ميكروبات في الفضاء الخارجي: علم الأحياء الفلكي astrobiology والبحث عن الحياة خارج كوكبنا

هل نحن وحدنا في هذا الكون؟ لقد تكرر هذا السؤال كثيراً على أذهاننا منذ بدء وعي الجنس البشري وإدراكه للطبيعة والكون، وقد يشكل هذا التساؤل الحدود التي تتناهى عندها العلوم المختلفة. في هذا المضمار، يقربنا علم الأحياء الدقيقة microbiology من إيجاد إجابة عن هذا التساؤل. يهدف علم الأحياء الفلكي إلى البحث عن الحياة خارج كوكبنا حيث تتداخل فيه معارفنا في البيولوجيا biology والجيولوجيا geology وعلم الكواكب planetary science بالإضافة إلى علم الأحياء الدقيقة وعلاقتها بدراسة البيئات القاسية extreme environments.

مروراً بالقنوات canals والمحيطات الخارجية exo-ocean

إن المشهد القاحل لجغرافية كوكب المريخ التي أظهرتها مركبة لاندر Lander من برنامج فايكينغ Viking الفضائي لناسا تتعارض بشدة مع المظهر الرومانسي للقنوات التي تعبر سطح الكوكب والتي رصدها برسيفال لول Percival Lowell في أواخر القرن التاسع عشر. فقد تلاشى الاهتمام باستكشاف الكواكب الأخرى بعد أن فشلت المحاولات بإيجاد أي دليل على الحياة على المريخ. أما بعد توقف سباق الفضاء space race بين السوفييت والأمريكيين فقد انخفض معدل الرحلات والأبحاث الفضائية بشكل ملحوظ.

عادت مؤخراً عجلة الأبحاث الفضائية للدوران حيث نشهد حالياً موجة جديدة من مهمات استكشاف الفضاء space exploration missions وخصوصاً في بضع السنوات الأخيرة، واستؤنفت الأبحاث حول وجود الحياة خارج الأرض ضمن المجموعة الشمسية. من ناحية قد توصلنا إلى فهم أكبر لأشكال الحياة المتنوعة على كوكبنا في بيئاته المختلفة، ومن ناحية أخرى زادت معلوماتنا حول الظروف الفيزيائية والكيميائية على الكواكب والأقمار المرتبطة بمجموعتنا الشمسية.

من المعلوم أهمية الماء لوجود الحياة، فهي مادة أساسية في جميع الكائنات الحية، وربما كان اكتشاف وجود الماء في حالته السائلة على سطح المريخ من أهم ما توصل إليه علماء ناسا NASA عام 2018، وسبق ذلك استكشاف عدد من الأقمار التي تحتوي على الجليد خارج المجموعة الشمسية والتي تبين أنها تحتوي على محيطات ذات مياه مالحة مالحة أكبر حتى من المحيطات الأرضية [2,3]. فيُعتقد بوجود نشاط حراري-مائي hydrothermal في كلّ من انسيلدس Enceladus أحد أقمار كوكب زحل وفي يوروبا Europa أصغر أقمار كوكب المشتري بعد ملاحظة ما يشبه ينابيع مياه حارة geyser تقذف بمياه البحر من سطحي هذين القمرين نحو الفضاء الخارجي، مما سيدفع بالمزيد من عمليات الدراسة والرصد لهذين القمرين [4,5].

مواقع مشابهة على كوكب الأرض

على الرغم من التقدم العلمي والتقني الحالي والاهتمام المتزايد بإحضار عينات من مختلف كواكب وأقمار المجموعة الشمسية لدراستها وإدراك مكوناتها الكيميائية، إلا أننا مازلنا بعيدين فعلاً عن إيجاد مواقع مشابهة لكوكبنا. فحتى وقتنا هذا مازال البحث عن وجود حياة خارج كوكبنا مرهون بما نعرفه عن إمكانية وجودها في مجال ما نعرفه ضمن كوكبنا، أي بيئات مشابهة للتكوين الكيميائي والفيزيائي للصحارى والبحار والبراكين والمناطق القطبية وغيرها من البيئات التي تتواجد فيها مختلف أشكال الحياة.

إن البحث عن أشكال الحياة متعلق بما نعرفه حول مختلف أنواع الأحياء الدقيقة المتواجدة في بيئات الأرض المختلفة، لا سيما في البيئات القاسية. ومما يثير الاهتمام أن البيئات القاسية المتواجدة على سطح القمرين المذكورين أعلاه لا تختلف كثيراً عن بيئاتٍ على سطح كوكبنا ممتلئة بالميكروبات التي تسمى بأليفات الظروف القاسية extremophiles منها: أليفات درجات حرارة القاسية thermophiles وأليفات درجات حموضة المرتفعة acidophiles وأليفات درجات القلوية المرتفعة alkalophiles وأليفات درجات الملوحة المرتفعة halophiles وأليفات الضغوط الجوية المرتفعة barophiles وتلك المقاومة للإشعاعات المؤينة radioresistant وحتى تلك القادرة على النمو في أوساط قليلة المواد الغذائية oligotroph وغيرها الكثير القادر على الحياة ضمن ظروف نراها نحن البشر صعبة بالنسبة لشكل حياة كائن متعدد الخلايا multicellular organism ولكنها ممكنة لكائنات وحيدة الخلية [6] unicellular organism.

فالمقارنة بين ظروف كوكبنا البيئية المتعددة والظروف البيئية للكواكب والأقمار المختلفة تسمح لنا باستقراء إمكانية وجود حياة عليها وذلك على أساس ما نعرفه فيما يخص كوكبنا. فالكواكب المشابهة لكوكبنا في المجموعة الشمسية terrestrial analogues هي تلك التي تحتوي على الصحارى والمناطق القطبية والمحيطات.

