هل تغفو آملاً أن تنسى؟ في الواقع دماغك يعزز ذاكرتك في هذه الأثناء

هل سبق لك وأنت تتعلم شيءاً جديداً أن قمت بتكراره كثيراً لدرجة الشعور أنك تكرره حتى أثناء نومك؟ حسناً، ربما أنت تفعل هذا حقاً!

يقول تقرير نُشر في دورية Cell Reports هذا الأسبوع، بأن بعض العلماء قد راقبوا فعالية الدماغ لدى شخصين زُرعت لديهم شبكات دقيقة من الأقطاب العصبية التي وصلت أدمغتهم بأنظمة حواسيب بغرض عمل دراسة على مرضى الشلل الرباعي: عجز الأطراف الأربعة.

حيث استطاع المشاركون بالدراسة استخدام أفكارهم للتحكم بحركة المؤشر على شاشة الحاسوب بواسطة هذه الزرعات ونموذج حاسوبي لمعالجة الإشارات.

طُلب من المشاركين في هذه الدراسة لعب لعبةٍ تعتمد على الذاكرة شبيهةٌ بلعبة سايمون الإلكترونية اليدوية القديمة، تُلعب بالضغط التسلسلي على أربعة أزرار حسب الطلب المفروض، ومن ثم طُلب منهم الراحة أو حتى أخذ قيلولة إذا أرداوا بينما استمر الباحثون بمراقبة نشاط أدمغتهم.

وجد الباحثون أن أدمغة هؤلاء الأشخاص قد أعادت عرض هذه الأنماط التي لعبوها في اللعبة خلال الطور الأول والضّحل من النوم (non-REM)، ويعتقد العلماء أن هذا التكرار مرتبط بآلية يستخدمها الدماغ لتقوية الذاكرة والتعلم، حيث تصبح هذه الذكريات أقوى في تمثيلها العصبي.

تحدث الآلية عندما يقوم الحصين -وهو جزء من الدماغ- بتخزين المعلومات بسرعة ولكن لوقت مؤقت، ثم ينقلها إلى القشرة المخية حيث تتخزن ببطء بدون أن تفسد الذكريات المخزنة مسبقاً.

وشرحت إحدى الباحثين الآلية، حيث يُسجلون من منطقة القشرة المحركة في الدماغ والتي تقع فيها الخلايا العصبية المسؤولة عن الحركة، وخاصة المنطقة المخصصة لحركة اليد والذراع، فعندما يفكر الشخص مثلاً بتحريك يده للأعلى، تزداد فعالية بعض الخلايا ليتغيّر وضع الثبات إلى وضع إطلاق الأوامر.

وبعد الفحوصات، تبيّن أن هذه الخلايا تبقى فعالة حتى في حال كان الشخص مصاباً بالشلل، لذا إن تمكنّا من تحديد كلٍ من العصبون الذي يُجرى مراقبته تحديداً ومعدل ثباته، ومن ثم مقارنة هذا المعدل مع الإشارات التي يطلقها بالإضافة لنفس المعلومات في مجموعة العصبونات التالية، سنستطيع معرفة اتجاه الحركة التي يفكر بها الشخص وتنفيذها بواسطة منظومة الحاسوب لتحريك مؤشر الشاشة مثلاً.

الفكرة أننا نطلب من الشخص أن يتخيل أنه يحرك المؤشر إلى مكان محدد على الشاشة باستخدام يده، ويقوم بهذا التخيل عدة مرات، وبعد القليل من التكرار يصبح لدينا بيانات كافية لرسم مخطط يوضح نشاط كل عصبون في سبيل القيام بحركة معينة، وبعدها نُتيح له التحكم بالمؤشر بواسطة نشاطه الدماغي، ونعيد تقييم المخطط الذي رسمناه عن طريق الاستمرار بجمع البيانات أثناء العملية.

في هذه الدراسة، تمّت التجربة بلعب لعبة سايمون، وهي عبارة عن أربعة أزرار ملونة على شكل دائرة، حيث تعطي أصواتاً متسلسلة من كل زر بالتزامن مع إضائته، وعلى اللاعب أن يتذكر هذه التسلسلات ويعيدها بترتيب صحيح.

كرر القائمون على التجربة بعض التسلسلات عدة مرات، ثم تركوا المشاركين يرتاحون، ثم أعادوا العملية، وخلال تلك التسلسلات المتتالية كانوا يُدخلون تسلسلات مختلفة أحياناً والتي يتم المقارنة وفقها.

ولكن قيلولة مدتها 30 دقيقة ليست كافية للدخول في طور حركة العين السريعة (REM) والتي تحدث فيها الأحلام القصصية، لذا يعتقد العلماء أن ما يختبره المشاركون هو إعادة تكرار كذاكرة. تفسر الباحثة أنه وبناءاً على العديد من البحوث الأخرى، ما يحدث هو ما يسمى بعملية تعزيز الذاكرة.

وجد الباحثون أن الأشخاص تذكروا التسلسلات التي تكررت عدة مرات أكثر من التسلسلات المفردة، كما لاحظوا أن التسلسلات المكررة بقيت أوامر إصدارها فعالة على مستوى الخلايا العصبية أثناء فترات الراحة، على عكس التسلسلات الأخرى. غير أن هذه التسلسلات المُتخيّلة في الدماغ لم تكن مطابقةً تماماً لتلك الحقيقية، كما أنها كانت إما أسرع أو أبطأ قليلاً.

وفي عدة دراسات أخرى، لوحظ أن العديد من المهام المعرفية، مثل مهام الذاكرة البصرية، ينطبق عليها أمر التكرار الذهني اللاحق كما رأينا في المهمة السابقة، إلا أنه كان يشغل مساحات أوسع في المهمة المدروسة أكثر من تغطيتها في هذه الدراسة.
من الممكن أن تكون نتائج كل هذه الدراسات مفيدة للغاية في مستقبل الأطراف الاصطناعية المعتمِدة على الذاكرة لمرضى الشلل الرباعي، أو مرضى الألزهايمر والاختلال الوظيفي للحُصين وغيرهما من أشكال الخرف.

ترجمة: لين سعد الدين

تدقيق لغوي: ميس جويحان

تدقيق علمي: ميس جويحان

المصادر: 1