ماذا حدث قبل الانفجار العظيم؟

كان يعتقد أن نظرية الارتداد العظيم تعتبر مستحيلة. لكن اثنين من الفيزيائيين قاما بإحيائها للتو.

في البداية، كانت هناك مادة صغيرة ذات كثافة لانهائية. بعد ذلك، حدث انفجار، مما أدى إلى ظهور الذرات والجزيئات والنجوم والمجرات التي نراها اليوم.

أو على الأقل، هذا ما قيل لنا من قبل الفيزيائيين على مدى العقود العديدة الماضية.

لكن الأبحاث الفيزيائية النظرية الجديدة كشفت مؤخرًا عن نافذة محتملة قد نرى من خلالها الكون في مراحله المبكرة والقديمة جدًا، مظهرةً أن كوننا قد لا يكون «قديم جدًا»بعد كل شيء. وبدلاً من ذلك، قد يكون مجرد أحدث تكرار لدورة الارتداد العظيم المستمرة منذ… حسنًا، منذ مرة واحدة على الأقل، وربما منذ الأزل.

بالطبع، قبل أن يقرر الفيزيائيون التخلص من نظرية الانفجار العظيم لصالح الارتداد العظيم، ستحتاج هذه التنبؤات النظرية إلى المرور بالعديد من الاختبارات الصعبة واجتيازها.

علم كونيات نظرية الارتداد

يمتلك العلماء تصورًا جيدًا جدًا للكون في مراحله المبكرة للغاية، وهذا التصور نعرفه ونحبه بفضل نظرية الانفجار العظيم. اعتمادًا على هذا النموذج، فإن الكون قبل وقت طويل جدًا كان أصغر بكثير وأكثر سخونة وكثافة بكثير مما هو عليه اليوم. في ذلك الجحيم قبل 13.8 مليار سنة تكونت كل العناصر التي جعلتنا ما نحن عليه الآن خلال اثنا عشر دقيقة تقريبًا.

حتى في وقت أبكر من ذلك في عمر الكون ينطبق نفس الأمر، ففي مرحلة ما، كان الكون بأكمله – كل النجوم، جميع المجرات، كل شيء – بحجم حبة خوخ ودرجة حرارة تزيد عن كوادريليون درجة.

من المدهش أن هذه القصة الخيالية تتوافق مع جميع الملاحظات الحالية. لقد قام الفلكيون بكل شيء من مراقبة الإشعاع الكهرومغناطيسي المتبقي من الكون الأصغر سنًا إلى قياس وفرة العناصر الأخف، ووجدوا أن ملاحظاتهم تتماشى مع ما تتنبأ به نظرية الانفجار العظيم. على قدر ما يمكننا قوله، فإن هذه صورة دقيقة لكوننا المبكر.

ولكن على الرغم من كونها جيدة، فإننا نعلم أن الصورة ليست كاملة – هناك قطعة أحجية مفقودة، وهذه القطعة هي اللحظات الأولى للكون نفسه.

الحريق او الالتهاب الكونيthe conflagration

المشكلة هي أن الفيزياء التي نستخدمها لفهم الكون المبكر (خليط معقد بشكل رائع من النسبية العامة وفيزياء الجسيمات عالية الطاقة) يمكن أن تأخذنا بعيدًا في فهم الكون قبل أن تنهار بعدها. بينما نحن نحاول أن نعود بشكل أعمق وأعمق للحظات الأولى من الكون، فإن حل الرياضيات تزداد صعوبة أكثر فأكثر وصولاً إلى النقطة التي تنهار فيها.

الدلالة الرئيسية على أن لدينا تضاريس وأمور لم يتم استكشافها بعد هي وجود «التفرد الثقالي» singularity أونقطة الكثافة اللانهائية في بداية الانفجار العظيم. إذا أخذنا الأمر بظاهره، فإن ذلك يعني أنه عند نقطة ما، حُشِرَ الكون في نقطة صغيرة للغاية، وكثيفة إلى ما لا نهاية. ومن الواضح أن هذا أمر سخيف، وما يعنيه ذلك حقًا هو أننا بحاجة إلى فيزياء جديدة لحل هذه المشكلة – مجموعة أدواتنا الحالية ليست جيدة بما يكفي.

