أنّى يكون في الدماغ ذهب؟ ومن أين جاء!

إذا كنت تميل إلى الذهب؛ يستحسن أن تملك بعض المال، فهذا المعدن الجميل ليس غاليًا وحسب بل وشحيح الوجود في الكون. تشير أحدث الدراسات إلى أنّ ذرّات هذا العنصر لا تُخلق إلا من اندماج نجوم نيوترونيّة كالذي حدث على بعد 300 فرسخ فلكي (978 سنة ضوئيّة تقريبًا) وأنتج كميّةً كبيرةً منه. وقال أحد الباحثين الدكتور في علم الفلك من جامعة كولومبيا- إمريه بارتوس: “يوجد في كلٍّ منّا ذهب بنسبة بسيطة، على هيئة يوديد الذهب الضروري للحياة” وتوافقه عالمة الفلك ميشيل ثالر وتضيف: الذهبُ بحد ذاته شيءٌ جميلٌ وساحر، ولا نجانب الحقيقة إن قلنا إنّ وجودنا يعتمد عليه.

ماذا يلزمُ لصنع الذهب؟

تنوِّه ثالر إلى حقيقة أن ذرات عناصرٍ مثل الذهب والبلوتونيوم والبلاتينيوم وأمثالها أكثر كثافةً من الحديد وأثقل. والذهب بالتحديد أثقل من الحديد بأربع مرات؛ تحتوي كل ذَرّة منه على عدد أكثر من البروتونات والنيوترونات. وتُخلق هذه العناصر نتيجةَ عمليّة التقاط النيوترون السريعة rapid neutron capture التي تسمى “r-process”، وهي عمليّةٌ تحدث حين تتواجد النيوترونات بكثافة وحرارة مرتفعتين -كما في الانفجارات النجميّة العنيفة- ما يسمح لأنويّة الذرّات المشعة أن تجذب النيوترونات الحرّة قبل أن تبدأ -الأنويّة- بالاضمحلال إشعاعيًا.

اتفق العلماء على هذا التفسير منذ مدة، لكن الآن يدور تساؤلٌ عن ماهيّة الكارثة الكونية التي تخلق هكذا عناصر، أهي السوبرنوفا -انفجار نجميٌّ ضخم- أم اندماج النجوم النيوترونيّة؟ وكم عدد الانفجارات اللازم حدوثه لتتوفر كميّة العناصر الثقيلة المتواجدة حاليًا في الكون؟

حبيبة صغيرة من غبار نجمٍ تروي القصة

حللّ الباحثون من جامعة أريزونا عيّنةً من نيزكٍ سقط في القطب الجنوبي واعتمدوا على نتائجه في تفسيرهم لمكان تكوّن العناصر الثقيلة ونُشر مقالهم عن علم الفلك في دوريّة نَيتشر. أخذ الباحثون مقطعًا عرضيًا من تلك العيّنة الدقيقة -تقريبًا 0.0001 جزء من السنتيمتر- عن طريق الفحص بالإلكترونات ليحددوا مكوّنات الحبيبة بالضبط.

صرّح الباحث الرئيس للدراسة التحليليّة بيري هانكيور إلى UA New: “بصفتها غبار نجوم حقيقي، تهبنا هذه الحبيبات العجوز القدرة على فهم وحدات البناء التي تشكل نظامنا الشمسي” كما قال إن مكونات العيّنة تشير إلى إنها نشأت من نجم ما واستدل على هذا بكون العيّنة مشبّعة بنظير الكاربون 13 (C13) ويضيف: عادةً ما تختلف تراكيب نظائر الكربون في كل العيّنات من أي كوكب في نظامنا الشمسي بعامل ترتيب يساوي 50، لكن نظير الكربون-13 المكتشف في العيّنة LAP-149 يختلف بنسبة 50 ألف ضعف.

وقال الأستاذ المساعد من جامعة كولومبيا توم زيغا: “إذا استطعنا يومًا تحديد تاريخ هذه الأجسام، فقد يكون بإمكاننا الحصول على فكرة أفضل عن كيف كان يبدو جزئنا من المجرة وما الذي حفز تكوين نظامنا الشمسي. ومن المذهل التفكر في كل الطرق التي كانت ستقتل هذه الحبيبة” خصوصا عند التكوّن العنيف لنظامنا الشمسي!

العمليّات الحسابية

وباستخدام الكمية الضئيلة التي عُثِر عليها في العيّنة LAP-149 ومع الشك المسبق في أنّ النتيجة ستكون إما انفجار سوبرنوفا أو اندماج نجوم نيوترونية، قام عالما الفيزياء الفلكية بارتوس وزابولكس ماركا من جامعة كولومبيا بإدارة سلسلة من المحاكاة الحاسوبية لرؤية ما إذا كان بإمكانهم تحديد الظروف المناسبة التي أنتجت لنا العناصر الثقيلة التي لدينا.

وجدوا أن هذه العناصر يمكن أن تتكوّن نتيجة اندماج زوّجٍ من النجوم النيوترونيّة شريطة أن يحدث هذا الانفجار قبل مئة مليون عام من نشوء مجموعتنا الشمسية (أي قبل 4.6 مليار سنة تقريبًا) وعلى بعد ألف سنة ضوئيّة من الغيوم والغبار التي صنعت مجموعتنا الشمسيّة.

بداياتنا مليئة بالانفجارات

يقول زيغا مندهشًا من النتائج التي توحي بها العيّنة LAP-149: “ربما ندين بوجودنا لانفجار سوبرنوفا قريب، ضَغطَ سُحب الغاز والغبار بموجة الصدمة، وحفَّز تكوين النجوم والحواضن النجمية كالموجودة في صورة هابل المشهورة [أعمدة الخلق]”

أما بالنسبة للفريق الذي وجد الكارثة التي انتجت كل هذا الذهب، فقد أضاف ماركا: “تدغدغ نتائجنا أحد مساعي البشريّة المهمة، ألا وهو سؤالُ [من أين نشأنا وإلى أين ننتهي؟] ويصعب عليَّ شرح المشاعر العميقة التي أحسسنا بها حين أدركنا ما أدركنا، وما الذي تعنيه للمستقبل ونحن نبحث عن إعرابٍ لمحلّنا في الكون”

“أعمدة الخلق” وهي منطقة غنيّة بالغاز والغبار الكوني في سديم النسر، صوّرها تلسكوب هابل عام 1995.

المصادر: 1