الجسد الأبوي والدماغ الأبوي: ما هي التغيرات التي تطرأ على دماغ الرجل حين يصبح أباً؟

تُعزز تجربة الترابط من خلال بعض التغيرات العصبية الهامة

  • تنخفض مستويات هرمون التستوستيرون والكورتيزول لدى الرجل في الأيام والأسابيع الأولى من الأبوة، وترتفع مستويات الأوكسيتوسين، والإستروجين، والبرولاكتين، ما يعزز تجربة الترابط الهامة بين الأب وطفله حديث الولادة.
  • واحدة من أهم التغييرات التي لاحظها العلماء في دماغ الفئران التي أصبحت آباء حديثاً هي تكوين الخلايا العصبية (وهي عملية تشكيل خلايا عصبية جديدة في الدماغ)، والتي ترتبط ارتباطاً مباشراً بالوقت الذي يقضونه مع صغارهم حديثي الولادة على مقربة منهم.
  • وكما يفعل الذكور من البشر أيضاً، إذ يضخمون أدمغتهم بزيادة المادة الرمادية والبيضاء في مناطق متعلقة بالترابط، والرعاية، والتعاطف.

ماذا يحدث في دماغ الرجل عندما يصبح أباً؟

لا يرافق دخول الرجل مرحلة الأبوة نفس التغيرات الهرمونية، والجسدية، والعاطفية التي تمر بها المرأة طيلة فترة الحمل، والولادة، والأمومة… لكن التغييرات التي تحدث في دماغ الذكر نتيجة الأبوة لا تقل أهميةً عنها.

في الواقع، درس الباحثون مؤخراً العلاقة بين الأب وطفله حديث الولادة، وظهرت العديد من الدراسات التي بينت أن دماغ الرجل يخضع لعدة تغييرات في الأسابيع الأولى من الأبوة.

الأداء العالي في شبكة “المعالجة العاطفية” في الدماغ.

في دراسة أجريت عام 2014، قارن الباحثون بين نشاط الدماغ عند 89 شخصاً من الآباء والأمهات الجدد وهم يشاهدون مقاطع فيديو لأطفالهم. اختبرت هذه الدراسة الأمهات (اللاتي كنّ في هذه الحالة مقدمات الرعاية الأولية)، والآباء الذين عملوا خارج المنزل ولكنهم قدموا المساعدة في كثير من الأحيان في رعاية الأطفال، والآباء المثليين الذين قاموا بتربية طفل دون مساعدة أنثى.

وجد الباحثون في المجموعات الثلاث، أن شبكات الدماغ المرتبطة بالمعالجة العاطفية والفهم الاجتماعي كانت شديدة النشاط. كما بينت واحدة من أهم الملاحظات في هذه الدراسة أن الآباء الذين ربّوا طفلاً دون مساعدة أنثى أظهروا إشارات معالجة عاطفية في أدمغتهم مطابقة تقريباً لما أظهرته الأمهات المقدمات للرعاية.

ينخفض مستوى هرمون التستوستيرون، ويرتفع مستوى الإستروجين مسبباً تأثيراً مفاجئاً…

أجرت عالمة النفس إليزابيث غولد (وزملائها من جامعة برنستون) سلسلة من الدراسات التي تظهر وجود زيادة في مستوى هرمون الإستروجين، والأوكسيتوسين، والبرولاكتين، والهرمون القشري السكري في الآباء لدى كل من البشر والحيوانات.

أظهرت العديد من الدراسات (بما فيها هذه الدراسة لعام 2001 التي أجراها قسم علم الأحياء في جامعة كوينز في أونتاريو) أن مستويات هرمون التستوستيرون الذكوري (المعروف بإسم الهرمون الجنسي الذكري) والكورتيزول (هرمون التوتر) تتراجع في الأسابيع الأولى من الأبوة.

ويعتبر الإستروجين هرمون الجنس الأنثوي، يؤدي الإستراديول (وهو الشكل السائد للإستروجين)، دوراً هاماً في سلوكيات الرعاية والوظيفة الجنسية الذكرية. عندما يتواجد هذا الشكل من الإستروجين في جسم الذكر، فإنه يعزز زيادة سلوكيات الرعاية لدى الأب.

يرتفع مستوى البرولاكتين (والذي يطلق عليه “هرمون الأمهات”، لكونه يفرز في جسم الأنثى ليعزز عملية الرضاعة) أيضاً لدى الآباء الحديثين. ووفقاً لدراسة أجريت عام 2002، يرتبط انخفاض مستوى التستوستيرون وإرتفاع مستوى البرولاكتين في دماغ الذكور بالاستجابات العاطفية للآباء الحديثين عند سماعهم لبكاء أطفالهم الرضع.

