كيف تُحصى أعداد وفيات كوفيد 19؟

مع اجتياح الفيروس التاجي للولايات المتحدة، كان من الصعب إيجاد العدد الحقيقي للأشخاص المصابين بسبب قلة الأختبارات، والآن، تواجه التعدادات الرسمية لوفيات الفيروس التاجي تحديًا أيضًا.

مثلاً، في كولورادو، اتهم نائب جمهوري من الولاية وزارة الصحة فيها بتقليل أعداد وفيات وباء كوفيد 19 كَذبًا، وفي فلوريدا، عارضت وسائل الإعلام المحلية رفض وزارة صحة الولاية الإفصاح عن بيانات الفاحصين الطبيين للعلن، مدعية أن الدولة ربما لم تفصح عن عدد الوفيات الكلي.

والحقيقة هي أن تحديد سبب الوفاة ليس واضحًا دائمًا، حتى قبل الوباء، فأن مجموعة من القواعد والقوانين المحلية تجعل الحصول على بيانات صحيحة أمرًا صعبًا، ومع ذلك، تشير البيانات المتعلقة بأعداد الوفيات الزائدة في الولايات المتحدة على مدى الأشهر العديدة الماضية إلى أن حالات الوفاة ب كوفيد 19 ربما تكون أكثر من العدد المُعلن عنه.

سبب الوفاة

يمكن لشهادة الوفاة التي وقعها الطبيب المسؤول عن المريض الذي توفى في المستشفى أن تكون مرجعًا للعديد من حالات الوفاة بوباء كوفيد 19، كما يمكن للفاحصين الطبيين والأطباء الشرعيين التوقيع عليها، وهم موظفون مستقلون يعملون في مقاطعات فردية أو مدن، وقالت الدكتورة سالي أيكن، رئيس الجمعية الوطنية للفاحصين الطبيين (NAME)، إن الأطباء يعالجون العديد من شهادات الوفاة لوباء كوفيد 19 ما لم تحدث الوفاة خارج المستشفى، وفي هذه الحالة سيتدخل الفاحص الطبي أو الطبيب الشرعي. ففي بعض الولايات القضائية، بما في ذلك مدن مثل شيكاغو وميلووكي، يشارك الفاحصون الطبيون في تحديد سبب الوفاة لكل حالة مشتبه أصابتها بوباء كوفيد 19. في تلك الولايات، يقوم الفاحصون الطبيون بمراجعة السجلات الطبية حتى للمرضى الذين يموتون في المستشفيات للتأكد من أن الأعراض والاختبارات تشير إلى أن المريض قد مات بالفعل بسبب الوباء.

وقالت أيكن إن وجود فاحص طبيٍّ يؤكد وفيات وباء كوفيد 19 يمكن أن يخلق وثائق أكثر تطابقًا ووضوحًا. وفي شهادة الوفاة، توجد مساحات لإدراج سبب الوفاة المباشر، بالإضافة إلى سلسلة الأحداث التي أدت إلى هذا المرض أو الحالة الأخيرة، وهناك أيضًا مساحات لإضافة العوامل المساهمة.

بالنسبة لوباء كوفيد 19، عادة ما يدرج السبب المباشر للوفاة على أنه ضيق في التنفس، وفي السطر الثاني «بسبب وباء كوفيد 19» وتُدرج إلى الأسفل العوامل المساهمة مثل أمراض القلب أو السكري أو ارتفاع ضغط الدم. وقالت أيكن «إن هذا أدى إلى بعض الإرتباك للناس الذين يجادلون بأن السبب الحقيقي للوفاة هو أمراض القلب أو السكري، ولكن الأمر ليس كذلك، فلولا كون كوفيد 19 القشة الأخيرة أو الشيء الذي أدى إلى سلسلة الأحداث التي أدت إلى الموت، فغالباً ما كانوا ليتوفوا في هذا الوقت».

الكشف عن كوفيد 19

مدى صعوبة تحديد ما إذا كان كوفيد 19 القشة الأخيرة يعتمد حقًا على الحالة. قالت الدكتورة ماري فوكس، رئيس خدمات التشريح في مستشفى (mount Sinai) إن معظم حالات الوفاة بوباء كوفيد 19 التي شوهدت في النظام الصحي للمستشفى الواقع في نيويورك كانت لأشخاص يعانون من مشاكل صحية أقدم، مثل أمراض الشريان التاجي أو أمراض الكلى. ولكن ليس من الصعب عادةً معرفة ما تسبب بوفاتهم.

