هل كان للكون حقًا بداية أم أن ظهوره المفاجئ والمباغت ينتهك ويخرق بعض القوانين؟

شون كارول هو عالم الفيزياء النظرية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، الذي يركز على نظريات علم الكون، نظرية المجال والجاذبية من خلال دراسة تطور الكون، هنا ننقل لكم محاورة أجراها موقع Wired.com مع العالم شون كارول يوضح فيها نظريتهُ التي تخص مفهوم الزمن.

هل تستطيع أن تشرح نظريتك عن الزمن بمصطلحات يفهمها العامة؟

كارول: أنا أحاول أن أفهم كيف يعمل الزمن وهذا سؤال كبير لديه الكثير من الجوانب المختلفة، وهناك الكثير يعودون إلى آينشتاين والزمكان وكيف نقيس الوقت باستخدام الساعات، ولكن الجانب من الزمن الذي أنا مهتم به هو سهم الزمن (the arrow of time) حقيقة أن الماضي يختلف عن المستقبل وأننا نتذكر الماضي لكننا لا نتذكر المستقبل.

وحقيقة أن هناك عمليات لا رجعة فيها، يشير السهم الزمني للطريقة التي تتقدم فيها الأمور في اتجاه معين، على سبيل المثال: البيض قد تُكسر، ولكنها أبدًا لن تعود كما كانت من تلقاء نفسها، ويستند السهم الزمني على الأفكار التي تعود إلى لودفيغ بولتزمان، وهو الفيزيائي النمساوي في 1870، الذي اكتشف ما يسمى بالانتروبي الذي يعني درجة الاضطراب في النظام او حالة اللاانتظام و الفوضى وهذا هو القانون الثاني للديناميكا الحرارية الذي ينص على أن الأشياء تنتقل من حالة الانتظام إلى حالة أكثر تشتتًا وبعثرة ولا يمكن أن يحدث العكس.

لذا، إذا رتبت كومة من الأوراق بدقة على مكتبك، ومشيت بعيدًا، لن تستغرب أن تتحول إلى فوضى، لكنك ستتفاجأ جدًا إذا تحولت الفوضى إلى أوراق مكدسة بدقة، هذا هو الانتروبي والسهم الزمني.

فهم بولتزمان ذلك، وأوضح كيف يرتبط الانتروبي بالسهم الزمني، ولكن هناك قطعة مفقودة في تفسيره، الذي هو سبب انخفاض مستوى الإنتروبي في لحظة ظهور سهم الزمان ..! لماذا كانت الأوراق مكدسة بدقة في الأصل؟ هذا هو ما أحاول تناوله في النظرية.

أنا أحاول أن أفهم علم الكونيات، لماذا كان للانفجار الكبير تلك الخصائص التي جعلته يحدث؟ وكيف يمكننا أن نتذكر اتجاه واحد من الزمن، لماذا الأسباب تسبق الآثار، لماذا نولد صغارًا ونصبح أكبر.

كل شيء بسبب الازدياد في الانتروبي، كل شيء بسبب ظروف الانفجار الكبير.

لذلك الانفجار الكبير بدأ كل شيء، ولكنك تعتقد أن هناك شيئًا قبل الانفجار الكبير، وهو الأمرالذي جعلهُ يحدث, ما هو؟

كارول: إذا وجدت بيضة في ثلاجتك، لن تستغرب وتقول “نجاح باهر، هذا تكوين منخفض الانتروبي، هذا غير عادي“ لأنك تعرف أن البيض هو ليس وحده في الكون، أنه خرج من الدجاج، والتي هي جزء من مزرعة، التي هي جزء من المحيط الحيوي.. الخ ولكن مع الكون لا نستطيع أن نقول هو جزء من شيء آخر، ولكن هذا هو بالضبط ما أقوله.

وهو يناسب علم الكونيات الحديث الذي يقول بأن الكون المرئي ليس كل شيء أنه جزء من الكون المتعدد الأكبر، والانفجار العظيم ليس بدايته، إذا كان ذلك صحيحًا، فإنه يغير السؤال الذي نحاول أن نسأله.

لماذا الكون يبدأ مع انتروبي منخفض؟ “ليصبح “لماذا جزء من الكون يمر بطور منخفض الانتروبي وهذا قد يكون من الأسهل الإجابة عليه، كل هذا يرينا أننا نحتاج إلى نظرية الأكوان العديدة من أجل تفسير نظام عالمنا الأولي وتفسير لماذا يعبر الزمن إلى المستقبل بدلًا من أن يعبر إلى الماضي.