يرتفع مستوى الأوكسيتوسين لدى الأمهات، والآباء، والأطفال حديثي الولادة – ما يعزز الترابط والتعاطف داخل الوحدة العائلية بأكملها.

ويرتفع مستوى هرمون الأوكسيتوسين أيضاً، الذي يعرف بإسم “هرمون الحب”، في جسم الذكر بعد ولادة الطفل. أثبتت زيادة هذا الهرمون تعزيزه للترابط، والتعاطف، وحب الغير لدى الأب الحديث.

أثبتت دراسة أجريت عام 2012 والتي تضمنت استنشاق الآباء للأوكسيتوسين (والتي أعقبها إرتفاع في مستواه في مجرى الدم لديهم) أن الآباء الحديثين الذين خضعوا لهذه التغييرات في مستويات الهرمون كانوا أكثر تفاعلاً مع أطفالهم حديثي الولادة.

كما إستنتج الباحثون أيضاً أن هذا الارتفاع في مستوى الأوكسيتوسين له تأثير على المواليد الجدد – فقد ارتفعت المستويات لديهم أيضاً.


تشكل أدمغة الفئران الذين أصبحوا آباء مؤخراً، خلايا عصبية تساعد على تحسين ذاكرتهم والإحساس بالمكان.

أحد أهم التغيرات التي لاحظها العلماء في دماغ فأر أصبح أباً حديثاً هي تكوين الخلايا العصبية (وهي عملية تشكيل خلايا عصبية جديدة في الدماغ)، أثبتت هذه الخلايا العصبية الجديدة المكونة ارتباطها المباشر بالوقت الذي يقضونه مع الفئران الصغيرة حديثة الولادة على مقربة منهم.

في دراسة أجريت عام 2010، حدث تكوين الخلايا العصبية لدى الفئران الذكور في الأيام القليلة التالية لولادة صغارها. لكن هذه الزيادة الإضافية لخلايا الدماغ حدثت فقط لدى الفئران الذكور التي بقيت في المسكن، أما الفئران التي أُزيلت يوم ولادة صغارها، فلم تطرأ عليها أي تغيرات عصبية جديدة.

كما لم تظهر أي خلايا عصبية إضافية عندما سمح الباحثون للأب بأن يكون قريباً من صغيره لكن دون حدوث اتصال جسدي (أي وضع حاجز شبكي بينهما)، ما أثبت أن الأب يجب أن يكون حاضراً جسدياً في المسكن وأن يتفاعل مع صغيره حتى يمر بتجربة تكوين خلايا عصبية جديدة. يمكنك قراءة المزيد عن هذه التجربة المثيرة للاهتمام في مجلة Scientific American.

توجد إحدى مجموعات خلايا الدماغ المتكونة والجديدة في “البصلة الشمية”، والتي تكون مسؤولة عن كيفية معالجة الروائح المختلفة، تُضبَط هذه الخلايا العصبية الجديدة على وجه التحديد لتمييز رائحة الفئران المولودة حديثاً.

بينما نمت مجموعة أخرى من خلايا الدماغ في الحصين، وهو جزء من الجهاز الحوفي في أدمغتنا وله دور في الذاكرة والإحساس بالمواقع.

أيضاً تزيد الأبوة من المادة الرمادية والبيضاء في المناطق التي تؤثر على الترابط في الدماغ.

أُجرى عالم الأعصاب التنموي الدكتور بيليونج كيم دراسة عام 2014 في جامعة دنفر، فحص من خلالها 16 أباً حديثاً، مرةً خلال الأسابيع 2-4 من الأبوة ومرة أخرى خلال الأسابيع 12-16.

كشفت هذه الدراسة أن التغييرات لا تنحصر فقط في الهرمونات، بل تشمل تغييرات فيزيائية لدماغ الذكور خلال الأشهر الأولى من كونهم آباء. أظهرت مناطق معينة (الأجزاء المتعلقة بالترابط، والرعاية، والتعاطف في الدماغ) زيادة في المادة الرمادية والبيضاء في اختبارات لاحقة.

ووفقاً للدكتور كيم، تعكس هذه 《الضخامة》في الدماغ زيادة في المهارات الأبوية لدى الآباء الجدد. يقول الدكتور كيم: 《قد يدعم هذا التغير التشريحي في الدماغ تجربة التعلم التدريجي للآباء على مدى شهور عديدة.》

أنه أمر لا يصدق أن تعرف أنه في دماغ كل والد حديث ومهتم، تُكرس مجموعة خاصة من الخلايا العصبية للأبوة والتي تواجدت بفضل طفله فقط.

المصادر: 1