ماذا نتذكر؟

لمَ الفشل في تذكر كل شيء هو ميزة وليس عيباً في أنظمة الذاكرة؟

الأخبار السيئة اولاً: أغلبنا لا يتذكر كل شيء. لكن هناك جانب مضيء: النسيان هو ميزة، وليس بعيبٍ في أنظمة الذاكرة الخاصة بنا.

إذاً كيف تتمكن أدمغتنا من فرز أيٍ من المعلومات التي نتذكرها وأيها لا؟

الزمن، التكرار، والمشاعر كلها تساهم في ما إذا كانت المعلومات أو الحدث تذكرنا أم لا، والقاعدة الأساسية هنا تكمن بأن الأحداث والمعلومات ذات الأهمية يتم تذكرها.

إن تذكر الأحداث الأخيرة من المرجح أن يكون أكثر أهمية بالنسبة للأداء مقارنةً بأغلب الأمور التي حدثت منذ فترة طويلة: هل ترغب بتذكر أين ركنت سيارتك هذا الصباح، ولكن تذكر المكان الذي ركنت فيه يوم الأربعاء الماضي قد يعمل بصورة عكسية في العثور على سيارتك اليوم.

من المرجح أن الاحداث والمعلومات التي تتكرر مرة بعد أخرى أكثر أهمية من الأحداث التي تحدث مرة واحدة – أنا متأكد بأنكم جميعاً تستطيعون إيجاد طريقكم من مدرستكم المتوسطة أو الإعدادية إلى المنزل الذي عشتم فيه في ذلك الوقت، وبالرغم من إن هذا كان منذ زمنٍ طويل بالنسبة للعديد منا. ونعم، ذلك سبب جدوى دراسة (التكرار). نحن نتذكر أيضاً وبسهولة الأحداث ذات الأهمية العاطفية الكبيرة – ولهذا السبب نتذكر “أين كنا” عندما سمعنا عن أحداث عامة مدمرة وكبرى؛ أو الطاولة المحددة في المطعم حيث تمت خطبتكِ – حتى لو كنتِ قد زرتِ المطعم بصورة كافية لتجلسي في جميع المقاعد في وقتٍ ما. إن العاطفة المرتبطة بالتجربة تعزز تكوين تلك الذاكرة، مما يؤدي إلى ذاكرة يتعذر محوها واستردادها بسهولة والتي تدوم أكثر في المستقبل.

لماذا تعد هذه الانتقائية في الذاكرة مهمة؟ لماذا لا تتذكر كل شيء فحسب؟

هناك بعض الاحتمالات المختلفة التي قد تجعل المرء لا يتذكر كل شيء. أحدها يتلخص ببساطة في مسألة القدرة: هل لدينا عدد كافٍ من الوصلات العصبية في الدماغ لتخزين كل المعلومات من كل يوم؟ لا نعرف.

حتى لو امتلكنا القدرة التخزينية، خزن كل الذكريات غير فعال. إذا كان الغرض من الذاكرة هو توجيه السلوك والسماح بالبقاء، عندها فإن الكثير مما نختبره كل يوم لن يكون ذا أهمية لقدرتنا على العمل في المستقبل. لكن بعض الأحداث ستكون بالغة الأهمية من أجل البقاء. الحداثة، التكرار، والعاطفة تحدد كلها مدى أهمية هذه المعلومة في بيئتنا الحالية. كمثالٍ على ذلك، إذا كنتَ تعلم أين تجد الطعام اللذيذ (ربما مخبز يصنع كرواسان شوكولاتة جيد بشكل خاص في مدينتك)، أنتَ على الأغلب ستتذكر ذلك المكان أكثر من أي مخبز آخر في المدينة.

إذا كنتَ قد تعرضت للسرقة يوماً ما، فمن المرجح أن تتذكر كل من السرقة نفسها وتفاصيل المكان، والأماكن الأخرى التي زرتها كثيرًا. من المحتمل أيضاً أن يكون لديك خوف من هذا المكان، لتجنبه، وتذكر السرقة وشعور الخوف في أماكن مشابهة لذلك المكان. إن السرقة، وربما حتى الكرواسان الاستثنائي، هي تجارب مكثفة ومعقدة، مع العديد من العوامل المختلفة، بما في ذلك الخبرة السابقة، مما يؤثر على سبب تذكر هذا الحدث المحدد.

