لماذا لا تصاب الخفافيش بالمرض من الفيروسات التي تحملها ولكن نصاب نحن بها

أحد أوائل الأسئلة التي يطرحها العلماء عند ظهور مرض جديد هو، ” من أين يأتي؟”

تنتقل العديد من الفايروسات من الحيوانات إلى البشر وهذه ظاهرة تُعرف بـ “الانتشار الحيواني” على الرغم من أنهُ لايزال من غير الواضح معرفة أي حيوان كان المصدر لجائحة فايروس كورونا الحالية، ألا أن كل الانتباه ينصب على الخفافيش.

إن انتقال الفايروسات من الخفافيش إلى البشر ليست مجرد مسألة عض الخفاش لشخصٍ ما أو لعق دمائه. (الخفافيش لا تمتص الدماء كما تفعل في قصص مصاصي الدماء) غالبًا ما يكون السيناريو أكثر تعقيداً وذلك قد يتضمن مُضيف وسيط.

ومن المعروف أيضًا أن العديد من الحيوانات الأخرى تُعتبر كمستودعات للأمراض البشرية. فعلى سبيل المثال تحمل القوارض مرض الطاعون، تنقل الخنازير الأنفلونزا وتنقل الطيور فايروس حمى غرب النيل، إذن، لماذا يتم غالبًا إلقاء اللوم على الخفافيش في نقل الأمراض.

كعالم قضى سنوات حياتهُ في دراسة نمو وتطور الخفافيش في العديد من البلدان في جنوب أمريكا، شمال أمريكا وفي منطقة بحر الكاريبي، أنا أعتقد أن هذه المخلوقات الليلية غالبًا ما تكون ضحايا للتضليل. يخاف معظم الناس من الخفافيش وهناك ميل لربطهم بالأشياء السيئة.

تسخين

أحد أسباب إلقاء اللوم على الخفافيش بسبب المرض ليس لهُ علاقة بالعلم. ترتبط الخفافيش بمصاصيّ الدماء وقصص الرعب التي تسبب الخوف وسوء الفهم تجاه هذه المخلوقات الطائرة.

أما الأسباب الأخرى فتستند على أدلة. حيث تعد الخفافيش ثاني أكثر الثدييات متنوعة الأصناف. هناك أكثر من 1.400 صنف موزعة حول العالم باستثناء القارة القطبية الجنوبية. تعيش الخفافيش في مناطق حضرية وطبيعية، ولديهم القدرة على حمل الفيروسات. الخفافيش هي أيضًا من الثدييات، وهذا الارتباط بالبشر يجعلها أكثر احتمالاً أن تكون مضيفات حيوانية المصدر من الطيور والزواحف، فعلى سبيل المثال.

تفضل بعض أنواع الخفافيش العيش في مستعمرات، قريبة من بعضها البعض، مما يخلق بيئة مثالية لانتشار مسببات الأمراض (البكتيريا) بين بعضها البعض وللأنواع الأخرى التي تشاركها المكان. الخفافيش هي الثدييات الوحيدة القادرة على الطيران الحقيقي، مما يُسهل عليها نشر الأمراض من خلال ذرقهم (براز الخفافيش).

ولكن ما هو مثير للاهتمام بشكل خاص هو قدرة الخفافيش على تحمل الفيروسات، والذي تخطى الثدييات الأخرى. عندما تطير الخفافيش، تطلق كمية كبيرة من الطاقة، التي تزيد من درجة حرارة جسدهم لتصل إلى 38-41C. مسببات الأمراض التي تطورت في الخفافيش قادرة على مقاومة هذه الحرارة العالية. وهذا يُشكل مشكلة للبشر لأن جهاز المناعة الخاص بنا قد تطور لاستخدام درجات الحرارة العالية _في شكل حُمى_ كطريقة لتعطيل هذه البكتريا.

مُشتتات البذور

رغم كل الانتقادات السلبية التي تتلقاها الخفافيش، فإنهم يقدمون مساهمات إيجابية للبيئة ولحياتنا.

تتغذى غالبية الأنواع على الحشرات، مما يساعد على حماية المحاصيل من الإصابة. تساهم الخفافيش في نثر البذور، مثل تلك التي في أشجار التين والنخيل الفضي، وتلقيح العديد من النباتات، بما في ذلك العديد منها تجارية، مثل شجرة الكينا (يوكالبتوس شجر طبي) والصبار، والتي توفر الألياف والمشروبات الطبيعية، مثل تكيلا( شراب مكسيكي كحولي معطر) ومسكال ( مشروب مخمر من الصبار).

كما تم استخدام الخفافيش في البحث العلمي لفهم التطور التكيفي (كيف تصبح الطفرات النافعة شائعة بين السكان) وكيف تعمل النظم البيئية. وقد استخدمت أيضًا في دراسات عن الشيخوخة، السرطان، المناعة وهندسة المحاكاة الحيوية. والأهم من ذلك، قد تساعد الخفافيش في الواقع على توفير حلول ل كوفيد-19 وللفيروسات الأخرى. لا تصاب الخفافيش بالمرض من العديد من الفايروسات التي قد تقتل البشر، والبحث حول كيفية مقاومة الخفافيش لهذا يمكن أن يحمل المفتاح لمساعدتنا في مكافحة هذا الوباء وتفشي المرض في المستقبل.

سمعة سيئة؟

من الواضح أن الباحثين حول العالم يفعلون ما بوسعهم للكشف عن أصل SARS-CoV-2 (فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة النوع 2). الفرضية الأكثر قبولاً حتى الأن هي أن فيروس كورونا نشأ في الخفافيش. إن جينوم الفيروس الموجود في البشر مطابق بنسبة 96 بالمائة للجين الموجود في الخفافيش. ولكن هل يتم الإعلان عن هذه النتائج بالطريقة التي ينبغي أن تكون؟ ليس دائمًا، على الأقل من منظور الخفافيش.

يتم نشر الدراسات العلمية المعقدة بسرعة كبيرة، وهو أمر معقول نظراً للمطالب الملحة بشأن هذا المرض الجديد. غير أن هذا التسرع يؤدي إلى الذعر، الارتباك وأحياناً الخوف والكراهية تجاه هذه الثدييات الطائرة.

في بعض الأماكن أدى تزايد هذه “السمعة السيئة” إلى القتل المتعمد والمفرط للخفافيش تحت مُسمى حماية الصحة العامة. ولكن هذا يمكن أن يكون لهُ عواقب سلبية: ازعاج الخفافيش النائمة يتسبب بإثارة وإجهاد غير طبيعي، مما يؤدي الى أنتشار أمراض جديدة.

ولكن حتى أذا ثبت أن مصدر هذا الفيروس هو الخفافيش، فلا تُلام على انتقال فيروس SARS-CoV-2 الى البشر.

نحن نُدمر المساكن الطبيعية بسرعة كبيرة، نقتل الأنواع المهددة، نغير السلاسل الغذائية بأكملها; نلوث الهواء، الماء والتربة.

من المتوقع أن البكتريا (مسببات الأمراض) التي كانت بعيدة في السابق في الطبيعة ستكون على اتصال مع الناس وتنتشر بسرعة مع انتقال الناس حول العالم. يجب على الأشخاص الذين يلومون الخفافيش أن ينظروا في المرآة لمعرفة ما إذا كان مصاص الدماء الحقيقي موجوداً في داخلهم.ذ

المصادر: 1