سبينوزا: الفلسفة في زمن الكورونا

يجب مواجهة المستقبل بأساليب عقلانية تهدف إلى القوة الجماعية، ويجب النظر إلى الماضي برصانة.

يندفع الوباء خلال المجتمعات البشرية فيضعف الروابط الاجتماعية والقوة الجماعية والرفاهية الفردية. ويجلب الوباء الأسى والمرض والموت في بعض الحالات. وفي كل الأحوال فإنه يجلب قدراً من الخوف والقلق والحزن والغضب. ومع ذلك، فقد اعتقد الفيلسوف اللامع في القرن السابع عشر سبينوزا أن هذه العواطف والعواطف الأخرى التي تشبهها يجب مواجهتها لأنها تشكل أعداءاً خطيرين على المجتمع والفرد.

هل يملك سبينوزا وهو المهرطق الشهير وصاحب النظريات الراديكالية السياسية، وعلم النفس الأخلاقي، أية نصيحة لنا لمواجهة أزمة Covid-19؟

وهل هو محق بأننا بحاجة لإدارة تلك العواطف وذلك من أجل مصلحتنا جميعاً؟ وإذا كان الأمر صحيحاً، فكيف يكون ذلك؟ أعتقد أن لديه أمرين هامين ليخبرنا بهما وهذا ما سأشاركه هنا.

مجتمع العقل: لقد كتب سبينوزا أنه حقاً لا يوجد فرق بين المصلحة الفردية والعامة. فعندما يسترشد الناس بالعقل، وعندما يتشاركون قواهم الإيجابية فإن العمل سيكون أضخم. بعبارة أخرى، أي إن ما هو خير لي هو أن يكون بالعقل وهو أيضاً ما يناسب الآخرين.

وكما يقول سبينوزا: فإنه لا يوجد شيءٌ أكثر منفعة للبشر مثل البشر. وهذا ما أوضحته أزمة Covid-19 بشدة. لأن صحة الجميع – اجتماعيًا واقتصاديًا وطبيًا – تعتمد على أن نسترشد كلنا بالعقل وأن نتصرف وفقاً للمصلحة المشتركة. ومن الواضح أن ذلك يعني أمرين:

  1. الحصول على مصادر موثوقة للمعلومات عن كيفية حماية أنفسنا والآخرين وأن نتبع تلك الإرشادات، وأن لا نتبع تلك الصادرة عن المشاعر الحماسية لدينا.
  2. البحث عن طرق للتضافر مع الآخرين للحصول على مساعدة متبادلة. لا بد أننا سنواجه صعوبة في تنفيذ إحدى المهمتين، وإذا لم نتمكن من القيام بأمور أكثر جوهرية فعلينا إدارة عواطفنا.

إدارة العواطف: يمتلك سبينوزا رؤيتين عن العواطف، أو ما ندعوه المؤثرات، والتي أعتقد أنها مفيدة لنا في الوقت الراهن.

الأول: هو أن العواطف التي تزيد من وضوح أفكارنا وشعورنا بالصحة والقوة يجب أن يتم تعزيزها ويجب تثبيط تلك التي تشجع الاضطراب وتضعف قوتنا وصحتنا.

ويأتي في الصنف الأول لتلك المشاعر التي يجب أن نعززها (ملك العواطف) الفرح. فكما صنفه سبينوزا، فالفرح هو الطريق إلى قدرٍ أكبر من الكمال. وأنه من الخطأ الفادح اعتناق الخوف والقلق والوقار والسلبية كنوع من الفضيلة كما لو كانت واجبات مدنية. وعلى النقيض فإن من أفضل الامور التي يمكننا القيام بها، هو اعتناق الفرح، كالإيطاليين الذين كانوا يغنون من شرفاتهم بفعل الصواب وفقًا لـسبينوزا.

ومن المغري التفكير في أننا علينا أن نتكاتف مع الآخرين على Twitter أو Whatsapp لنعكس ولنعظم مخاوفنا وأحزاننا وغضبنا مع بعضنا البعض.

