هل تستحق الحياة العيش فعلاً؟

فيما إذا قارننا بين متعة الحياة والمعاناة والآلام المرافقة لها هل سنكون قادرين على أن نجيب فيما إذا كانت هذه الحياة تستحق العناء؟

كتبَ فيودور دوستويفسكي في روايته الإخوة كارامازوف: “كنت سأسمح لهم بقتلي في رحم إمي، على أن لا آتي لهذا العالم مطلقاً.” كما قال الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير : “إنه كان سيلعن نفسه فيما إذا أصبح أبًا، لعدم رغبته بنقل بشاعة وعار الوجود لأي أحد.”

كما كان لأرثر شوبنهاور نظرة أكثر سوداوية: “فيما إذا كان انجاب الأطفال بدافع منطقي فقط، هل سيستمر الجنس البشري بالوجود؟ أليس من الأفضل أن يتعاطف الرجل مع الجيل القادم ليجنبه عبء الوجود، أو على أي حال ان لا يأخذ على عاتقه فرض هذا العبء عليه بدمٍ بارد؟”

بل وحتى أن النسخة الرسمية للأنجيل تطرقت لهذا الموضوع من منظورها: “ولقد أعلنت أن الموتى الذين ماتوا بالفعل هم أسعد من الأحياء الذين مازالوا على قيد الحياة. لكن الأفضل من الأثنين هو الذي لم يولد من قبل، الذي لم يرى الشر الذي يتم تحت الشمس.”

في الوقت الذي بدأ تغير المناخ واحتمالية حدوث حرب نووية والانقسامات السياسية بالظهور. اللاإنجابيةAntinatalism هي زاوية صغيرة وحيوية في الفلسفة.

وفقاً لبيناتار وهو رئيس قسم الفلسفة في جامعة كيب تاون ومؤلف كتاب “Better Never to Have Been” فإن التولد ليس مضرا دائمًا، بل هو ضرر خطير دائماً وتلخيصًا لفلسفته أكمل: “لا يجب علينا أنجاب أُناس جُدد للحياة، لكني أعتقد أنه يجب أن ننظر من منظور أوسع، حيث أنه لا يجب علينا جلب أي كائنات واعية إلى الوجود.”

كما وكان للبوذية صلة في هذا الموضوع، فوفقا لترجمة النصوص البوذية بواسطة السير هاري سينغ جور وضح بوذا أن الرجل جاهل تماماً عما يسببه من معاناة وألم، فالسبب الرئيسي للشيخوخة والموت هو الوجود، فيما إذا أدرك الرجل هذا فسيتوقف عن الإنجاب فوراً.

قد يوفر رأي بوذا هذا تفسيرا لتسميته لابنه Rāhula أي “قيود” أو “عائق.”

بالتأكيد فهو أنجب ابنه قبل الشروع في سعيه الأسطوري، لذلك وبشكل أناني فإن اسم ابنه يدل على أن راهولا كان يقف عائقاً أمام بحث والده عن التنوير.

في خلال مقابلة مع بيناتار أوضح هارس على أن ملاحظات بيناتار معارضة لعمل الفلاسفة بما يخص خطر الوجودexistential risk، كفكرة أن كارثة (كالحرب النووية) ما قد تسبب تقلص أو نهاية للوجود البشري.

الأخلاق هو عنصر حاسم في البوذية، فضلا عن المبدأ التأسيسي للا إنجابية. يعتقد Benatar أن هناك “عدم تماثل في القيم بين الأشياء الجيدة والسيئة في الحياة”. عندما نفكر في الزوايا غير المأهولة للكون (والتي ستكون معظم الكون)، فإننا لا نفكر في غياب الخير الذي يمكن أن يكون هناك لو وجدت الحياة. ولكن إذا فكرنا في أن المعاناة غير موجودة، على سبيل المثال، على كوكب المريخ، فإننا نعتقد أنه من الإيجابي أن الكائنات غير الموجودة قد نجت من المعاناة. يركز Benatarالكثير من الطاقة على هذا الغياب المدرك للألم.

يستشهد هاريس بقول فيلسوف اوكسفورد ويليام مكاسكيل: إن أكبر خطر على البشرية هو فعل شيء ما يضع البشرية تحت خطر التدمير الذاتي، فهي خطرة لأنها تغلق الأبواب أمام الخير الذي لا يعد خلال سنين لا تعد من المشاركة الإبداعية مع الكون.

