خائف من الحُقن؟ ربما تود إلقاء اللوم على جيناتك

قد يتوجب عليك شُكر اقربائك على بعض المخاوف المعينة.

وبينما كان الطلاب يرتقبون من مقاعدهم بهدوء، اعتليتُ المنصةُ، وانا احارب موجات الذعر سراً، في حين ان الدوار جعلني في دوامة واحسست بمغس في معدتي. بطريقة ما، لا تزال الكلمات تخرج من فمي – الكلمات التي كانت جزءًا من محاضرتي عن اللقاحات. بصفتي مدرسًا في الكتابة الصحية والعلوم الجامعية، فأني اناقش اللقاحات في كل فصل دراسي في محاولة لكشف مغالطةٍ في أنها تسبب التوحد. ولكن على الرغم من خطاباتي المتكررة حول هذا الموضوع، إلا أن الذعر لا مفر منه كتلك التي احاربها حالياً في الفصل الدراسي.

انظر، ترتبط اللقاحات بالإبر. كنت أعاني من رهاب الحقنة منذ الطفولة. حتى التفكير فيها يأخذني إلى جحيم خاص داخل عقلي، في حين أن جسدي يفسح المجال لأعراض كخفقان القلب وحتى الإغماء.

بقيت سنوات اقاوم ردود أفعالي الشديدة أتساءل: من أين أتى رهابي؟ وهل يمكنني أن أقضي عليه؟

جذور الخوف

في العام الماضي كان حوالي 9 بالمائة من البالغين في الولايات المتحدة يعيشون مع رهاب معين، مثلي تماماً. وهذا يشمل بعض أفراد أسرتي: تُعاني أختي من رهاب الحقنة، وتخشى والدتي الأطباء والمستشفيات والفحوصات الطبية. جاء خوف والدتي جنبًا إلى جنب مع عدم ثقتها في الطب وإيمانها في العلاجات البديلة مثل الأعشاب وعلم المنعكسات (reflexology).

لقد تجادلنا مرات لا تحصى حول نصيحتها لعلاج أمراضي، كارتجاع الأحماض، عن طريق التهام بذور الخردل أو الضغط على الجزء الاسفل من قدمي.

رغم أني قد تمردتُ على هذه المعتقدات، إلا أن المخاوف العائلية استمرت وبشدة – لدرجة أنني فكرت كثيرًا فيما إذا كان رهابي قد يكون وراثيًا بالفعل.

كاميرون راندال، وهو طبيب نفساني سريري في كلية طب الأسنان بجامعة واشنطن في سياتل، كان لديه تأملات مشابهة لجذور الرهاب. لقد بحث في أسباب رهاب الأسنان، أو الخوف من طبيب الأسنان، ونشر في عام 2016 دراسة عن الحالة في مركز طب الأسنان والأوبئة عن طريق الفم. فحص راندال وفريقه أكثر من 1300 شخص شاركوا أيضًا مع أفراد أسرهم في الدراسة.

أجرى المتطوعون مسح لتقييم خوفهم من الأسنان وخوفهم من الألم. كما أخذ الباحثون وحلّلوا عينات من الحمض النووي للمشاركين. في النهاية، وجدوا ان 30 في المائة من المسؤولية عن رهاب الأسنان تقع على عاتق الجينات. (وفي الوقت نفسه، اثبتت نفس الدراسة أن 34 في المائة من الخوف من الألم يمكن أن يكون مرتبطًا بالوراثة.) وتوصل المؤلفون إلى أن الـ 70 في المائة الأخرى مرتبطة على الأرجح بالتجارب السلبية للمشاركين، وخصوصاً أدوات الحفر المؤلمة.

يقول راندال:

حقًا إنها حالة من الطبيعة والتربية.

لكن الدرجة التي يمكن أن ترث بها الرهاب تختلف اختلافًا كبيراً، مُعتمدةً على الخوف. في تحليل اُجري عام 2013 للبحوث السابقة، المنشور في مجلة اضطرابات القلق (anxiety disorders، سعى العلماء إلى تحديد مقدار الجينات التي يمكن أن تؤثر على الرهاب.

وبعد مراجعة عشرات الأوراق ذات الصلة، استنتج المؤلفون أن تأثير علم الوراثة يمكن أن يتراوح بين 0 و71 في المائة. تميل المخاوف من حالات معينة، مثل البقاء مُعلقاً في المصعد، إلى تفسيرها من خلال الأحداث ذات الصلة الماضية، وليس عن طريق علم الوراثة. من ناحية أخرى، يمكن أن تكون المخاوف من الدم والجرح والحقن تصل إلى 71 في المائة، مرتبطة أكثر بالوراثة وأقل منها بالتجربة.

وبشكل خاص تكون الجذور الوراثية لبعض أنواع الرهاب عميقة. وفقًا لدراسة اُجريت عام 2017 في الإدراك والعاطفة، مثلاً يمكن أن ينشأ رهاب الثقوب- الخوف من مجموعات الأشياء الدائرية مثل فقاعات القهوة أو الثقوب في الإسفنج – من النفور القديم من الأمراض المعدية والطفيليات. عرض الباحثون ما يقرب من 700 شخص على صور تظهر مجموعات من الأشكال الدائرية. فوجِد ان حوالي نصف المشاركين يعانون رهاب الثقوب (التريبوفيا)، في حين أفاد الاخرون أنهم لا يعانونه.

