حمض نووي قديم يكشف عن حلقة مفقودة من تاريخ البشرية

وفقاً لدراسة أجراها فريق البروفيسور فو كياومي من معهد علم الأحافير الفقاريّة وعلم مستحاثات البشر (IVPP) من الأكاديمية الصينية للعلوم، فإن الجينوم الصادر مؤخراً من العصر الحجري الحديث شرقَ آسيا قد أزاح الستار عن حلقة مفقودة من عصر ما قبل التاريخ.

كشفت الدراسة التي نشرت في الرابع عشر من أيار/مايو في دورية ساينس للعلوم بأن حركة السكان قد لعبت دوراً مهماً في التاريخ الوراثي المبكر لسكان شرق آسيا.

استخدم الباحثون تقنيات حديثة لاستخلاص الحمض النووي القديم واسترجاعه من 25 فرداً يعود تاريخهم إلى 4200-9500 سنة وفرداً واحداً يعود تاريخه إلى 300 عام من شمال وجنوب شرق آسيا.

يسلّط الحمض النووي المتسلسل الضوء على حقبة مهمة من تاريخ شرق آسيا الحديث: الانتقال من الصيد وجمع الثمار إلى الاقتصادات الزراعية.

إحدى الفرضيات الخاصة بانتقال السكان في شرق آسيا هي أنه خلال العصر الحديث، استبدلت “الطبقة الثانية” من المزارعين “الطبقة الاولى” من الصيادين وجامعي الثمار في شرق وجنوب شرقيّ آسيا.

وفي حين أن علم الوراثة البشرية القديمة قد درس جيداً عن دول شرق آسيا وسيبيريا وجزر الأرخبيل الياباني، إلا أنه حتى الآن لم يُعرف إلا القليل عن وراثة البشر القدماء في شمال وجنوب الصين.

حيث وجدت البروفيسور فو وفريقها بأن هؤلاء البشر من العصر الحديث يشتركون بعلاقة وراثية قريبة مع سكان شرق آسيا الحاليين الذين ينتمون إلى هذه الطبقة “الطبقة الثانية.” وهذا يشير إلى إنه قبل حوالي 9500 عام كان من الممكن العثور على السلالات الأساسية التي تشكل التركيب الجيني لسكان شرق آسيا الحاليين في البر الرئيسي لشرق آسيا.

Ancient DNA unveils important missing piece of human history

وفي حين أنه يمكن العثور على أصول متباينة أكثر في جنوب شرق آسيا وجزر الأرخبيل الياباني، فقد عرضت مجموعات العصر الحجري الحديث في بر الصين الرئيسي الخصائص الجينية التي تنتمي إلى شرق آسيا الحالية.

ووفقاً للنظرية السابقة، فمن الجدير بالذكر أن هذا يشمل أوائل العصر الحجري الحديث في جنوب شرق آسيا الذي يعود تاريخهم إلى ما يقارب 8000 سنة من هذه الدراسة، والذين كان ينبغي أن ينتموا إلى “الطبقة الاولى” من الآسيويين الأوائل. وفي الواقع، فقد بيّنت البروفيسور فو وفريقها بأن هؤلاء يشتركون في علاقة أوثق مع “الطبقة الثانية” الحالية في شرق آسيا، مما أدى لفشل نتائج الدراسة الحالية في دعم نموذج التشتيت من “الطبقتين” في العصر الحجري الحديث شرقيّ آسيا في هذا المجال.

كما وجد العلماء بأن الشرق آسيويين الأوائل من العصر الحجري الحديث كانوا متمايزين وراثياً عن بعضهم البعض أكثر من الشرق آسيويين الحاليين. ففي أوائل العصر الحجري الحديث منذ 9500 عام قبل الحاضر، كان هناك أصل شماليّ موجود على طول النهر الأصفر وصولاً إلى السهول الشرقية في سيبيريا، متميزة عن أصل جنوبيّ موجود على طول ساحل بر الصين الرئيسي والجزر الصينية في مضيق تايوان منذ 8400 عام قبل الحاضر.

