على الرّغم من كوْنه أقرب كوكب للشّمس إلا أنَّه يحتوي على جليدٍ وقادر أيضاً على إنتاجه!

يحظى كوكب عُطارد بشهرةٍ واسعةٍ تعود لمكان تواجده، فهو الأقرب للشمس ضمن المجموعة الشمسية. إنَّ الكوكبَ يشتعلُ حرارةً جراء هذه الجيرة البائسة بينه وبين الشمس.

قد تصل درجة حرارة عطارد في الصباح إلى معدلات جنونية عند 430 سليسيوس (800 فهرنهايت) لكنها مساءً وبحلول اللّيل تحديداً، تشهد انخفاضاً حاداً يصل إلى 180 س تحت الصفر! (-290 ف.) كما أنّه يوجد مناطق على الكوكب حيث لا تشرق عليها الشمس بتاتاً.

لدى عطارد –كما قمر أرضنا- مناطق مُعتمة على أقطابه حيث لا تشرق الشمس عليها إطلاقاً. تُعرف هذه المناطق بأنها المساحات المجوّفة التي تشهد حالة من الظلام الأبديّ رغم قربها نسبياً من الشمس.

التقطت الملاحظات الخاصة بالرادارات الأرضية على كوكب عطارد في التسعينيّات قراءات شاذّة داخل هذه المناطق المُعتمة، حتى أنْ زار “ماسنجر” (MESSENGER) المسبار الفضائي الخاص بوكالة ناسا كوكب عطارد في عام 2011 وحلّ معضلة الشّذوذ في هذه القراءات، فقد اتّضح أنها طبقات من الجليد المائيّ، وتواجدها في درجةٍ ثابتةٍ من الظلمة يجعلها في حالة تجمّدٍ دائمة.

قد يبدو لك هذا الأمر مثيراً للسخرية عزيزي القارئ، فكيف للجليد المائي أن يتواجد على هذا الكوكب الذي يشتعل حرارةً، حتى أنه لم يكتفي فقط بالتواجد عليه بل أنه أيضا دائم الجمود! تساؤلك هذا منطقي تماماً، لكن لا تقلق فنحن هنا لكي نفسّر لك هذه الظاهرة العجيبة. تحمل الكويكبات والمذنّبات والنيازك معها جليداً، وبمجرد ما أن ترتطم بالكواكب تُلقي بجليدها على أسطحهم، وفي حال ركود هذا الجليد في المناطق المعُتمة؛ ستُحجب عنه أشعة الشمس للأبد وبالتالي يبقى متجمّداً للأبد.

السخرية تكمن في شيء آخر مختلف في حقيقة الأمر. فطبقاً لدراسةٍ جديدة، افترض العلماء أنه لابد من أن يكون بعضاً من الجليد على سطح عُطارد قد تشكّل بفعل الحرارة المفرطة التي يتحملها هذا الكوكب المسكين أمام الأشعة الشمسيّة.

قد يبدو الأمر غريباً، لكن يعدّ هذا الحدث ظاهرةً معروفة وفقاً لفريقٍ في معهد جورجيا للتكنولوجيا (The Georgia Institute of Technology.)

يشرح عالم الكيمياء في معهد جورجيا برانت جونز (Brant Jones) -والذي يعدّ باحثاً مشاركاً في مختبر ريفيل (REVEAL) التكنولوجي المتواجد في نفس المعهد- هذه الظاهرة قائلاً: “هذا ليس مجرد تفسيراً عشوائياً بسبب نفاذ الأفكار. الإشعاعات تؤثر على المواد المتطايرة والأسطح القمرية وعمليات استكشاف الكويكبات. فقد لوحظت هذه الميكانيكية الكيميائية الأساسية مسبقاً عشرات المرات في دراساتٍ تعود لأواخر الستينيّات.”

أوضح الباحثون حسب ما نُشر في مسودّة بحث الفريق الأخيرة أنهم يستخدمون منهجية معيّنة من أجل اكتشاف كيفية حدوث هذه الميكانيكيات الكيميائية على كوكب عُطارد المتمثّلة بعملية التكوين المائيّ المتواصل التي تعتمد على المعادن المتواجدة في التربة السطحية للكوكب وعلى عملية أخرى تدعى تآلف الذرات الملفوظة Recombinative Desorption.

تحتوي معادن التربة على أكاسيدٍ معدنيّة من تلك التي ترتطم بها بقوةٍ شديدةٍ جزيئات البروتون المحمولة مع الرياح الشمسية، مما يتسبب في تكوين الهيدروكسيلات المترابطة والهيدروجين الجزئي والماء. على الناحية الأخرى، ستنفذ جزيئات الماء من التربة السطحية إثر خلو هذه البيئة من الهواء ولتعرّضها أيضاً لدرجات حرارة هائلة، وستنجرف وتنتشر في بيئة أخرى يقل فيها تأثير الغلاف الجوي على الكوكب.

وإذا تصادف إنجراف جزئيات الماء داخل المناطق المُعتمة الدائمة لعُطارد فإنها لن ترى النور مرة أخرى ومن المرجّح أن تتجمد هنالك.

كما وضّح الباحثون في ملف بحثهم أن الماء المكوَّن بهذا الشكل سيتراكم حتماً في المناطق المُعتمة الدائمة الباردة وسيدعم التربة السطحية بكميات كبيرة من الماء على مدى فترات زمنية جيولوجية.

وأضاف الفريق قائلاً: “ما زالت عمليات النقل الجليدية التي تقوم بها الكويكبات والمذنبات والنيازك تمثل الغالبية العظمى من الجليد القطبي على عُطارد، لكن سيبقى المصنع الجليدي السريّ المتواجد في عُطارد قادراً على انتاج كميات هائلة من الجليد للكوكب.”

يقول جونز: “نحن نفترض أنه على مدى ثلاثة ملايين سنةٍ قادمة تقريباً ستصبح الكمية الكليّة للجليد على الكوكب 10^^3 كيلوغرام، أي ما يعادل 10,000,000,000,000 كيلوغرام / 10,000,000,000 طن.

لا يعتبر هذا الأمر سيئاً البتّة بالنسبة لأقرب جارٍ للشمس. وعلى الناحية الأخرى، فإن هذه العمليات الكيميائية المُكتشفة قد تُشكل وسيلةً للبشر لإستكشاف الماء في البيئات الأخرى التي لا تدل على وجودها عليها ضمن عمليات استكشافٍ فضائية مستقبلية أو أيضاً بالنسبة لإستعمار الكواكب –إن لم يكن عُطارد من ضمنهم حتى.-

يقول الباحثون: “بمقدور الكميات الكبيرة من الماء المكوّنة من عملية تآلف الذرات الملفوظة أن تمدّ سطح عطارد بالماء، وأنْ تُساهم أيضا في إيصال الماء إلى المناطق الخالية من الهواء التي تأثّرت بالبروتونات المحمولة بالرياح الشمسية والتي تعرّضت لدرجات حرارة مُهوِلة، ومن شأن هذا أن يجعل من عملية إنتاج الماء بتآلف الذرات الملفوظة شيئاً مهمة جداً، لكنها تبقى مجهولة حيث قد لا تُعتبر مصدراً لإنتاج الماء على مناطق أخرى في المجموعة الشمسية.”

المصادر: 1