وقالت فوكس أيضًا «معظم الحالات واضحة للغاية فعادة ما تكون الرئتان تُعانيان من أمراض شديدة، بحيث يكون وزنها مرتين أو ثلاث مرات وزن الرئة الطبيعي وربما أكثر» حيث يرجع الوزن الزائد إلى السوائل وبقايا الخلايا من أنسجة الرئة التالفة.

قال الدكتور جيريمي فاوست، طبيب الطوارئ في مستشفى بريغام «إن في بعض الحالات، خاصة تلك التي يموت فيها شخص ما في المنزل أو بعد دخوله غرفة الطوارئ بقليل، يكون تشخيص سبب الوفاة صعبًا بعض الشئ، والتحدي هنا هو التفريق بين من توفى وهو مريض بالكوفيد 19 ومن توفى لأنه مريض بالكوفيد 19».

وتقول فوكس إن تشريح الجثث يمكن أن يساعد في الإجابة عن هذا السؤال، لكن معدلات تشريح الجثث كانت منخفضة حتى قبل تفشي الوباء، فحتى في مستشفى ماونت سيناي (mount sinai)، حيث النظام الطبي النادر الذي يوفر لكل عائلة فرصة تشريح جثث أحبائهم مجانًا، كان معدل التشريح حوالي 20% فقط قبل الوباء، ووفقًا للجمعية الوطنية للفاحصين الطبيين، هناك نقص دائم لأخصائيي الطب الشرعي الذين يعملون في الولايات المتحدة، إذ يوجد الآن 500 موظف تقريبًا بينما هناك حاجة إلى 1200! كما يمكن أن يكون تشريح جثث المتوفين بالكوفيد 19 خطيرًا بسبب طبيعة المرض المعدية والنقص المستمر في معدات الحماية الشخصية للأخصائيين.

ومن التعقيدات الأخرى لتحديد سبب الوفاة لكوفيد 19 هو أن بعض الشباب ماتوا بسبب السكتات الدماغية والنوبات القلبية ثم ثبتت إصابتهم بالوباء دون أي تاريخ من أعراض الجهاز التنفسي، ومن المعروف الآن أن الفيروس يسبب جلطات دموية، مما يشير إلى أن كوفيد 19 كان القاتل في هذه الحالات أيضًا، أجرت فوكس وزملاؤها فحصًا مجهريًا لأدمغة 20 ضحية من ضحايا الوباء المُدرجين في نظام المستشفى، ووجدوا أن سِتًا منهم تعرض لجلطات دموية صغيرة تسببت في سكتات دماغية صغيرة قبل الوفاة.
قالت فوكس «إننا نراها في المرضى الأصغر سنا أكثر من المُتوقع، ونراه في توزيع غير مُتوقع أيضًا، لذلك نعتقد أنه مرتبط بالكوفيد».

أصدرت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) مبادئ توجيهية لكيفية نَسب الوفاة إلى كوفيد 19. تحث المبادئ التوجيهية على استخدام معلومات من اختبار كوفيد 19 قدر الإمكان، ولكنها تسمح أيضًا بإدراج الوفيات على أنها «مفترضة» أو «محتملة» الوفاة بالوباء وذلك بناءً على الأعراض وحكم الطبيب الذي يملأ شهادة الوفاة. وأفادت أيكن إن الفاحص الطبي الذي يحاول تحديد سبب الوفاة في غياب الاختبار سيتفحص السجلات الطبية ويسأل الأسرة والأقرباء عن أعراض الشخص قبل وفاته، وقد يكون التشريح ممكنًا، اعتمادًا على الولاية القضائية.

قلة الإبلاغ أو كُثرتهِ؟

يقول جاي ولفسون، أستاذ الصحة العامة في جامعة جنوب فلوريدا (USF) «إن جميع التناقضات في الإبلاغ عن أسباب الوفاة تسبق جائحة كورونا لكن الحصول على بيانات صحيحة عن الوفيات أمر ملحٌ للغاية الآن».

غالبًا ما يستخدم أخصائيوا الأوبئة ومسؤولوا الصحة العامة شهادات الوفاة للكشف عن مجموعات الوفيات الغريبة أو لربط بعض عوامل الخطر ببعض أسباب الوفاة، ولكن بسبب اختلاف الولايات والمناطق واختلاف قواعدها حول تسجيل أسباب الوفاة والإبلاغ عنها، فإن البيانات المتراكمة دائمًا ما تكون فوضوية.