حماية الكواكب الأخرى من ميكروبات الأرض

يلقى وجود الحياة في أماكن ما من مجموعتنا الشمسية اهتماماً متزايداً خصوصاً في خلال التخطيط لمهمة فضائية جديدة. فبعد ملاحظة تمكن بعض الميكروبات الأرضية من الاستمرار في الحياة والتكاثر إثر التجارب التي تُقام في محطة الفضاء الدولية international space station، فأصبح من الضروري التفكير بعدم تلويث contamination الكواكب بميكروباتنا الأرضية [7]. فقد تُضعِف عملية التلويث هذه قدرتنا على إيجاد حياة في الكواكب الأخرى، فمثلاً قد نتمكن من عزل ميكروب ما من جسم سماوي ما astronomical object ونظن أنه متواجدة أصلاً هناك في حين أنه حقيقةً كان نتيجة تلويث جراء استعمال مسبار فضائي space probe حاملاً أصلاً لذلك الميكروب معطياً ما يسمى بالنتيجة الإيجابية الكاذبة false poitive. كما يذهب بعض العلماء أبعد من ذلك في قضية تلويث الكواكب الأخرى بميكروباتنا الأرضية، فيعتقدون أنه من الممكن لميكروباتنا التكاثر والانتشار في كوكب أو قمر ما وبالتالي القضاء على أي نظام بيئي ecosystem من الممكن تواجده قبل التمكن من اكتشافه. وبالتالي فيجب التفكير مليّاً في هذه النقطة عند التخطيط لإطلاق أي مسبار فضائي مستقبلي لجلب عينات من أجسام سماوية أخرى ووضع فرضية معاكسة وهي حمل هذا المسبار لميكروبات غير أرضية إلى كوكبنا.

تُدعى المناقشة في هذه المواضيع بالحماية الكوكبية planetary protection، إذ يُعتبر هذا الموضوع من الموضوعات النشطة والساخنة حالياً hot topic ما بين وكالات الفضاء والمجموعات البحثية [8].

الدراسات في علم الأحياء الفلكية

يتعلق البحث في علم الأحياء الفلكية بدراسة أليفات البيئات القاسية، وتهتم العديد من الدراسات بحياة الميكروبات خلال الرحلات الفضائية وضمن ظروف مشابهة لكواكب وأقمار المجموعة الشمسية. فهناك مثلاً تجارب عديدة حول تعريض الميكروبات الأرضية لظروف الفضاء الخارجي الفيزيائية والكيميائية أو عبر محاكاة وتقليد هذه الظروف simulation. وبيّنت نتائج هذه التجارب قدرة هذه الميكروبات على البقاء على قيد الحياة واحتمال انتقالها إلى كواكب وأقمار أخرى.

إن عملية البحث عن البصمة الحيوية biosignature مجال هام أيضاً في نطاق علم الأحياء الفلكية، ويمكن وصف هذه العملية بأنها عبارة عن بحث عن بقايا ومؤشرات كيميائية أو أحفورية تدلّ على نشاط حيوي حالي أو ماض على الأرض أو غيرها من الكواكب. ولا يجب أن نستسهل التمييز بين ما هو حيوي biotic وغير حيوي abiotic كما أن حفظ هذه البصمة الحيوية في الطبيعة ليس بالأمر المضمون على المدى الطويل. وتتمحور عملية البحث عن البصمة الحيوية حول دراسة وتحليل عينات التربة والصخور والغازات من الكواكب الأخرى.

علم الفطريات الفلكية astromycology وعلم الفيروسات الفلكية astrovirology

بالإضافة إلى الجهود الرامية لدراسة البكتيريا bacteria والعتائق archaea ضمن نطاق علم الأحياء الفلكية، فزاد التركيز مؤخراً على دراسة الفطريات fungi والفيروسات viruses.

تعرف الكثير من الفطريات بثباتها ومقاومتها لأصعب الظروف البيئية، مشكّلةً بذلك نقمةً أو نعمةً في علم أحياء الفضاء. فمن جهة تعتبر تطبيقات واستخدامات الفطريات هامة جداً في دعم التقانات الحيوية الفضائية space biotechnology المستقبلية. ومن جهة أخرى، السيطرة على انتشار الفطريات أو حتى العفن (وهو نوع من الفطريات) في محطة الفضاء الدولية أمر مقلق ومكلف للغاية نظراً لسرعة انتشارها وتأثيرها السلبي على عدد من المواد.

أما الفيروسات، وكونها كائنات بسيطة جداً بالمقارنة مع غيرها من الأحياء الدقيقة وحيدة الخلية، فهي بذلك تتفوق في مقاومة مختلف الظروف. تفترض بعض الدراسات أسبقية الفيروسات في تشكيلها لأنماط الحياة البدائية لا وبل دورها الرئيس في تشكيل الحياة وتطورها. فقد أُجريت العديد من التجارب على الفيروسات وتم التأكد من قدرتها على مقاومة أشد وأقسى البيئات الأرضية والفضائية. وعلى الرغم من ذلك تنقصنا العديد من الدراسات حول الدور الكامن للفيروسات كمؤشرات حيوية [9].

خاتمة

علم الأحياء الفلكية علم حديث مثير للاهتمام وهو من أحدث فروع علم الأحياء الدقيقة، فما زلنا في بدايات إزالة الستار عن هذه العوالم الجديدة والبدء في عصر مميّز مليء بالاكتشافات والتقدّم.

المصادر: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9