحراء، كالذهب، والعبيد، والملح، والقماش، التي تم تداولها عبر الطريق، وكانت عناصر مثل ريش النعام، والبنادق الأوروبية، وكان هذا الطريق مفيداً جداً في انتشار الإسلام من الأمازيغ من شمال أفريقيا إلى غربها، ومع مجيء الإسلام أصبحت المعرفة العربية، والتعليم، واللغة، وقد شجّع الطريق التجاري الصحراوي على تطور الأنظمة النقدية وبناء الدولة، إذ وجد الحكام المحليين أن هناك قيمة استراتيجية عبر السيطرة على مساحات ضخمة من الأراضي وجعلها تحت نفوذهم، وكذلك وضع البضاعة تحت سيطرتهم، وبحلول القرن السادس عشر بدأ الأوروبيون يدركون قيمة البضائع الأفريقية، إذ أصبحت الطرق الأطلسية تطغى على التجارة عبر الطريق الصحراوي، وانتقل الغنى من المناطق الداخلية إلى الساحلية، مما جعل طريق الصحراء الخطر أقل جاذبية.

8) طريق القصدير:

كان هذا الطريق شرياناً أساسياً من العصر البرونزي حتى العصر الحديدي مزوداً المستوطنات بإمكانية الوصول إلى المكونات الحيوية للصناعات المعدنية، فالنُحاس يجب أن يعالج بالقصدير لينتج البرونز، وحصل تطور في الشرق حوالي 2800 قبل الميلاد، ونتج عنه معدن أقوى وأفضل من المستخدم سابقاً، مما جعل القصدير مطلوباً بسبب هذه التقنية، حيث أنه لم يتوفر في أماكن عديدة، لذا صار المصدر عنصراً هاماً للتجارة، ومثّل طريق القصدير الذي انتشر في الألفية الأولى قبل الميلاد، فقد امتد من مناجم القصدير في كورنتول إلى جنوب غرب بريطانيا، مروراً بالبحر إلى فرنسا، وهبوطاً نحو اليونان وبمحاذاتها، يوجد دليلٌ للطريق أنه يزود عبر التلال المنتشرة على طول الطريق كمواقع تداول، ويشير المؤرخون أن التجارة مرت بالشرق صعوداً ونزولاً حيث كانت سفوح التلال، تُزود بدليل أن التحف الغريبة تضمنت المرجان، والذهب، ولا توجد حسابات مكتوبة، لكن علماء التاريخ سجلوا وجود تقنيات وفنون سافرت بين البحر المتوسط وشمال أوروبا عبر القصدير، مما يشير إلى وجود رابطٍ حيوي أوروبي.

المصادر: 1