عاجلاً أم آجلاً جميعنا سنواجه الموت، فهل يفيدنا الشعور بالمعنى؟

في هذا المقال يتكلم وارن وارد أستاذ علم النفس في جامعة كوينزلاند ومؤلف الكتاب الذي سيصدر في عام 2021 بعنوان “عشاق الفلسفة” عن أهمية وجود معنىً لحياتك، وكيف أن التفكير في الزوال الحتمي يساعدك على تقدير الوجود الوقتي.

اعتاد صديقي جيسون على السخرية بقوله “على الرغم من التقدم الطبي الذي أحرزناه، بقيت نسبة الوفاة ثابتة، وفاة واحدة لكل شخص”.

درستُ وجايسون الطب معًا في الثمانينيات برفقة من كانوا معنا في الجامعة، أمضينا ست سنوات طوال في حفظ كل علّةٍ قد تصيب جسم الأنسان، واجتهدنا في دراسة كتاب يسمى الأساس المرضي للأمراض (Pathologic Basis of Disease) الذي يصف بالتفصيل كل مرض قد يصيب الإنسان، لذا ليس مستغربًا أن يصاب طلاب الطب بالوسواس المرضي، فيعزون كل ورم وطفح جلدي أو أي عرض يجدونه على أنفسهم إلى أمراض مستعصية.

نبهني تكرار جايسون الدائم لمقولته الى أن الموت (والمرض) لجانبان من جوانب الحياة التي لا مفر منها. مع ذلك، يبدو أننا قد وضعنا إنكاراً وهمياً لهذا في الغرب، إذ ننفق المليارات من أجل إطالة أعمارنا من خلال التدخلات الطبية والجراحية المتزايدة والمكلفة، التي غالبًا ما تأخذ حيزًا في آخر سنين حياتنا حين نمرض ونشيخ. من منظور الصورة الأكبر، يبدو هذا الأمر هدراً لأموال الصحة الثمينة.

لا تخطئوا فهمي، إذا أُصبتُ بالسرطان أو أمراض القلب أو أي من الأمراض المهددة للحياة التي لا تعد ولا تحصى والتي تعلمت عنها في الطب، حتمًا سأريد كل العلاجات الباهظة وغير المجدية التي بإمكاني الحصول عليها فأنا أقدر حياتي. حقيقةً، مثل معظم البشر أقدر بقائي على قيد الحياة واعتبرها أثمن من كل شيء آخر تقريبًا. لكن أيضًا، مثل معظمهم أنا أميل إلى عدم الشعور بقيمة حياتي ما لم أواجه احتمالاً وشيكًا بإن تُسلب مني.

لي صديق قديم آخر اسمه روس، كان يدرس الفلسفة عندما كنت أدرس الطب. كتب آنذاك مقالة بعنوان ” الموت معلّم” تركت تأثيرًا عميقًا في نفسي. حيث قالت إن أفضل شيء يمكننا القيام به لنقدر الحياة هو أن نبقي فكرة حتمية الموت في مقدمة أذهاننا دائمًا.

عندما أجرت بروني وير، وهي ممرضة أسترالية تقدم الرعاية التلطيفية، مقابلات مع عشرات الأشخاص في الأسابيع 12 الأخيرة من حياتهم، سألتهم عن أكثر ما ندموا عليه. ونُشرت الأجوبة الأكثر تكرارٍا في كتابها ” الأماني الخمس الأولى للمحتضرين (2011)” والتي كانت:

  1. أتمنى لو أنني امتلكت الشجاعة لأعيش حياة توافق حقيقة ذاتي، وليس الحياة التي توقعها مني الآخرون.
  2. أتمنى لو أنني لم اعمل بشكل مجهد.
  3. أتمنى لو كانت لدي الشجاعة للتعبير عن مشاعري.
  4. أتمنى لو أنني بقيت على تواصل مع أصدقائي.
  5. أتمنى لو أنني سمحت لنفسي أن أكون أكثر سعادة.

كانت العلاقة بين إدراك الموت وعيش حياة حافلة محور اهتمام الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، الذي ألهم عمله جان بول سارتر والمفكرين الوجوديين الآخرين. أعرب هايدغر عن أسفه إزاء كثير من الناس الذين يضيعون حياتهم بالمشي مع “القطيع” بدل أن يكونوا صادقين مع أنفسهم. وكافح هايدغر بالفعل ليعيش وفقاً لقيمه، في عام 1933 انضم إلى الحزب النازي، على أمل أن يعزز مسيرته المهنية.

