لأول مرة يقوم الفيزيائيون بقياس جزيء مشع قصير الأمد

جمع الباحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وأماكن أخرى قوة المصادم الفائق مع تقنيات التحليل الطيفي بالليزر لقياس جزيء إشعاعي قصير الأمد، وهو أحادي فلوريد الراديوم، وذلك لأول مرة.

تفتح الدراسات الدقيقة للجزيئات المشعة للباحثين إمكانية البحث عن فيزياء جديدة تتجاوز النموذج القياسي، مثل الظواهر التي تكسر مبدأ بعض التناظرات الأساسية في الطبيعة، والبحث عن علامات وإشارات دالة على المادة المظلمة. يمكن أيضًا للفريق استخدام التقنية التجريبية لإجراء الدراسات في المختبر بما يتعلق بالجزيئات المشعة المتولدة خلال العمليات الفيزيائية الفلكية.

يقول المؤلف الرئيسي للدراسة، رونالد فرناندو جارسيا رويز، أستاذ الفيزياء المساعد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: “نتائجنا تمهد الطريق للدراسات عالية الدقة فيما يخص الجزيئات المشعة قصيرة الأمد، والتي يمكن أن تقدم مختبرًا جديدًا وفريدًا للبحث في الفيزياء الأساسية والمجالات الأخرى.”

من بين زملاء غارسيا رويز كان هنالك أليكس برينسون، خريج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، إلى جانب فريق دولي من الباحثين العاملين في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية في جنيف (CERN). تم نشر النتائج في 27 أيار 2020 في دورية Nature.

عكس الوقت

يتكون أبسط جزيء من ذرتين، تحتوي كل منهما على نواة تشتمل على عدد معين من البروتونات والنيوترونات التي تجعل ذرة واحدة أثقل من الأخرى. كل نواة محاطة بسحابة من الإلكترونات. موضوعة ضمن مجال كهربائي، يمكن إعادة توزيع هذه الإلكترونات لإنشاء مجال كهربائي كبير للغاية داخل الجزيء.

استخدم الفيزيائيون الجزيئات ومجالاتها الكهربائية كمختبرات مصغرة لدراسة الخصائص الأساسية للإلكترونات والجسيمات دون الذرية الأخرى. على سبيل المثال، عندما يتفاعل إلكترون مقيّد bound electron -أي الإلكترون المرتبط بنواة ذرة وليس إلكترون حر- مع المجال الكهربائي للجزيء، يمكن أن تتغير طاقته نتيجة لذلك، والتي يمكن للعلماء قياسها لاستنتاج خصائص الإلكترون، مثل العزم ثنائي القطب الكهروستاتيكي، الذي يوفر قياسًا لانحرافه عن شكله الكروي.

وفقًا للنموذج القياسي لفيزياء الجسيمات، يجب أن تكون الجسيمات الأولية كروية تقريبًا، أو لها عزم ثنائي القطب إلكتروستاتيكي ضئيل. ومع ذلك، في حالة وجود عزم ثنائي القطب كهربائي مستمر لجسيم أو لنظام، فإن ذلك يشير إلى أن بعض العمليات في الطبيعة ليست متناظرة كما افترض الفيزيائيون.

على سبيل المثال، يعتقد الفيزيائيون أن معظم قوانين الفيزياء الأساسية يجب أن تظل ثابتة دون تغيير بالنسبة لاتجاه الوقت – وهو مبدأ يعرف باسم تناظر الانعكاس الزمني Time reversal symmetry. أي أنه بغض النظر عما إذا كان الوقت يسير إلى الأمام أو الخلف، فإن الجاذبية، على سبيل المثال، يجب أن تتسبب في سقوط الكرة من منحدر صخري، أو أن تدحرجها مرتفعةً لأعلى، على نفس المسار و في السرعة والمسافة نفسها. ومع ذلك، إن لم يكن الإلكترون كرويًا تمامًا، فهذا يشير إلى كسر مبدأ تناظر الانعكاس الزمني. وهذا سيجعلنا بحاجة ماسة لتفسير وجود المادة بشكل أكبر من المادة المضادة لها في الكون.

من خلال دراسة تفاعلات الإلكترون مع المجالات الكهربائية القوية جدًا، قد يكون لدى العلماء فرصة لقياس العزوم الثنائية القطب الكهربائية بدقة. في جزيئات معينة، التي تكون ذراتها أثقل، و مجالها الكهربائي الداخلي أقوى.

يمكن تصميم الجزيئات المشعة التي تحتوي على نواة واحدة غير مستقرة على الأقل من أجل زيادة مجالاتها الكهربائية الداخلية إلى حدها الأقصى. علاوة على ذلك، يمكن أن يكون للأنوية المشعة الثقيلة أشكال تشبه الكمثرى، والتي يمكن أن تضخم خصائصها المخالفة للتناظر.

بسبب حقولها الكهربائية العالية وأشكالها النووية الفريدة من نوعها، فإن الجزيئات المشعة تشكل مختبرات طبيعية ليست مهمة فقط في استكشاف بنية الإلكترون، بل أيضًا في استكشاف الخصائص النووية التي تكسر مبدأ التناظر. لكن هذه الجزيئات قصيرة الأمد، لم يتمكن العلماء من استكشاف خواصها ودراستها.