في نظرية الاكوان المتعددة، لديك كون ثابت في الوسط، من ذلك الكون، الأكوان الصغيرة تخرج وتسافر في اتجاهات مختلفة، أو سهام زمنية. فهل يعني ذلك أن الكون في المركز ليس لديه زمن ؟

كارول: هناك لحظات مختلفة في تاريخ الكون والوقت يخبرك أي لحظة نتحدث عنها، ثم هناك السهم الزمني، والذي يعطينا شعور التقدم، والتدفق أو المرور خلال الزمن، أن الكون الثابت في المنتصف لديه زمن باعتباره تنسيق ولكن لا يوجد سهم زمني أي ليس هناك مستقبل مقابل الماضي، كل شيء على قدم المساواة مع بعضهِ البعض.

إذًا نحن لا نستطيع فهم ذلك الزمن وملاحظتهُ؟

كارول: يمكننا قياسه، ولكننا لن نشعر به ولن نختبره لأن الأجسام مثلنا لا وجود لها في تلك البيئة، لأننا نعتمد على السهم الزمني للشعور بوجودنا.

أذَا ما هو الزمن في ذلك الكون؟

كارول: حتى في الفضاء الخالي، الزمان والمكان لا يزالان موجودين، علماء الفيزياء يجيبون عن سؤال “إذا سقطت شجرة في الغابة ولا أحد هناك لسماع صوت سقوطها، هل تُحدث صوت يقولون نعم بالتأكيد تُحدث صوت “وبالمثل، إذا تدفق الزمن دون انتروبي ولا أحد هناك لاختباره، هل لا يزال هناك زمن؟ نعم ما زال هناك زمن.

أنهُ لا يزال جزءًا من القوانين الأساسية للطبيعة حتى في ذلك الجزء من الكون، أن الأحداث التي تحدث في هذا الكون الفارغ ليس لديها سببية، لا تملك ذاكرة، لا تملك تقدم وليس لديها شيخوخة أو أيض أو أي شيء من هذا القبيل. انها مجرد تقلبات عشوائية.

إذا كان السهم الزمني يرتكز على وعينا وادراكنا له, هل الأشخاص مثلك الذين يفهمونهُ أكثر, يختبرونه بطريقة مغايرة عنا؟

كارول: ليس تمامًا, أن التصور يأتي أولًا ومن ثم الفهم يأتي في وقت لاحق، لذلك الفهم لا يُغير التصور، إنهُ يساعد فقط على وضع هذا التصور في سياق أوسع،

تذكرت أقتباس شهير:

أنا أعرف ما هو الزمن لكن حين تسألني عن تعريف له, لا يمكن أن اعطيه لك

لذلك أعتقد أننا جميعًا نلاحظ مرور الوقت بطرق مشابهة جدًا، وأن محاولة الفهم لا تغير تصوراتنا وادراكنا له.

يواجه العلم مشكلة أساسية ألا وهي أن قانون الطبيعة يقول إن الوجود ينتقل إلى فوضى فأكثر فوضى، وبذلك يكون من المستغرب أن يولد عالمنا منظمَا كما هو بالفعل.

لكن يحل الفيزيائي كارول هذه المشكلة من خلال نظرية تعدد الأكوان، بالنسبة إليه، الوجود أزلي ومتنوع في أكوانه الممكنة الموجودة فعليًا وبعض هذه الأكوان تنجب أكوانًا أخرى كإنجاب عالمنا بالذات. وبما أن عالمنا هو نتيجة لعالم آخر يحتضر، هو منظم إذن في بداية ولادته.

لكن هذا لا يعني أن الوجود يتجه نحو التنظيم بدلَا من الفوضى لأن الوجود كله متشكل من أكوان تولد وتنمو ومن ثم تموت أو تتحوّل إلى أكوان أخرى بفعل الارتداد العظيم، وبذلك كل الوجود ينتقل إلى فوضى أكثر رغم ولادة أكوان منظمة كعالمنا، هكذا يحل كارول تلك المشكلة بفضل الاعتراف العلمي بوجود أكوان عدة (Sean Carroll : From Eternity To Here.2010.Plume).

إعداد: فرح علي

المصادر: 1