على الرغم من عيوبه، إلا أن أفكار هايدجر استمرت في التأثير على مجموعة واسعة من الفلاسفة، والفنانين، واللاهوتيين والمفكرين الآخرين. آمن هايدجر أن مفهوم أرسطو للكينونة- والذي استمر تأثيره في الفكر الغربي لأكثر من 2000 عام، كما قام بدور مهم في تطوير التفكير العلمي- يشوبه عيب في المستوى الجوهري. ففي حين رأى أرسطو أن كل الوجود، بما فيه البشر، أشياء يمكن تصنيفها وتحليلها لزيادة فهمنا للعالم، قال هايدجر في كتاب “الوجود والزمان (1927) أنه قبل أن نبدأ في تصنيف الوجود، يجب علينا أولاً طرح سؤال: “من أو ماذا يفعل كل هذا التساؤل؟”

أشار هايدجر إلى أننا نحن الذين نطرح أسئلة عن الوجود، نختلف نوعياً عن باقي ما في الوجود من صخور، ومحيطات، وأشجار، وطيور، وحشرات وما نتساءل بشأنها. كما اخترع كلمة خاصة لهذا الكائن الذي يسأل ويشاهد ويهتم، أطلق عليه Dasein، والذي يترجم تقريبيًا الى “الموجود”. صاغ مصطلح Dasein لأنه اعتقد أننا أصبحنا منيعين ضد كلمات مثل “شخص” و “إنسان”، وفقدنا إحساسنا بالتساؤل حول وعينا.

لا تزال فلسفة هايدجر إلى الآن تجذب الكثيرين الذين يرون كيف يكافح العلم ليشرح تجربة كونهم أشخاص ذوي أخلاق وذوي اهتمام يدركون أن حياتهم الثمينة، والغامضة، والجميلة ستنتهي يوماً ما. وفقاً لهايدجر، هذا الوعي بزوالنا الحتمي يجعلنا، على عكس الصخور والأشجار، أكثر رغبة لجعل حياتنا جديرة بالاهتمام، لإعطائها معنى وهدف وقيمة.

بينما ترى العلوم الطبية الغربية، والتي ارتكزت على التفكير الأرسطي، أن جسم الإنسان هو شيء مادي يمكن فهمه من خلال فحصه وتقسيمه إلى أجزاءه المكونة له مثل أي قطعة أخرى من المادة، فإن علم الوجود لهايدجر يضع الخبرة البشرية في مركز فهمنا للعالم.

قبل عشر سنوات، تم تشخيصي بسرطان الجلد. وكطبيب، عرفت كم مدى قوة هذا السرطان وسرعته القاتلة. لحسن حظي، يبدو أن الجراحة حققت شفاءً (اطرق الخشب). أي بمعنى آخر كنتُ محظوظاً. وأدركت، بطريقة لم تسبق لي من قبل، أنني سأموت- إن لم يكن بسرطان الجلد، فستكون بطريقة أخرى- وفي النهاية، أصبحت أكثر سعادة منذ ذلك الحين.

بالنسبة لي، هذا الإدراك، هذا القبول، هذا الوعي بأنني سأموت يومًا ما مهم لوجودي بنفس اهمية جميع التطورات الطبية، لأنه يذكرني بأن أعيش حياتي بأقصى طاقتي كل يوم. لا أريد أن أمر بدواعي الندم مثل ذلك الذي سمعته وير أكثر من أي شخص آخر بعدم عيش “حياة تتوافق مع حقيقة ذاتي”.

تقدّر معظم التقاليد الفلسفية الشرقية أهمية إدراك الموت من أجل عيش حياة هنية. كتاب الموتى التبتي، على سبيل المثال، هو نص رئيسي للثقافة التبتية. يقضي التبتيون الكثير من أوقاتهم متكيفين مع فكرة الموت، ما لم يكن كلامهم سفسطة.

أدرك أكبر فيلسوف في الشرق، سيدهارثا غوتاما، المعروف أيضاً ببوذا، أهمية إبقاء النهاية أمام ناظرينا. ورأى أن الرغبة هي سبب كل معاناة، ونصحنا بعدم الانغماس الشديد في الملذات الدنيوية، بل التركيز على أشياء أكثر أهمية مثل حب الآخرين، وتنمية توازن العقل، وعيش الحاضر.

أخر ما قاله بوذا لأتباعه هو: “الزوال ملازم لكل الأشياء المكونة، اعمل على خلاصك بجد”، بصفتي طبيب، أُذكّر كل يوم بمدى هشاشة جسم الإنسان، وكيف أن الموت يحوم حولنا من كل جهة ومدى قربه. وبصفتي طبيب ومعالج نفسي أيضًا، أُذكّر كم يمكن أن تكون الحياة فارغة إن لم نشعر بمعناها أو نمتلك هدفاً. ومن عجيب المفارقات، أن إدراكنا لفنائنا، ومحدوديتنا الثمينة قد يدفعنا للسعي نحو معنى الوجود الذي نتوق إليه- وخلقه إن تطلب الأمر.

المصادر: 1