يقول جارسيا رويز: “هذه الجزيئات المشعة نادرة جدًا في الطبيعة ولا يمكن العثور على بعضها في كوكبنا، ولكن يمكن أن تكون وفيرة في العمليات الفيزيائية الفلكية مثل الانفجارات النجمية أو اندماج النجوم النيوترونية، لذا علينا أن نصنعها بشكل اصطناعي، والتحديات الرئيسية هي أنه لا يمكن إنتاجها إلا بكميات صغيرة في درجات حرارة عالية، ويمكن أن تكون قصيرة الأمد للغاية.”

إبرة في الظلام

بحث الفريق عن طريقة لتصنيع أحادي فلوريد الراديوم (RaF): جزيء مشع يحتوي على ذرة راديوم ثقيلة جدًا وغير مستقرة، وذرة فلوريد. هذا الجزيء له أهمية خاصة لأن بعض نظائر نواة الراديوم هي نفسها غير متماثلة، تشبه الكمثرى، وتكون ذات كتلة أكبر في أحد طرفي النواة مقارنةً بالطرف الآخر.

علاوة على ذلك، تنبأ علماء الفيزياء النظرية بأن بنية الطاقة لمركب أحادي فلوريد الراديوم ستجعل الجزيء قابلاً للتبريد بالليزر، وهي تقنية تستخدم أشعة الليزر لخفض درجة حرارة الجزيئات، وإبطائها بدرجة كافية لإجراء دراسات دقيقة. في حين أن معظم الجزيئات لديها العديد من مستويات الطاقة التي يمكن أن تشغلها بالإضافة لوجود أعداد كبيرة من حالات الاهتزاز والدوران، إلا أنه اتضح أن أحادي فلوريد الراديوم تفضل إلكتروناته الانتقال بين عدد قليل من مستويات الطاقة الرئيسية، فهو جزيء غير عادي بسيط التحكم به، باستخدام التبريد بالليزر.

تمكن الفريق من قياس جزيئات RaF عن طريق صنع كميات صغيرة من الجزيء باستخدام فاصل كتلة النظائر التابع للمنظمة الأوربية للأبحاث النووية CERN، أو ما يسمى منشأة ISOLD في CERN، وقاموا بعد ذلك بالتلاعب بها ودراستها بواسطة تجربة تحليل الطيف الضوئي للذرة المتأيّنة عند حالة الرنين والمعروفة اختصارًا بـ CRIS.

في تجربتهم، استخدم الباحثون مُعَجِّل البروتونات المعروف باسم Proton Synchrotron Booster: وهو عبارة عن سلسلة من الحلقات التي تستقبل البروتونات من مسرع الجسيمات particle accelerator وتقوم بتسريع البروتونات. أطلق الفريق هذه البروتونات على هدف مصنوع من كربيد اليورانيوم، في طاقات عالية لدرجة أن التصادم السريع والقوي أدى إلى تدمير اليورانيوم، منتجًا وابلًا من البروتونات والنيوترونات التي اختلطت لتشكل مزيجًا من النوى المشعة، بما في ذلك الراديوم.

ثم قام الباحثون بحقن غاز رباعي فلورو الميثان، الذي تفاعل مع الراديوم لصنع جزيئات مشحونة، أو جزيئات أيونية من أحادي فلوريد الراديوم RaF، التي فصلوها عن بقية المنتجات الثانوية لليورانيوم من خلال نظام مغناطيسي يفصل الكتلة. ثم قاموا بتثبيت ومحاصرة الجزيئات في مصيدة أيونية وأحاطوها بغاز الهليوم، الذي برد الجزيئات كفاية ليقوم الباحثون بدراستها وقياسها.

بعد ذلك، قام الفريق بقياس ودراسة الجزيئات عن طريق إعادة تسريعها وتمريرها في منظومة CRIS، حيث تفاعلت الجزيئات الأيونية مع ذرات الصوديوم التي أعطت إلكترونًا لكل جزيء متأيّن وذلك لمعادلة شحنة هذه الجزيئات المُحلِقة. واستمرت الجزيئات التي أصبحت متعادلة الشحنة بالتحرك نحو منطقة للتفاعل، حيث أطلق الباحثون شعاعين من الليزر فيها— أحدهما أحمر، والآخر أزرق.

قام الفريق بضبط تردد الليزر الأحمر تارةً يزيدون التردد وتارةً يخفضونه، فووجدوا أنه في أطوال موجية معينة، يقوم الليزر بتهييج الجزيئات ودفعها لحالة من الاهتزاز والرنين، مؤديًا بذلك إلى إثارة إلكترون في الجزيء ونقله إلى مستوى طاقة آخر، كالليزر الأزرق الذي لديه طاقة كافية لإزالة الإلكترون من الجزيء. إن هذه الجزيئات التي تم إثارتها بالرنين، والتي أصبحت متأيّنة مرة أخرى، قد انحرفت وتغير مسارها ومن ثم تم تجميعها على كاشف الجسيمات، مما سمح للباحثين بدراستها وقياسها، لأول مرة، كانت مستويات طاقة هذه الجزيئات، وخصائصها الجزيئية مناسبة تمامًا للتعامل معها بواسطة التبريد الليزري.

يقول جارسيا رويز: “في قياساتنا السابقة، كانت جميع مستويات الطاقة للجزيئات التي نقيسها غير معروفة، كان الأمر أشبه بمحاولة العثور على إبرة في غرفة مظلمة، يبلغ عرضها مئات الأمتار. الآن بعد أن وجدنا الإبرة، يمكننا قياس خصائص تلك الإبرة والبدء في اللعب بها.”

المصادر: 1