قيمة الحياة بالدولار، الإغلاق العام ومناعة القطيع!

إن مساوئ كلفة الإغلاق في أستراليا مبالغ فيها، فرغم أنها قد تكلف 90 مليار دولار لكنها ستنقذ أرواحا بقيمة 1.1 تريليون دولار!

تبدأ أستراليا، ودول أخرى حول العالم، بتخفيف قيود الإجراءات الاحترازية لمواجهة جائحة كوفيد-19، ما أثار نوعًا من الجدل المفهوم والمتوقع حول السرعة التي يجب تخفيف تلك القيود بها، بالإضافة إلى إثارة التساؤلات حول ما إذا كان الإغلاق منطقيًا ومفيدًا لأستراليا في المقام الأول.

يسعى المتشككون إلى تخفيف قيود الاحتواء بسرعة أكبر، معللين ذلك بالكلفة الاقتصادية العالية لعملية الإغلاق، ومعتمدين بالأساس على حسابات تحليل الجدوى الاقتصادية بشكل مجرد (cost-benefit analysis) مستنتجين أن الأرواح التي تنقذها عمليات الإغلاق لا تبرر الكلفة الاقتصادية المتكبدة للقيام بذلك، لكن أرقامهم لا تبدو منطقية أو صحيحة.

كم تساوي الحياة؟

لكي تكون قادراً على الموازنة بين قيمة الحياة في مقابل الكلفة الاقتصادية للإنتاج المتوقف نتيجة خسارة الوظائف وإغلاق أسواق الأعمال، يتطلب ذلك وضع قيمة مالية لحياة الإنسان الواحد، فيما يعرف بقيمة الحياة الإحصائية (Value of a statistical life).

تقدر الحكومة الأسترالية هذه القيمة ب 4.9 مليون دولار، وتقدرها الحكومة الأمريكية ب10 مليون دولار.

ما هي فائدة الإغلاق إذَا؟ فوائد الإغلاق تساوي قيمة الأرواح التي تم إنقاذها بالإضافة إلى الفوائد الاقتصادية والصحية الغير مباشرة. حيث أن الأرواح التي تم إنقاذها هي تلك الأرواح التي ستُفقد إذا اعتمدت الحكومة على استراتيجية تسمح لعدد كافٍ من الأشخاص أن يصابوا بالعدوى ضمن ما يسمى بمناعة القطيع.

كم عدد الأرواح الإضافية التي ستفقد في ظل هذه الاستراتيجية الأخرى؟ للإجابة عن هذا التساؤل نحتاج إلى مجموعة من الافتراضات حول الفيروس.

الأرواح التي سنفقدها إذا ما أطلقنا له العنان

في البداية كان يعتقد أن معدل التكاثر الأولي (Initial reproduction rate) للفيروس هو حوالي 2.5 مما يعني أن كل مصابان سينقلان العدوى إلى خمسة أشخاص آخرين، علمًا أن التقديرات تشير إلى أن مناعة القطيع لكوفيد-19 ستصيب ما يقرب من 60% من السكان قبل أن يبدأ المنحنى في التسطح وتهبط ذروة الإصابات، وسيحدث هذا عند انخفاض ​​معدل التكاثر إلى أقل من واحد.

وبسبب الإصابات الجديدة المتلاحقة، فإن العدد الإجمالي للمصابين بالعدوى خلال فترة الجائحة قد يقترب من 90%، ولو كان عدد السكان يبلغ 25 مليون نسمة بافتراض أن معدل الوفيات يبلغ 1%، فإن هذا سيؤدي إلى 225.000 حالة وفاة.

افترض صناع القرار في بداية الجائحة أن معدل وفيات 1% وهو يعتبر معدل منخفض، لكن في وقتها كانت البيانات الهامة الموثوقة مفقودة.

قيمة تلك الأرواح 1.1 تريليون دولار أسترالي!

بتحويل هذه الوفيات إلى قيمة مالية باستخدام قيمة الحياة الإحصائية الأسترالية التي تبلغ 4.9 مليون دولار أسترالي لكل حياة واحدة، سينتج مبلغ 1.1 تريليون دولار أسترالي، أي ألف مليار دولار أسترالي، بمعنى آخر، هذا هو المبلغ الذي كسبناه بفضل إغلاق الاقتصاد، شريطة ألا ترتفع معدلات الوفيات عندما تخفف إجراءات الإغلاق ويعاد فتح الحدود. وهذا يساوي تقريبًا ثلاثة أخماس الناتج المحلي الإجمالي لعام واحد، الذي يبلغ 1.9 تريليون دولار أسترالي تقريبًا.