في المختبر، يتم تذكر القصص والصور التي تثير العاطفة بمزيد من التفصيل ولمدة أطول من القصص أو الصور المماثلة بدون دلالات عاطفية(Cahill & McGaugh, 1995). هذا ينطبق أيضاً على الحيوانات غير البشرية – الأماكن التي يتم فيها التعرض لحدث مؤثر يتم تذكرها بشكل أسرع ولمدة أطول من بيئة مكافئة بدون أحداثٍ مؤثرة. لذا فإن العاطفة لا تساهم فقط في محتوى الذاكرة، ولكن أيضاً فيما إذا كان هنالك شيء يتم تذكره على الإطلاق.

إذا كان التكيف انتقائيًا فيما نتذكره، فهل الأشخاص الذين لديهم “ذكريات أفضل” بطريقة ما هم في وضعٍ غير مؤاتٍ؟

الأفراد الذين لديهم “ذاكرة سيرة ذاتية فائقة (HSAM) Parker et al., 2006; LePort et al., 2012)) يتذكرون كل شيء تقريباً عن الأحداث في حياتهم – ومع ذلك فهم يعيشون حياة طبيعية، ويظهرون معدل ذكاء عادي، ولا يمكن تمييزهم عن الآخرين عبر مجموعة من الوظائف المعرفية الأخرى.

لماذا؟ قد يرجع ذلك لأن أفراد ذاكرة السيرة الذاتية الفائقة لا يظهرون نفس الذاكرة الشديدة لجميع أنواع الذاكرة. بالإضافة إلى ذاكرة السيرة الذاتية (ذكريات واعية عن تجاربك الخاصة)، فإن العديد من الأنواع الأخرى من الذكريات مهمة لتعديل سلوكنا، بما في ذلك ذكريات الحقائق (الذاكرة الدلالية)، والذكريات اللاواعية بما في ذلك العادات (القيادة إلى منزلك القديم أثناء حالة من التشتت)، أو التكيف الترابطي (لماذا نتجنب أكل الفطر إذا مرضنا بعد تناوله عندما كنا أطفالاً، حتى لو لم نتذكر الحادثة بوعي.) قد يكون سبب ذلك أيضاً لأن أفراد ذاكرة السيرة الذاتية الفائقة لا يتذكرون ما حدث فحسب، بل أيضاً أين وقعت تلك الأحداث، فمن غير المرجح أن يكون لديهم تداخل في ذكرى مكان وقوف السيارة بالأمس مقابل مكانها اليوم. لكننا حقا لا نعرف.

أنا أستطيع، على سبيل المثال، أن أتخيل المشاكل الناشئة عن تذكر كل التفاصيل – كل فطور، كل جدال، كل حدثٍ سياسي قرأت عنه – كل يوم من حياتي.

ماذا لو أخطأ المخ؟

بالطبع، إذا كان بإمكان الدماغ فعل شيءٍ ما، فقد يحدث خطأ أيضاً، وهذا ليس إستثناءاً: كيف يمكن أن تخترق تجاربنا شفرات رموز المعلومات “المهمة” أو تعطلها. على سبيل المثال، يُعتقد على نطاق واسع أن المخدرات تستحوذ على الدماغ من أجل المتعة والمكافأة التي يتم تنتج عادةً من الطعام أو الجنس؛ وبهذه الطريقة، يتسببون أيضاً في ذكريات أقوى للأشخاص والأماكن والأشياء المرتبطة بالمخدر، مما يساهم بدوره في تعاطي المخدرات والعودة إلى تعاطيها مما يؤدي الى الإدمان. وتساهم العواطف القوية أثناء الصدمة في ذكريات قوية طويلة الأمد ومتداخلة والتي تشكل أحد مكونات اضطراب ما بعد الصدمة.

والآن نأتي إلى الخبر السار: بالنسبة لمعظمنا، الفشل في تخزين الذاكرة أو النسيان بمرور الوقت (موضوع ليوم آخر) ليس لأن لدينا “ذاكرة سيئة”؛ بل على العكس من ذلك فإن هذه الانتقائية فيما نتذكره هيَ مرشح للكميات الضخمة من المعلومات التي نواجهها كل يوم. من خلال تحديد معلومات مهمة بناءاً على الإثارة العاطفية، ومن بين أمور أخرى، يعني أننا في بعض الأحيان “ننسى” المعلومات التي نرغب بتذكرها، ولكن الأهم من ذلك أننا نستطيع استخدام المعلومات التي نحتفظ بها للعمل بكفاءة والنجاة في بيئتنا الحالية.

المصادر: 1