لماذا يواجه الشباب أزمات الصحة العقلية

تحتاج المستويات المرتفعة من القلق، الاكتئاب، والانتحار إلى حلول طارئة!

تظهر الدراسات الحديثة وجود نزعة مثيرة للقلق بين أفراد الجيل Z (أولئك الذين ولدوا بين العامين 1995-2015)، إذ تكون معدلات القلق والاكتئاب والانتحار في هذه المجموعة أعلى بشكل ملحوظ من الأجيال السابقة. على سبيل المثال، أظهرت دراسة أجريت عام 2019 على طلاب الجامعات “ازدياد معدلات القلق، الاكتئاب ومحاولات الانتحار بشكل ملحوظ بين عامي 2007 – 2018، مع تضاعف هذه المعدلات في كثير من الحالات.”

يظهر الارتفاع بهذه المعدلات عند كل من الذكور والإناث، وتكون واضحة بشكل خاص عند الفتيات والشابات. يذكر الكاتب ملاحظته لهذه التغيرات كطبيب متخصص في علاج القلق والاكتئاب، وكأب لثلاثة أطفال من الجيل Z بما فيهم ابنتان.

يرى البعض أن هذه النزعة غير حقيقية ولكنّها تعكس انفتاح هذا الجيل على مشاكل الصحة العقلية. مع ذلك، هناك أدلة واضحة على أن هذه الأرقام تعكس حقيقة مقلقة، ومن الصعب القول بأن هذه المعدلات المتزايدة تتبع لتحيز الإبلاغ الذاتيّ self-reporting biasفقط.

وبحوار أجراه الكاتب مؤخرا مع خبير النفس الاجتماعيّ، الدكتور جوناثان هيدت Dr. Jonathan Haidt تحدث عن كتابه المشترك مع غريغ لوكيانوف Greg Lukianoff “تدليل العقل الأمريكيّ Coddling of the American Mind” الذي ذكر فيه “كيف تعمل النوايا الحسنة والأفكار الرديئة على إنشاء جيل فاشل”.

أكاذيب عظيمة Great Untruths

عانى لوكيانوف في فترة ما من الاكتئاب، وكانت لديه رغبة حقيقية بالانتحار. وتعلم من خلال العلاج السلوكي المعرفيّ cognitive behavioral therapy (CBT) كيف يمكن لبعض طرق التفكير أن تؤهّب للاكتئاب.

على سبيل المثال، قد يعتقد الشخص المكتئب أن مشاعره انعكاس دقيق للواقع- يدعى خطأ التفكير هذا “بالمنطق العاطفيّ “emotional reasoning. ففي حال شعور الشخص بإنه عديم جدوى سيصبح حقا عديم الجدوى. يعتبر العلاج السلوكي المعرفيّ علاج فعال للاكتئاب من خلال مساعدة الأفراد على تحديد طرق التفكير هذه وتغييرها.

لاحظ لوكيانوف أن العديد من طلاب الجامعات من الجيل Z يؤمنون بأفكار تجعلهم أكثر قابلية للاكتئاب والقلق والتي تتعارض مع حكم القدماء. ووفقا لهايدت ” جاءت النسبة الصغيرة من الأفكار من القدماء إلينا من خلال عملية تصفية، حيث أن الأفكار الأفضل، الأكثر رنينا والأكثر فائدة، وصلتنا عبر آلاف السنين”.

شرح عشر من هذه الأفكار العظيمة في كتابه “نظرية السعادة “The Happiness Hypothesis، إذ استشهد بنصيحة الفيلسوف الرواقيّ Stoic Epictetus “لا تسعى إلى حدوث الأحداث كما تريدها، ولكن إلى حدوثها بالطريقة التي تحدث بها، وهكذا ستكون حياتك على ما يرام”. ويذكر هايدت في كتابه ثلاث من الأكاذيب العظيمة التي يبدو أنها تؤهب لمشاكل الصحة النفسية لدى الجيل Z.

  1. أنت هشّ. يؤمن الطلاب أن “مواجهتهم لشيء مسيء وصعب، تجعلهم أضعف” وفقا لهايدت، ويعاكس هذا الاعتقاد، الحقيقة الخالدة في مواجهة تحديات الحياة الواردة في مقولة نيتشة “ما لا يقتلك، يجعلك أقوى”.
  2. إذا كنت تشعر بذلك، يجب أن يكون صحيحا. يقول هايدت إن الطلاب تعلموا أنّه “يجب عليهم دائما الثقة بمشاعرهم”. يتعارض هذا الاعتقاد مع الحكمة التي تقول: أن مشاعرنا هي مصادر غير موثوقة للمعلومات. إن التشكيك في ردود أفعالنا العاطفية هي مهارة لا تقدر بثمن في بحر الحياة وفي علاقاتنا مع الآخرين على وجه التحديد.
  3. الحياة عبارة عن نحن ضدهم هم. يظن هايدت أن الكثير من الطلاب يعتقدون أن الحياة معركة بين الصالحين-أولئك الذين يتفقون معنا-والأشرار-أولئك الذين يخالفون معتقداتنا”. وهذا يعاكس كليا ما علمنا إياه القدماء في الغرب والشرق. على سبيل المثال، اقتبس هايدت ولوكيانوف من كتاب أرخبيل جولاغ لألكسندر سولجينتسين “الخط الذي يفصل بين الخير والشر، يمر عبر كل قلب بشريّ”.

