فيزيائيون يكتشفون جزيئاتٍ كالشبح، تكسر التماثل مع جسيماتها المضادة

نحن جميعًا هنا فقط لأن الواقع هو انعكاس غير كامل لنفسه، فبفضل وجود خلل في تماثل الطبيعة كان هناك الكثير من المواد المتاحة للتكتل في مليارات المجرات التي نراها الآن في الكون.

ما يقرب من عقد كامل من البيانات التي أنتجت من خلال «توكاي إلى کامیوکا (T2K» وهي تجربة فيزياء الجسيمات في اليابان، وجد أقوى دليل حتى الآن على اختلال التوازن الذي يمكن أن يساعد في تفسير سبب عدم اختفاء المادة بعد لحظات من نشوئها.

بحثت الدراسة عن فروق ذات دلالة حول كيفية تغيّر شكل الجسيمات شبه عديمة الكتلة التي تسمى النيوترينوات، بالمقارنة مع نقائضها من جسيمات مضاد-النيوترينو.

ومن المفارقات أن النيوترينوات صغيرة للغاية، فهي بالكاد موجودة، وتمر من بين الجسيمات الأخرى دون تصادم، لكن ما تفتقر إليه نوعًا تعوضه بالعدد، حيث أنها أكثر شيوعا بمليار مرة من الجسيمات الأخرى التي تستقرّ معًا لتكوين الذرات.

في الواقع، فإن وفرة النيوترينوات، ممزوجة بسلوكها الغريب في تبديل خصائصها -التي تسمى بالنكهات flavors- هي التي تجذب علماء الفيزياء الباحثون عن تفسيرات لكل شيء من المادة المظلمة إلى الاختلال الواضح في أنواع الجسيمات التي نراها حولنا.

عندما كان الكون لا يزال فوضى ساخنة معبأة في مساحة صغيرة (لكن قيد التوسيع)، كان من المفترض أن ينتج عن تكثيف الطاقة إلى جسيمات فلك نوح من أزواج من الجسيمات وجسيماتها المضادة.

وهذا يعني ظهور إلكترونات ذات شحنة سالبة جنبًا إلى جنب مع توائم مضادة للمادة موجبة الشحنة تسمى البوزيترونات، وكون الجسيمات الطبيعية (مثل الإلكترون) تلغي جسيماتها المضادة (مثل البوزيترون) مع تحرير بعض الاشعاع، فيجب ألا يكون في الفضاء شيء غير الموجات الكهرومغناطيسية.

ومن الواضح أن هذا ليس هو الحال، على الأقل ليس بالكامل، إذ إن هناك جسيمات كافية من المادة ظلت لتخلق أشياء مثل النجوم، والمذنبات، ومشابك الورق.

يقول عالم الجسيمات الفيزيائي ليندسي بيغنيل من جامعة استراليا الوطنية «تم إنشاء كميات متساوية من المادة والمادة المضادة في بداية الكون، لذا فإن السؤال المهم في علم الكونيات هو كيف وصلنا إلى الكون الذي نراه اليوم- الذي توجد فيه المادة».

لم يكن بيغنيل جزءا من الدراسة، لكنه يعلم شيئًا أو اثنين عن دور النيوترينوات في إمكانية تفسير هذا الخلل الغريب، إذ يقول «ليست لدينا الصورة الكاملة لكيفية حدوث ذلك حتى الآن، لكننا نعلم أن خرق التناظر والشحنة (انتهاك CP) هو عنصر ضروري».

تعني «CP» انقلاب الشحنة والتناظر، أي هي التغيرات التي تطرأ على المادة حين تتحول الى نقيضها، فمثلا، تنقلب الشحنات الموجبة إلى سالبة عندما تصبح الجسيمات جسيمات مضادة، أما بالنسبة إلى التناظر، فهو انقلاب في الإحداثيات، مثل ما تفعل المرآة حين تقلب يدك اليمنى الى يسرى.

لا يجب أن يؤدي انعكاس كلا من شحنة وقطبية نظام ما إلى تغيير طريقة عمل الفيزياء، لذلك نقول إنه يتبع «تناظر CP» وإذا وجدنا انقلابًا في أحدهما فقط، فسنقول إن هذا التناظر قد انتهك.

اللازم حدوثه لنشوء الكون المادي الذي نعرفه اليوم حدوث انتهاك لتناظر الشحنة والقطبية لبعض الجزيئات في بداية نشوء الكون، ولا يلزم أن يحدث لكثير من الجسيمات- إذ يكفي تغيّر بضع جسيمات لكل 10 مليار فوتون.

تم العثور على أحد هذه الانتهاكات بالفعل في وقت سابق عام 1964، عندما اكتشفه فيزيائيان أمريكيان بشكل غير مباشر ضمن إحصائيات نوع نادر من الإضمحلال في حزم من الجسيمات دون الذرية تسمی الكاون Kaons.

في حين كان هذا اكتشافًا بارزًا، تبيَّن أن حجم هذا الشكل الخاص من النتهاك لم يكن قريبًا من الحجم الكافي لشرح الاختلال في المادة الذي نراه اليوم.

منذ ذلك الحين، علّق عدد من الفيزيائيين آمالهم في حدوث انتهاك تناظر CP هام على فئات الجسيمات الأخرى- مثل تلك التي تحتوي على الإلكترونات النيوترينوات.

يقول بيغنيل: «إحدى الطرق التي يمكننا من خلالها استنتاج وجود انتهاكات CP في هذا النظام هي قياس أنماط تذبذب النيوترينو ومضادات النيوترينو» أي أنها ستختلف إذا تم انتهاك CP، وهذا ما حدث في مرصد T2K.

قام الباحثون في مرصد سوبر كاميوكاندي للجسيمات بقياس هذه التذبذبات في النيوترينوات حتى بعد أن قطعت الجسيمات من مجمع البحوث الياباني لتسريع البروتونات الياباني ما يقارب ال300 کیلومتر، ثم تم مقارنة نتائج تسع سنوات مع النماذج التي تصف كيف يجب أن تتغير الجسيمات خلال تلك المسافة.

كمية البيانات من هذه الدراسة تجعلنا متأكدين أكثر من أي وقت مضى بأن کسر هذا التماثل المهم هو سبب النمط الملحوظ في تأرجح صفات النيوترينو.

يقول بيغنيل «تمثل هذه الورقة من تجربة T2K إنجازًا تقنيًا استثنائيًا وتقدم مساهمة مهمة في هذا الموضوع».

مع هذا، ما زلنا بعيدين عن إجابة نهائية لتساؤلنا عن سبب وجود المادة كما هي، وسنحتاج إلى انتظار التجارب المستقبلية لتحديد ما إذا كان انتهاك الCP كافٍ لتفسيره، لكن إذا لم يكن الأمر كذلك، فقد نحتاج إلى فيزياء جديدة تمامًا.

المصادر: 1