لنتدارك الوضع فإننا نحتاج إلى بعض الفيزياء الجديدة، شيء قادر على التعامل مع الجاذبية والقوى الأخرى مجتمعة، في ظل طاقات عالية للغاية. وهذا بالضبط ما تدعي نظرية الأوتار أنها قادرة على فعله: فالنظرية تتدعي كونها نموذجًا فيزيائيًا قادرًا على التعامل مع الجاذبية والقوى الأخرى، مجتمعة، في ظل طاقات عالية للغاية. مما يعني أن نظرية الأوتار تدعي أنها يمكن أن تفسر اللحظات الأولى للكون.

أحد اوائل مفاهيم نظرية الأوتار هو الكون الملتهب “ekpyrotic”، يأتي المصطلح من الكلمة اليونانية المرادفة لمعني «الحريق» أو النار. في هذا السيناريو، فإن ما نعرفه باسم الانفجار العظيم أثاره شيء آخر حدث قبله – أي لم يكن الانفجار الكبير بداية، بل جزءًا من عملية أكبر.

أدى توسيع مفهوم الكون الملتهب إلى نظرية، مدفوعة مرة أخرى بنظرية الأوتار، تسمى علم الكون الدوري cyclic cosmology. يفترض، من الناحية التقنية، أن فكرة تكرار الكون لنفسه باستمرار تعود إلى آلاف السنين وتسبق الفيزياء، لكن نظرية الأوتار أعطت الفكرة أساسًا رياضيًا راسخًا. أن مفهوم الكون الدوري تمامًا كما تتخيل وكما يحوي الاسم، فهو يمر بمراحل مستمر من الانفجارات العظيمة big bangs والانسحاقات الشديدة big crunches منذ الأزل إلى الأبدية.

ما قبل البداية

على الرغم من أن هذا يبدو رائعًا، إلا أن النماذج الأولية لمفهوم الكون الدوري او المتذبذب واجهت صعوبة في مطابقة نتائج الملاحظات وعمليات الرصد والمراقبة التي تم إجراؤها – وهذا عائق رئيسي عندما نتحدث عن خلق العلوم والقيام بها بطريقة منهجية وليس فقط إخبار القصص مع الأصدقاء بجانب نار التخييم.

إن العائق الرئيسي هو عملية التوفيق مع ملاحظاتنا حول إشعاع الخلفية الكونية الميكروي: بقايا من الضوء عندما كان عمر الكون 380،000 سنة فقط. ولأننا لا نستطيع أن نرى ما قبل هذا الجدار الضوئي، فإننا إذا بدأنا العبث نظرياً بفيزياء الكون الوليد، أي الكون في مراحله الأولى، فنحن نؤثر على نمط ضوء الشفق الذي تولد بعد الانفجار العظيم.

وبناءً على ذلك، يبدو أن الكون الدوري كان فكرة أنيقة ولكنها غير صحيحة.

لكن فكرة الكون الملتهب ekpyrotic universe ظلت مشتعلة على مر السنين، وقد استكشفت ورقة نشرت في يناير في قاعدة بيانات arXiv بعض المشاكل الرياضية والفرص الضائعة سابقًا. اكتشف الفيزيائيون، روبرت براندنبرغر وزيوي وانغ من جامعة ماكجيل في كندا McGill university، أنه في لحظة «الارتداد»، عندما يتقلص كوننا إلى نقطة صغيرة بشكل هائل ومن ثم يعود إلى حالة الانفجار العظيم، فمن الممكن ترتيب كل شيء للحصول على نتائج رصدية مختبرة وتكون مناسبة.

بكلمات أخرى، قد تسمح الفيزياء المعقدة لهذه الحقبة الحاسمة (والتي نعترف أننا بالكاد نفهمها) إلى تغيير رؤيتنا جذريًا للكون والوصول إلى رؤية منقحة حول المكان والزمان الذي نوجد فيه في الكون.

ولكن لاختبار هذا النموذج بالكامل، سيتعين علينا الانتظار لجيل جديد من التجارب في علم الكونيات، لذلك دعونا ننتظر قبل الاحتفال بنموذج الكون الملتهب ekpyrotic universe.

المصادر: 1