إذاً ما هي كلفة الإغلاق؟

تتمثل كلفة الإغلاق في التكاليف الاقتصادية المباشرة الناتجة عن انخفاض النشاط الاقتصادي بالإضافة إلى التكاليف الاجتماعية والطبية والاقتصادية غير المباشرة، ويتم قياسها جميعًا من حيث الدخل القومي، ونقطة البداية هي حساب الدخل المفقود بسبب الركود الذي ربما بدأ بالفعل.

ماذا سيكلفنا الإغلاق؟

لنفترض أن الانكماش الاقتصادي أدى إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10% خلال عامي 2020 و2021 (تقريبًا 180 مليار دولار) بما يتفق مع توقعات صندوق النقد الدولي بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6.7% في عام 2020 متبوعاً بانتعاش حاد بنسبة نمو 6.1% في عام 2021، وقابل للمقارنة مع توقعات بنك الاحتياط الأسترالي في أحدث بياناته عن السياسة النقدية.

إن مقارنة هذه التكلفة من الإغلاق -180 مليار دولار- لتوفير 1103 مليار دولار تجعل قضية الإغلاق واضحة!

لكن في الواقع هذه الحسابات تبالغ بشكل كبير في تقدير كلفة الإغلاق، حيث أن الركود هو نتيجة للإغلاق والوباء معًا، فنحن بحاجة إلى تقدير تكاليف كلٍ منهما إذ من المرجح أن تكون معظم التكاليف الاقتصادية للكساد بسبب الوباء نفسه وليس الإغلاق.

كنا سنتحمل الكثير من التكاليف على أي حال لأن النشاط الاقتصادي كان في تراجع حتى قبل الإغلاق، فالسفر الجوي الدوّلي، وحجوزات المطاعم ومجموعة من الأنشطة الأخرى انخفضت بشكل حاد في داخل أستراليا وخارجها على حد سواء.

كان ذلك نتيجة «إغلاق شخصي- Private shutdown» بدأ حتى قبل الإغلاق الحكومي الملزم، حتى في بلد مثل السويد، حيث لم يكن الإغلاق إلزاميًا، كان هناك انخفاض في الحركة بنسبة 75% في وسط ستوكهولم وأكثر من 90% في السفر إلى بعض وجهات العطلات المحلية.

ولكي نكون كرماء، دعنا نفترض أن التكاليف المنسوبة إلى الجزء الذي فرضته الحكومة من الإغلاق هي نصف إجمالي التكاليف، مما يجعل تكلفتها 90 مليار دولار أسترالي، رغم أن من المرجح أن تكون أقل بكثير، كما تشير إحدى الدراسات المهمة.

لذا من الصعب أن نتصور ألا يحدث إغلاق شخصي بشكل أكبر بكثير إذا قررت الحكومة ببساطة إطلاق العنان للمرض إلى أن يتباطأ انتشاره بسبب مناعة القطيع.

الدعم ليس تكلفة

من المهم أيضًا ملاحظة أن إنفاق الحكومة البالغ 214 مليار دولار أسترالي لدعم الاقتصاد أثناء الإغلاق هو في الحقيقة نقل للموارد من جزء من المجتمع إلى جزء آخر وليس تكلفة، حيث أنه لا يخلق تكاليفًا مباشرة ولا فوائدًا للمجتمع ككل، بخلاف التشوهات الاقتصادية الناتجة عن زيادة الإيرادات لخدمة الإنفاق.

ولكن مع اقتراب أسعار السندات الحكومية طويلة الأجل من 1% (أقل من التضخم)، من المرجح أن تكون التكلفة الإجمالية للتشوهات ضئيلة.

تبسط هذه المناقشة بالطبع التساؤلات الاجتماعية والصحية والاقتصادية المعقدة بشكل لا يصدق، ولكن من الواضح أن هناك تكاليف إضافية ناتجة عن تخفيف القيود أو إبقائها على ذات الحال.