ربما بدأت الحركة السكانية تأثيرها بالفعل على شرق آسيا بحلول العصر الحجري الحديث الأخير، فعلى سبيل المثال، قد يكون سكان جنوب شرق آسيا من العصر الحجري الحديث قد شاركوا صلة مع السكان الساحليين لشمال شرق آسيا كما امتد أصلهم إلى الشمال أيضاً.

أما اليوم، فلا يُفصل معظم سكان شرق آسيا بوضوح إلى مجموعتين منفصلتين، حيث يتشارك في الوقت الحالي سكان البر الرئيسي شرقَ آسيا -الشمال منهم والجنوب- علاقة جينية وثيقة مع السكان الشرق آسيويين الزراعيين الشماليين على طول النهر الأصفر، أقوى من العلاقة الجينية مع الزراعيين الجنوبيين على الساحل الجنوبي للصين.

تظهر التحليلات الإضافية أن جميعهم تقريباً خليط من أصل شمالي وجنوبي من العصر الحجري الحديث شرقَ آسيا، الأمر الذي يلعب الأصل الشمالي فيه دوراً أكبر. حيث كانت حركة السكان، خاصة من الجهة الشمالية على طول النهر الأصفر نحو الجنوب، جزءاً بارزاً من عصور ما قبل التاريخ شرقَ آسيا بعد العصر الحجري الحديث.

Ancient DNA unveils important missing piece of human history

ومن المثير للاهتمام أن شعب الهان الصيني الحالي في جميع المقاطعات، الشمالية منها والجنوبية، يظهرون نسبة مماثلة من التأثيرات الشمالية والجنوبية، في حين أن الأصل الجنوبي الذي يُظهر تمثيلاً أقل اليوم في البر الرئيسي لشرق آسيا، كان له تأثير أوسع على مناطق أخرى.

يُظهر الأسترونيزيون، الذين يشتركون في علاقة جينية وثيقة مع سكان البر الرئيسي لشرق آسيا الحديث، مع أنهم يعيشون على مجموعة واسعة من الجزر في جنوب شرق آسيا وجنوب غرب المحيط الهادئ، علاقة وراثية حاضرة بشكل كبير مع مجموعات العصر الحجري الحديث من الساحل الجنوبي للصين.

وقد لمّحت المواد الأثرية التي يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث الأوسط منذ فترة طويلة إلى الترابط بين الأسترونيزيين وسكان البر الرئيسي لشرق آسيا، حيث تُظهر العلاقات الوراثية التي كشفت عنها البروفيسور فو وفريقها دليلاً لا شك فيه على أن الأسترونيزيين قد نشأوا من السكان الأسترونيزيين الأوائل الذين يعود أصلهم الى جنوب الصين قبل ما لا يقل عن 4800 عام.

ويؤكد التاريخ الذي كشفه هؤلاء ال26 فرداً القدماء على التأثير العميق على التاريخ البشري الذي حدث نتيجة لحركة السكان والاختلاط، ولكنهم يكشفون أيضاً عن الاستمرارية التي تمتد إلى 9500 عام. وعلى عكس أوروبا، لم يكن للتأثيرات من آسيا الوسطى دور في تكوين أسلاف شرق آسيا، حيث يحدث الاختلاط بشكل كبير إقليمياً بين السكان الشماليين والجنوبيين في شرق آسيا.

لا تزال لائحة الأسلاف القديمة الموجودة في جميع أنحاء شرق آسيا خلال العصر الحجري الحديث غير معروفة، حيث لم يتم استعادة البيانات على نطاق الجينوم من العديد من المناطق الداخلية في البر الرئيسي لشرق آسيا، إلا أن الروابط الساحلية بين السكان القدماء في سيبيريا واليابان والصين وجنوب شرق آسيا تشير إلى أنه مع استعادة ودراسة المزيد من الحمض النووي القديم، سيقود ذلك للكشف عن تاريخ معقد ومخلوط من الاتصال السكاني في عصور ما قبل التاريخ في شرق آسيا.

المصادر: 1