دمشق: المدينة القديمة التي تعاقبت عليها حضارات عديدة تواجه أكبر أزماتها

مدينة دمشق، التي تقع في الجزء الجنوبي الغربي من سوريا، هي واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، تقع هذه المدينة في واحة صحراوية على سفوح التلال الشرقية لسلسلة جبال لبنان. بالإضافة إلى ذلك، يقع ساحل شرق البحر الأبيض المتوسط ​​على بعد 80 كم (49.7 ميل) إلى الغرب من هذه المدينة، ويُعتقد أن هذه المنطقة سُكنت في وقت مبكر من الألفية السابعة قبل الميلاد، لكن الشائع أنها تأسست إبان الألفية الثالثة قبل الميلاد.

الإشارات المبكرة لدمشق

على مدى آلاف السنين، تصارعت على دمشق واحتلتها أقوام وحضارات مختلفة منها الآراميون، والآشوريون، والأخمينيون، والإغريق، والأنباط، والرومان، والأمويون، والمغول، والأتراك والفرنسيون. ورغم قدمها فقد خلّفت العديد من هذه الحضارات آثارًا لا تزال مرئية في المدينة حتى يومنا هذا.

تم العثور على أقدم ذِكرٍ معروف لإسم هذه المدينة في ألواح إيبلا (وهي مدينة أثرية سورية كانت حضارة ومملكة عريقة وقوية ازدهرت في شمال غرب سوريا في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد). وقد ذكر العموريون (في القرن الثامن عشر قبل الميلاد) دمشق باسم ديماسكي، كما يمكن العثور على إشارة أخرى للمدينة في رسائل العمارنة حيث ذكروها بإسم دمشقا، أما إسمها الانجليزي الحالي فهو مأخوذ من اللغة اليونانية على الاغلب.

بعض الآثار الأكثر بروزًا في دمشق هي من العصر الإسلامي، وهي واحدة من أحدث مراحل المدينة، في عام 635 م، بعد ثلاث سنوات فقط من وفاة النبي محمد، دخل المسلمون دمشق وأصبحت أكثر بروزًا في عام 661 م عندما صارت عاصمة الأسرة الأموية التي تأسست حديثًا.

الآثار التي خلّفتها الأسرة الأموية

أحد المعالم الأثرية التي خلفتها هذه السلالة هو الجامع الأموي الكبير، المعروف أيضًا بالمسجد الكبير في دمشق، ويُعتبر هذا المسجد من أكبر المساجد في العالم، بالإضافة إلى ذلك، يعد هذا أحد أقدم مواقع الصلاة في العقيدة الإسلامية، قبل بناء هذا المسجد، كان هذا هو موقع كاتدرائية مسيحية مكرسة للقديس يوحنا المعمدان، وحافظ الأمويون على الإرتباط مع هذا القديس المسيحي، حيث يُزعم أن أحد الأضرحة في المسجد يحتوي على رأس القديس المقطوع.

ومع ذلك، فلم تكن هذه الكاتدرائية أول مبنى مقدس في هذا الموقع أيضًا. إذ كان مكانه معبد روماني مخصص لعبادة جوبيتر (إله البرق والرعد) في عهد الإمبراطور الروماني، ثيودوسيوس الأول. وعلى الرغم من أن أطلال البوابة الغربية للمعبد لا تزال مرئية الى اليوم، إلا إنها ليست البقية الوحيدة من الفترة الرومانية إذ هناك أثر آخر أقل وضوحًا تركه الرومان في المدينة، وهو تخطيطها، فبعد أن أصبح الجزء الغربي من سوريا تحت الحكم الروماني نتيجة لغزو بومبي، أعيد تصميم مدينة دمشق بالكامل بناءً على الخطط الرومانية، ويمكن رؤية ذلك في البلدة القديمة في دمشق، حيث لا تزال تحتفظ بشكلها شبه المستطيل، وكذلك ديكومانوس (المحور الشرقي الغربي) وكاردو (المحور الشمالي الجنوبي)، وتعتبر هذه العناصر قياسيةً في خطط المدن الرومانية.

تواجه دمشق أكبر أزمة حتى الآن

في حين أن أقدم أثرٍ معروف في المدينة هو من العصر الروماني، لكن من المعروف أن دمشق كانت في يوم من الأيام تابعة للإغريق، إذ أخذ الإسكندر الأكبر المدينة من الأخمينية وبعد وفاته عام 323 قبل الميلاد، أصبحت دمشق محل صراع بين السلوقيين والبطالمة، وكلاهما خلفاء الإسكندر.

وعلى الرغم من أن المدينة أُحتلِت من القوتين بشكل متكرر، إلا إنها ظلت جزءًا من المجال الثقافي الهلنستي، وفي عام 85 قبل الميلاد، جاء دور الأنباط لاحتلال دمشق، وانخفض التأثير اليوناني على المدينة بسرعة، واحتلت دمشق قبل الامبراطورية الاخمينية من قبل الإمبراطورية البابلية الجديدة تحت حكم نبوخذ نصر، والآشوريون، ومملكة إسرائيل تحت حكم الملك داوود.

قد تواجه مدينة دمشق واحدة من أكبر الأزمات في تاريخها حيث أن الأزمة السورية المستمرة لا تؤثر على شعب سوريا فحسب، بل تهدد آثاره أيضًا، وكما العديد من المواقع القديمة الأخرى في سوريا، فإن دمشق أيضًا مهددة حاليًا.

في عام 2013، وضعت منظمة اليونسكو مدينة دمشق في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، ونحن ندعو أن يتجاوز السوريون هذه المحنة وتظل آثار دمشق القديمة سالمة وشامخة كونها دليل على ثراء المدينة التاريخي والثقافي.

المصادر: 1