وأضاف ولفسون «أعتقد أن بعض الولايات مترددة في فتح قواعد بياناتها، أما لمشاكل تتعلق بالصلاحية، وأما لمعرفتها أن البيانات قد يُساء استخدامها، لكن يحتاج مسؤولوا الصحة العامة إلى الوصول، وهم بحاجة إلى اكتشاف طرق للبحث في البيانات وتوحيدها». إن ولفسون وباحثون آخرون يعملون بالفعل مع مسؤولي الولاية لمعرفة نوع البيانات التي يمكن نشرها بشكل قانوني.

في هذه الأثناء، مع اشتداد الجدل السياسي حول الأستجابة للفيروس، جادل البعض بأن تقارير الوفاة تُحرف عمدًا. لكن أيكن رفضت فكرة وجود مؤامرة كبيرة يقوم بها الفاحصون الطبيون وقالت إن الفاحصين الطبيين وجدوا ليكونوا كيانات مستقلة، وهم يديرون سلسلة سياسية تنتقل من المحافظة إلى الليبرالية، وحسب تعبيرها «دائما ما تضحكني هذه الفكرة، فالفاحصون الطبيون والأطباء الشرعيون غير منظمين بما يكفي ليتآمروا».

قال جاريد بولس محافظ كولورادو «إن سبب الخلاف على من توفى بفعل الفيروس ومن توفى وكان حاملاً للفيروس يرجع إلى توجيه فدرالي يأمر وزارة الصحة أن تبلغ مركز السيطرة على الأمراض بكل من توفى وهو حاملٌ للمرض بغض النظر عما إذا مات بفعل الفيروس أو لمرض آخر كان مصابا به من قبل، كما أُمِرَت وزارة الصحة بعدم الأفصاح للعلن عن أن سبب هذه الوفيات هو الكوفيد 19».

ويقول ولفسون «إن قانون ولاية فلوريدا يمنع نشر بيانات شهادة الوفاة، ولكن ربما يمكن الحصول على نسخة منها منقوص فيها البيانات الشخصية، تنشرها الوزارة أو تنشر إحصاءً عنها.

ويرى ولفسون أن كلًا من الكثرة والقلة في تقدير الوفيات بسبب كوفيد 19 ممكنة، ولكن ليس من الواضح حتى الآن أيهما أكثر احتمالًا، أو ما إذا كان من الممكن أن يوازن كل منهما الآخر لكن فوكس ترى غير ذلك لأن نيويورك وعدد من المدن الأخرى تظهر ارتفاعًا في عدد الوفيات في المنزل، وقد تكون هذه الارتفاعات بسبب حالات الإصابة بالفيروس غير المعالجة أو المكتشفة.

ربما أفضل دليل عما إذا كان عدد الوفيات لكوفيد 19 قد زاد أو قل هو بيانات الوفيات الزائدة، فالوفيات الزائدة هي وفيات تتجاوز ما يُتوقع لعدد سكان معين في تاريخ محدد، تُظهر بيانات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها ارتفاعًا في معدل الوفيات الزائدة في أوائل عام 2020، حيث أضيف ما يصل إلى عشرات الآلاف من الوفيات.

قال فوست إن الناس يخشون الإصابة بالمرض إذا ذهبوا إلى المستشفى لأسباب أخرى. ووجدت دراسة في مجلة الكلية الأمريكية لأمراض القلب أن تسعة مستشفيات رئيسية شهدت انخفاضًا بنسبة 38% في الزيارات الطارئة لنوع معين من النوبات القلبية في مارس/شباط، وهذا يشير إلى أن الناس يؤخرون أو يتجنبون الرعاية الطبية، مما قد يعني أن بعضهم يموت لأسباب كان يمكن تداركها.

وقال أن ربما وفاة الحالات غير المرتبطة بكوفيد لا يفسر معظم حالات الوفاة الزائدة، لأن المستشفيات لا تنقذ كل مصاب بنوبة قلبية يدخلها، فربما يعيش واحد من بين عشرة يتلقون العلاج! كذلك فقد انخفضت أسباب الوفاة الأخرى مثل حوادث السيارات.

وحذر فاوست من أن هذا يمكن أن يتغير بمرور الوقت، على سبيل المثال، إذا تخلى مرضى السرطان عن علاجاتهم لمدة عام، بدلاً من بضعة أشهر، فمن المرجح أن يكون التأثير على معدلات الوفاة ملحوظًا في البيانات السكانية، لكن هذا ليس خطرًا آنيًا.

المصادر: 1