وأظهرت بعض الصور طفح جلدي أو مجموعات القراد، في حين ركز البعض الآخر على مجموعات من العناصر غير المتعلقة بالمرض أو الطفيليات، مثل الثقوب المحفورة في جدار من القرميد. ووجدت كلتا المجموعتين من الناس أن المجموعات المرتبطة بالمرض والطفيليات مُزعجة. ومع ذلك، فإن أولئك الذين ينتمون إلى مجموعة رهاب الثقوب هم أيضًا الذين رفضوا مجموعة الصور الأخرى. وفي الوقت نفسه، قد ركزت أبحاث أخرى كيف يمكن للتربية تشكيل مخاوف معينة. في دراسة نُشرت عام 2016 في مجلة Pain، وجد المؤلفون أن لسلوك الوالدين أثناء تلقيح أطفالهم الصغار أثر على إمكانية إصابة الأطفال بالخوف ما قبل التلقيح. على سبيل المثال، يبدو أن تكرار عبارة “لا بأس، لا بأس” يزيد المهم.

تقول مؤلفة الدراسة الكبرى ريبيكا بيلاي ريدل: “ما نفترضه هو أنه كلما قال أحد الوالدين ذلك، كلما كان قلقًا أكثر، لذلك هم ينقلون قلقهم بالقول مرارًا وتكرارًا”.

على الرغم من أن أيام طفولتي المبكرة غامضة بعض الشيء، إلا أنني أتذكر إحساس أمي بالمخاوف عندما كُنا نذهب لأخذ حُقنتي. جعلتني هذه الذكرى أتساءل عما إذا كانت مخاوف الوالدين يمكن أن تثير الرهاب لدى الأطفال. تقول بيلاي ريدل، عالمة النفس السريري في جامعة يورك في أونتاريو، كندا: “تماماً وبدون شك”. “يسمون هذا الإشراط غير المباشر. لذا فإن مشاهدة أحد الوالدين هي إحدى طرق تعلم الرهاب.”

لا تخَف

في حين أن نوبات الإغماء العرضية تسبب مصدر إزعاج قليلاً، إلا أن الرهاب الآخر يمكن أن يلحق الضرر بالصحة والعمل والعلاقات. على سبيل المثال، يرفض بعض الناس الخضوع لعلاجات منقذة للحياة بسبب خوفهم من الحقن. غالبًا ما ينتهي الأمر بالذي يتجنب طبيب الاسنان لسنوات لأنه يعاني من رهاب الأسنان بكثرة التسوس. أولئك الذين يخشون الطيران قد يفوتون اجتماعات العمل المهمة والتجمعات العائلية في اماكن بعيدة.

هذا هو السبب في أهمية التغلب على هذه المخاوف، وهو ممكن. التعرض للعلاج، حيث يواجه المرضى محفزاتهم تدريجياً، إلى تحقيق نتائج جيدة. في الواقع، يقول راندال، إنه النوع الأكثر فعالية من العلاج للعديد من أنواع معينة من الرهاب، مثل الخوف من المصاعد. وقد شهد الباحثون أيضًا نجاحًا في معالجة الرهاب من خلال وسائل أقل مباشرة.

في دراسة نُشرت عام 2018 في مجلةThe Lancet، ساعد العلاج بسيناريوهات الواقع الافتراضي التي تحاكي مستويات مختلفة للتخفيف من مخاوف المشاركين من المرتفعات. ووجدت دراسة نُشرت في عام 2017 في الاكتئاب والقلق أنه في الأشخاص الذين يعانون من رهاب الأسنان، فإن تمارين القلب قبل إجراءات الأسنان ساعدت على تقليل قلقهم.

ومع ذلك، تساءلت عما إذا كانت هناك طريقة أسهل للتعامل مع أعراض الرهاب لدي. أشارت بعض الأبحاث التي توصلت إليها إلى أن التشتيت البسيط قد يُجدي نفعاً. عندما سألت راندال عن ذلك، وافقني الرأي، ووصفها بأنها استراتيجية قابلة للتطبيق.

لذا، في اختبار الدم الأخير، وضعت هذا النهج موضع التنفيذ. بدون حماس وبعد ان وطئت قدميَ عيادة الطبيب، اعترفت برهابتي للممرضة على الفور. ثم تحالفنا لخداع العدو. قمت بمشاهدة صور قطتي المحبوبة على هاتفي بينما كانت الممرضة تشغلني بأسئلة حول “بنات” القطط الثلاث.

ما زلت أتأوه وأئن وأصاب بالذعر كالمعتاد. لكن هذه المرة لم أفقد الوعي. ساعد إبعاد ذهني عن الخوف جسدي على التعامل مع الموقف. في حين أنني ربما لم أكن قد هزمت رهابي بالكامل، على الأقل لقد روضته.

المصادر: 1