Campus Callout Culture

دفعت هذه المعتقدات الثلاثة مجتمعة، العديد من طلاب الجامعات والكليات النخبوية elite colleges and universities إلى رؤية أنفسهم كأبطال هشين في معاركهم ضدّ الشّرّ. يري هايدت أن هذه المعتقدات لا تدفع الطلاب للاكتئاب فحسب، بل يبدو أنّها تشكل نزعة لدى جميع الطلاب في الحرم الجامعيّ.

عام 2014، بدأت بعض الأمور الغريبة بالحدوث في السكن الجامعيّ، إذ طلب العديد من الطلاب الحماية من الكتب، الكلمات، ومكبرات الصوت. وشكل مكبر الصوت رعب حقيقيّ للطلاب حتى لو لم يكونوا مضطرين للحديث. كان العديد من الطلاب يطالبون بأماكن آمنة تمكنهم من عزل أنفسهم عن الأفكار التي يجدونها مسيئة وأصبحت التحذيرات الزائدة بشأن المواد المزعجة هي المعيار الجديد للحرم الجامعيّ.

يعزو هايدت ردود الأفعال هذه إلى خطأ تفكير يسمى بال “كارثيّ”، إذ يتم تضخيم المشاكل لتبدو أكبر بكثير مما هي عليه. “يبدو الأمر كنكتة لا تجدها أنت مضحكة، وبدلا من أن تكتفي بالقول “ما هذا الغباء” وينتهي الأمر، تصبح هذه النكتة مؤشر لأمر آخر أكبر بكثير مع المطالبة بالعقاب”.

نأتي الآن على ذكر بعض الحلول السهلة والسريعة التي تساعد الجيل Z.

العمل بشكل وثيق مع الجيل Z. يعلم الكثير من الطلاب الضرر الذي تسببه هذه الأكاذيب العظيمة، وهم ليسوا سعداء بذلك ولا بد أن تملك هذه المجموعة المشرقة والمتحمسة من الشباب الكثير لتقديمه في حل المشاكل التي تواجه أبناء جيلهم.

تعزيز الحكمة المختبرة. يمكن أن يؤدي الآباء، المعلمين، والأساتذة دور لا يقدر بثمن في تعليم الشباب الأفكار التي تعزز مفهوم الحضارة وتقدم البشرية، مثل الأفكار الواردة في كتاب “نظرية السعادة”.

الرجوع إلى الفلسفة الرواقية. يمكن لتعاليم الرواقيين على وجه التحديد أن تساعد على مواجهة صعوبات الحياة، بسبب ارتكازها على افتراض أن كل واحد منا مسؤول عن سعادته وراحة باله. تؤسس الفلسفة الرواقية كذلك للعلاج السلوكيّ المعرفيّ. يقتبس هايدت
قول ماركوس أوريليوس “اختر ألا تتأذى، ولن تشعر بالأذى، لا تشعر بالأذى، وسيكون كذلك”. يمكن لهذه الأفكار مواجهة أخطْاء التفكير التي تعزز الهشاشة مثل “السعادة خارجية المصدر، أي إعطاء الكلمة الأخيرة للمصادر الخارجية في تكويننا العاطفيّ”.

تعليم أساليب السلوك المعرفيّ. “يعتبر العلاج السلوكيّ المعرفيّ مفيدا جدا في فهم عدم الاتساق الأخلاقيّ، وهناك وجهة نظر عالمية جديدة أن بعض الطلاب في مدراس النخبة يستخدمونه كخطة اللعب الخاصة بهم”. لذا يوصي هايدت باستخدامه كترياق.

تأخير استخدام الهواتف الذكية ومواقع تواصل الاجتماعيّ. تشير الأبحاث إلى أنّ استخدام مواقع التواصل يشكل خطر كبير على الصحة العقلية. “يعتبر الجيل Z أول جيل استخدم وسائل التواصل في المرحلة الإعداديّة” بحسب هايدت، وهو ما يعتبر أحد القوى الكامنة في نشوء الاكتئاب والقلق لدى الشباب، ويوصي كل من هايدت ولوكيانوف إلى ضرورة الانتظار حتّى يصبح الطلاب أكبر سنّا لتعريفهم على وسائل التواصل.

المصادر: 1