التكاليف الأخرى ليست بهذه الضخامة

هذه التكاليف تستحق دراسة جادة ويجب أن تكون بحق جزءًا من مناقشة شاملة للسياسة العامة، ولكن بالنظر من خلال عدسة تحليل التكلفة والعائد، فمن المرجح أن تكون هذه التأثيرات مجتمعة ذات قيمة صغيرة مقارنة بقيمة منع موت جماعي.

ومن بين هذه المشاكل حدوث مشاكل الصحة العقلية والعنف المنزلي تحت الإغلاق، وهي مخاوف مهمّة يجب معالجتها من خلال برامج هادفة ومصممة بشكل جيد، في المقابل هناك دليل على أن الأزمات الاقتصادية ترتبط بانخفاض في إجمالي معدلات الوفيات.

بينما ترتفع حالات الانتحار، ينخفض ​​إجمالي الوفيات، بما في ذلك الوفيات الناجمة عن الأزمات القلبية وأماكن العمل وحوادث المرور، وفي هذه الجائحة تحديداً، هناك أدلة استقصائية تستند إلى المستجيبين من 58 دولة تشير إلى أن الاستجابات الحكومية القوية للوباء تقلل من القلق والاكتئاب.

علينا أيضًا الاعتراف أن للركود والاضطراب التعليمي تكاليف صحية واقتصادية منتشرة بشكل غير متكافئ، حيث يؤثر الإغلاق بشكل غير متناسب على الأشخاص الأكثر حرمانًا بما في ذلك العمال المؤقتين والعمال المهاجرين وذوي الإعاقة والمشردين.

الأكثر حرمانًا يعانون في كلتا الحالتين

هذا الإجحاف سيكون موجودًا حتى في خيار مناعة القطيع، كما تجعل مدينة نيويورك الأمر واضحًا، فإن الانتشار السريع للمرض يؤثر أيضًا بشكل غير متناسب على المجتمعات المحرومة، ويمكن للمرء أن يتكهن بعبء المرض فقط في حال تعرضت له بعض مجتمعاتنا النائية.

لهذا يجب أن نضيف المزيد من الإنجازات للإغلاق:

  • القضاء على الصدمة النفسية والحزن من فقدان أحبائنا.
  • تجنب تكاليف الآثار المحتملة للمرض على المدى الطويل، والتي لا نزال نعرف القليل عنها.
  • تجنب انهيار قدرة النظام الصحي عند التعامل مع حالات الطوارئ الأخرى نتيجة الأعداد الهائلة لكوفيد-19 المصحوب بنقص الطواقم الطبية بسبب المرض.

إذًا يجب على أولئك الذين يدافعون عن تحليل التكلفة والعائد أن يطبقوا هذا المبدأ بشكل منهجي، فمن الصعب معرفة كيف يمكن مقارنة كل هذه الاعتبارات على كل جانب من دفتر الحسابات في مقابل فائدة الأرواح التي تم إنقاذها!

90 مليار دولار في مقابل 1.1 تريليون دولار

في الحسابات الصماء لتحليل التكلفة والعائد نجد نظرة متشائمة للغاية للتكاليف الاقتصادية لإغلاق أستراليا حيث تصل إلى حوالي 90 مليار دولار، وهو سعر قليل مقارنة بقيمة الحيوات الإحصائية التي سيوفرها الإغلاق، حوالي 1.1 تريليون دولار أسترالي.

يبعث لنا ذلك رسالة بسيطة: الإغلاق يفوز.

السؤال الذي نواجهه الآن هو مدى سرعة تخفيف القيود، هنا أيضًا يوجد تكلفة وعائد، كما علينا أن نضع في اعتبارنا التكلفة الاقتصادية لانتشار الموجة الثانية، بالإضافة إلى تكاليف الوفيات الناجمة عن انتشار المرض قبل إتاحة علاج فعال أو لقاح.

ولكن يجب أن نتذكر، خلال عملية العدّ هذه، أن في بعض الأحيان وضع سعر على حياة الإنسان أمرٌ لابد منه (مثل أن يكون هناك جهاز تنفس واحد يحتاجه مريضين في نفس الوقت)

وأخيراً يجب ألا تختلط علينا الضرورة والرغبة، يجب أن نسعى لتجنب الحاجة إلى اتخاذ مثل هذه الخيارات المؤلمة ما أمكننا.

ترجمة: مصطفى محمود عبد الناصر

المصادر: 1