على الرغم من أن هذا يبدو مريحاً، ولكن هذه العواطف تعيق قدرتنا على التفكير بوضوح وتضعفنا حرفياً، بما في ذلك بدنيًا.

ولقد أظهرت الدراسات أن هذه العواطف تضعف جهاز المناعة لدينا. فقد نشعر بالتحسن على المدى القصير بأن تغضب وسائل الإعلام أو أن نغضب أو نستقيم ذاتيًا أو أن ندع قلقنا يرتد على الآخرين، ولكن سيصيبنا الصداع بعد بضع دقائق. يجب أن نلاحظ ذلك الصداع.

في الوقت الحالي فإن ما نحتاج أن نقدمه معاً للآخرين هو القوة والحب والتضامن والعقل.

ورؤيته الثانية حول إدارة العواطف والتي تتعلق بالفكرة المركزية لنظام التفكير عند سبينوزا هو ادعائه بأن كل حدثٍ يحدث – بما في ذلك أفعالنا وقراراتنا الإنسانية، تتدفق من شبكة معقدة من الأسباب الكونية.

لقد جادل سبينوزا بأنه علينا أن نواجه المستقبل بعقلٍ استراتيجي، وأن نسعى لزيادة نقاط قوتنا الإيجابية ورفاهيتنا – وقوة الآخرين، المرتبطين معنا. حتى أنه علّمنا أيضًا أنه يجب أن نفهم أنه من المستحيل أن تكون الأشياء غير ما هي عليه، أو يجب أن تحدث بخلاف ما حدث. بعبارة أخرى، فإننا لن نستطيع التصرف بطريقة مختلفة حتى لو ادركنا متأخرين في لحظة من اللحظات أنه علينا أن نحاول اتخاذ أفضل قرار، فنحن نبذل قصارى جهدنا حرفياً كمخلوقات تنشأ ذواتها الاجتماعية – والبيولوجية والسياسية والاقتصادية من عوامل أكبر منا بكثير. وهذا بالطبع ينطبق على الآخرين كما ينطبق على أنفسنا.

ما أهمية إدارة عواطفنا؟

إن النظر إلى الأشياء بهذه الطريقة يحررنا من الشعور بالذنب ومن الغضب معاً. كما يزيح عبء اتهام الذات لأننا لا نملك الإرادة المطلقة. في كل لحظة يجب أن نسعى للعمل بعقلانية قدر الإمكان ، ولكن يجب أن ننظر إلى الوراء بفهم وأننا نتصرف دائمًا ضمن شبكة كبيرة من الأسباب. وأننا في تلك اللحظة لم نستطع أن نؤدي الأمر بأسلوبٍ مختلف، بالنظر إلى ما شعرنا به، وما فكرنا فيه، وما استطعنا رؤيته ومعرفته في ذلك الوقت. وذلك هام جداً لأن هذه العواطف: الشعور بالذنب، الإحباط، والغضب، وما إلى ذلك يضعفنا بحد ذاته كما يعزز مشاعر الضعف الأخرى كالخوف والحزن.

في أوقاتٍ كهذه فإن العواطف تتصاعد، وتتوهج مشاعر الإحساس بالذنب واللوم والغضب بسهولة لتصبح سامة.

ويمكن أن تساعدنا نصيحة سبينوزا في توجيه انتباهنا إلى المكان الصحيح الذي يجب أن تكون فيه وإبعاده عن المكان الذي لا يجب أن تكون فيه.

يجب أن نواجه المستقبل باستراتيجية عقلانية تستهدف القوة الجماعية وأن نعتبر الماضي – بما فيه أفعالنا وأفعال الآخرين – بالفهم والقبول.

قد يبدو هذا صعبًا – كما يقول سبينوزا: فإنه على الرغم من امتياز النبل لكنه نادر.

ومع ذلك، فإن علينا السير قدماً باتجاه الفرح والسلام والتصرفات العقلانية وهذا بالضبط ما سيفيدنا ويفيد الآخرين في الوقت الراهن.

المصادر: 1