تكهن هاريس عن ما يتطلبه لإنشاء حياة تستحق العيش، التي سماها بيناتار “مفهوماً غامضاً.” فَرقَ بيناتار بين حياة تستحق البدء وحياة تستحق الاستمرار. فقدان هذا الغموض جعل من فكرته الأساسية مستحيلة الفهم، حيث أنه لا يدعو للانتحار بقدر ما يدعو لعدم جلب آخرين للوجود.

بالرغم من ذلك فأن شريط بداية الحياة يجب أن يكون أطول بكثير مما هو عليه. ويضيف: “فيما أذا كنت تفكر بإنجاب أطفال، فلا يجب عليك أن تفكر بشبابهم فقط، بل وهم في ثمانينات أيضًا. لا يُفكر الآباء بالسرطان الذي سيدمر أجساد ابناءهم المستقبليين بعد عقود من موتهم.”

يُشبه بيناتار الموضوع بمسرحية كنت تتطلع لرؤيتها، فتشتري التذاكر وتذهب لرؤيتها، ليتضح أنها مخيبة لآمالك. لكن في حال عَلِمتَ مُسبقاً بماهيتها، فبالتأكيد لن تضيع وقتك ثانيةً. وهذا مشابه لما في البوذية، فمن هذا المنظور لست بالحاجة لأن تبدأ من جديد، بل يجب عليك أن تغير اعتقاداتك فحسب.

أستمر بينتارا في بحثه عن معنى للحياة، فلن تتمكن من معرفة كيف يمكن أن تكون الحياة جميلة إذا لم تكن مستعداً لإعطاءها فرصة في المقام الأول. إعطاء الحياة فرصة الحصول على الجمال ليس بالسوء الذي عليه بجلب الحياة إلى عالم هو جحيم بعينه، لكنه هذا ليس الوضع الذي نجد أنفسنا عليه، نحن لا نعرف كيف من الممكن أن تكون الحياة جيدة، ليس بتجربتنا الحالية على الأقل.

بظل تصنيعنا للذكاء الاصطناعي ظهر سؤال مهم للغاية. حيث أننا قد نبني عقول ستعاني لدرجة لا نستطيع فهمها. فبجهلنا، لدينا القدرة على خلق الجحيم داخل حواسيبنا.

يميل هاريس بشكل كبير للعلم، بينما يعتقد بيناتار أن الحياة لا تستحق العناء لأجيال عديدة ستستمر في هذه المعاناة من أجل فوائد محتملة بعد آلاف السنين من الآن.

يقول هاريس أن هناك احتمالات عديدة بأفضلية الوجود، بينما لا يستطيع بينتارا أن يتخيل أمكانية لأن يكون الوجود أفضل من العدم.

المقابلة التي استغرقت ساعتين كانت مبهجة ومرهقة في الوقت ذاته. بسبب التفاصيل والمقارنات العديدة، إلا أنه هذه التفاصيل حساسة للغاية. فـ اللاإنجابية هي ليست تلك الفلسفة التي يمكنك تلخيصها وأنت على أرضية المصعد، خصوصًا وإنها تقف ضد أهم الغرائز البيولوجية للبشر. فحين تُخبر أي أبوين عن أن أبناءهم ما كان يجب أن يولدوا، لن تتحصل على الرد المنطقي المطلوب.

هاريس يعتمد على المنطق بشكلٍ أساسي، بينما تخطى بيناتار هذه المسألة منذ عقود. عندما ذكر هاريس الأناس الذين يتخطون معاناة الحياة – حيث أن العديد من الناس يخرجون من المعاناة والألم بفوائد معرفية وعاطفية غير متوقعة- يجيب بيناتار على أنه في حال كنت ترى أن حياتك هي من أجل أن تصبح أكثر ثراءً، فإن تصورك للوجود قد حَرفَ من فهمك للواقع.

تحجج بيناتار بضحايا الاغتصاب، فتستطيع خوض تجربة الاغتصاب ومساعدة الآخرين بالعلاج والاستشارة، لكن هل أصبح الاغتصاب قيماً بما يكفي لتحمل المعاناة التي يتسبب بها؟ وهذا سيقودنا لسؤال أكبر حول الوجود واستمرارنا في التعامل مع الحياة، لكنك إن سألت بيناتار، فسيجيبك بأن من لم يولد هو المستفيد الأكبر. ففي النهاية لاتزال المعاناة لا تستحق العناء.

المصادر: 1