هذا هو تجمع الرصاصة الذي تكون من تصادم مجرتين، ويتوضح في الصورة كل من: المادة المألوفة باللون الأزرق، والمادة المظلمة باللون الزهري، وسواهم تكون الطاقة المظلمة التي تهيمن على التجمع

ما هو الفرق بين المادة المظلمة والطاقة المظلمة؟

إن معظم الكون محجوب عن أعيننا، وسواء نظرنا بتجريد أم بمنظار فلن نلمسه ولن نراه، يُجمع العلماء على أن معظم الكون يتألف من مادة مظلمة وطاقة مظلمة، فما هي هذه الأشياء المظلمة المحيّرة؟ وما الفرق بينهم؟

نوجز الأمر بالقول إن المادة المظلمة هي التي تبطئ تمدد الكون بينما الطاقة المظلمة تزيده سرعة، وكأنهما يلعبان شد الحبل بهذا الوجود!

يمكن وصف المادة المظلمة بإسمنت الوجود، إذ تعمل كقوةِ جذبٍ تربط الكون بعضه ببعض كأنها قوة جاذبية خفية كما أنها لا تمتص الضوء ولا تعكسه أو تشعه، وعلى النقيض تعمل الطاقة المظلمة كقوة طاردة، إنها نوع من نقيض الجاذبية الذي يزيد سرعة توسع الكون، وتشكل هذه الطاقة 68% من الكون تقريبا، بينما تشكل المادة المظلمة 27% تقريبا، والخمس بالمئة المتبقية من الكون هي كل ما نراه من مجرات ونجوم وأرض وغيوم.

هذا عنقود أيبل 1689 وهو عنقود مجرات في اتجاه كوكبة العذراء، استدل العلماء بفضل تأثير عدسة الجاذبية على وجود طاقة مظلمة منتشرة في مركزه وهي موضحة في الصورة باللون الأزرق الأردوازي.

المادة المظلمة:

في ثلاثينيات القرن الماضي رصد عالم الفلك السويسري فريتز زويكي شيئًا محيرًا وهو يدرس صورًا لألف مجرة في عنقود كوما، لقد كانت المجرات تتحرك بسرعة عالية لدرجة أنها يجب أن تبتعد عن بعضها البعض، ولأنها لم تنفصل، خمّن زويكي وجود شيءٍ مثل «مادة مظلمة» تحافظ على وحدة العنقود من التفكك.

بعد عقود من هذا الرصد، اكتشف عالما الفلك فيرا روبن وكنت فورد ظاهرةً مشابهةً أثناء دراستهم لمعدل دوران كل مجرة من المجرات، توقع عالما الفلك أن تتصرف النجوم في هذه المجرات تصرف الكواكب في مجموعتنا الشمسية فتدور البعيدة عن المركز بسرعة أبطأ من القريبة، لكنهم وجدوا غير هذا إذ كانت النجوم في أطراف كل مجرةٍ تدور بذات سرعة النجوم التي في المركز إن لم تكن أسرع! لقد وجد روبن وفورد أدلة تدعم فكرة زويكي التي تقول إن نوعًا خفيًا من المادة يحافظ على تماسك الكون، وقال روبن عن دراستهم «لقد وجدنا أنَّ حتى النجوم الطرفية تدور بسرعات عالية، ولا يمكن لنجمٍ أن يبلغَ هذهِ السرعة ما لم تكن هناك كتلةٌ هائلةٌ خفيةٌ في مجرته، وسنسمي هذه الكتلة الخفية بالمادة المظلمة».

منذ ذلك التاريخ الى اليوم وجدنا أدلة كثيرة على وجود هذه المادة حتى أنها أصبحت جزءًا مهمًا من نظريتنا عن الكون التي تشكل أساس فهم العلماء لنشوئه وتطوره، ورغم أنَّ هناك أدلة كثيرة تشير الى وجود هذه المادة، لكن لم يجدها الباحثون يقينًا حتى بعد اجتهادهم واستخدامهم أجهزة رصد متطورة جدا، وهكذا يظل تفسيرنا للكون نظرية قوية جدًا لكن ليست حقيقة.

مخطط لجزء كبير من الكون بقطر مئات ملايين السنين الضوئية، يتوضح فيه هيكل الكون المتكتل بنسق أشبه بشبكة يتخللها فراغ ما بين المجرات، مجرتنا العزيزة ما هي إلا نقطة من تجمع فيرغو العملاق الموضح بالأحمر، هذه الفراغات بين المجرات والتجمعات قد تحمل دلائل لفهم المادة المظلمة والطاقة المظلمة وحتى تطور المجرات.

الطاقة المظلمة:

عرفنا منذ قرنٍ أن الكون يتوسع، إذ رصدنا بفضل التلسكوب ابتعاد مجرات الكون عن بعضها البعض (باستثناء مجرتنا ومجرة أندروميدا) ما جعلنا نفكر في أنها كانت أقرب لبعضها في الماضي السحيق، ومن يومها توالت الأدلة الداعمة لنظرية الانفجار العظيم، لكنّ مشكلة هذا النموذج أن كتلة الموجودات يجب أن تبطِئ تمدد الكون، بل ربما تجعله ينجذب الى مركزٍ موحد من جديد الى أن تسحق مجراته أقرانها في ما يعرف بالانسحاق العظيم.

لكن في تسعينيات القرن الماضي لاحظ فريقان من علماء الفلك كانا يدرسان انفجار المستعرات العظام في المجرات البعيدة شيئًا غريبًا للغاية، حيث رصدوا أن المجرات البعيدة كانت تبتعد عن مجرتنا بسرعة أكبر من المجرات القريبة؛ ما يعني أن الكون لا يتوسع فحسب، بل يتوسع بتعجيل متزايد!

يقول براين شميدت الذي ترأس أحد الفريقين «كان شعوري يتأرجح بين الدهشة والذعر، أما الدهشةُ فلأنّي لم أتوقع هكذا نتيجة، وأما الذعر فلأنّي أعلم أن هكذا خبر ربما سيُكذبُ من عدد كبير من العلماء لأنهم مثلي؛ يرتابون من النتائج الصادمة»

توسع الكون مع الزمن

وعلى عكس المتوقع، لم تضف الأرصاد اللاحقة الى هذه النتيجة غير اليقين والبراهين، حتى أن بعض من يشكك بوجود المادة المظلمة يؤمن تمامًا بحقيقة الطاقة المظلمة!

هذا لا يعني أن العلماء يفقهون كُنه هذه الطاقة المظلمة إذ ما زالوا بعيدين عنه، لكنهم يستطيعون تفسير تأثيرها على الكون استنادًا الى نسبية آينشتاين العامة، ومع أنه لم يعلم بوجود طاقةٍ مظلمةٍ لكن معادلاته تشير الى إمكانية انبثاق فضاء جديد الى الوجود، حتى أنه أدرج ثابتًا في النسبية بإسم الثابت الكوني وهو ضروري للحفاظ على الكون من الانسحاق بفعل جاذبيته، ورغم أن آينشتاين ندم على إضافة هكذا ثابت لكنه كان مصيبا حين فعل، إذ إن هذا يسمح للفراغ بامتلاك هذه الطاقة، وإنْ لم يرصد العلماء مثلها في الأرض.

يعتقد بعض علماء الفيزياء أن هناك عالمًا مظلمًا من الجسيمات والقوى لم يُكتشف بعد، ومهما يكُ كُنه المادة المظلمة والطاقة المظلمة فهما يلعبان مع الكون لعبة شد الحبل، فالمادة تعمل على سحق الكون والطاقة تريده أن يتوسع الى الأبد.

المصادر: 1