أحقا نملك إرادة حرة، أم نحن مبرمجون مسبقًا؟

البشر هم نوع قابل للبرمجة، ونحن نعيش داخل نظام التشغيل الأقدم على الإطلاق (الإيديولوجية).

الدكتور جوشا باخ:

مثل الوعي، كثيرا ما يُساء فهم حرية الإرادة لأننا نعرف عنها من المراجع فقط إذ من الصعب أن نعرف عن طريق المحتوى ما تعنيه الإرادة الحرة حقا! يعتقد الكثير أن الإرادة الحرة ترتبط بما إذا كان الكون حتميًا أم احتماليًا. ورغم أن للفيزياء رأي آخر حول هذا -والذي يتغير من حين لآخر- فإنه ليس جزءًا من تجربتنا، ولا أعتقد أنه يحدث فارقًا ما إذا كان الكون يجبرك على فعل الأمورعشوائيًا أم بطريقة حتمية.

الأمر الهام بالنسبة لي أن حرية الإرادة هو أن تكون مسئول عن أفعالك، والمسئولية هي واجهة اجتماعية. على سبيل المثال، إذا قيل لي أنني إذا فعلت (أ) سأذهب إلى السجن، فهذا من شأنه أن يغير قراري سواء أكنت سأقوم بالأمر(ا) أم لا، فمن الواضح أنني مسئول عن قرارتي لأنها مسئوليتي بشكل أو آخر. وعلى نحو مماثل، إذا فعلت شيئا يسبب الأذى لأشخاص آخرين، في حين أنهم لا يريدون أن يحدث لهم مثل هذا الضرر، فهذا بإمكانه أن يؤثر على قراري، هذا هو فن اتخاذ القرارات، وهو ما أريد أن أسميه بقرار الإرادة الحرة.

إن الإرادة تتمثل في أن يكون جهازي العصبي على أي مستوى من مستويات أدائه لديه العزم على فعل النوايا المعينة، وملتزم بتحقيق هدف بدروه يستطيع أن يندمج لتسير قصتي الشخصية على مايرام. هذا البروتوكول هو ما اختبرته بنفسي في هذا العالم، وهو ما أطلق عليه تجربة الإرداة. فكلما كان قراري مصنوع عن إرادة، وكلما كانت هذه الإرادة حرة، كلما تأثر هذا القرار أكثر بالنقاش.

لذا، بالنسبة لي، فإن الإرادة الحرة نظرية اجتماعية. وهذا يعني أن هذه الواجهة البينية للتفاعل الإجتماعي، والحوار، والتفكير في الاشياء، حول هذه الواجهة المعرفية واللغة، والفكر النظري ذات صلة بهذه القرارات التي تتخذها. فإذا كان لديك قرار لا تلعب فيه دورا، على سبيل المثال، أنت مدمن على شيء ما ولا يمكنك التوقف عن القيام به حتى ولو أردت، فإن هذا القرار لم ينجم عن إرادة حرة.

نشأت في ألمانيا الشرقية، والتي كانت بدورها دولة شيوعية بشكل أيديولوجي غريب. دولة آمنت بقصص عن الكيفية التي يعمل بها العالم تكاد لا تصدق تماما. من صغري، كنت أجد صعوبة في تصديق تلك القصص حول كيفية عمل العالم، كنت أرى هذه القصص نوع خاص غريب من الأديان، وفجأة كبرت وزال هذا الجدار بشكل لم يفاجئني تماما. ثم دخلنا حلما جديدا، وهو نموذج مشترك جديد للعالم لم يكن صادقا إلى حد كبير، وأدركت أن معظم الناس الآن يقعون في خرافات هذا النموذج الجديد، كان من المثير للاهتمام جدا أن أرى العالم يتحول لمثل هذا، على سبيل المثال، في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن غالبية الأمريكيين لا يؤمنون بنظرية التطور على الرغم من كل الأدلة التي تشير لصدق هذه النظرية.

غالبية الناس على هذا الكوكب متدينين، على رغم من أن هذا لا يمثل دليل جيد لتعدد الآلهة في هذا الكون، في رأيي، إذا كان هناك إله خالق واحد حقا، فمن الصعب بالنسبة لي أن أفهم، لماذا يهتم هذا الخالق بما إذا كنت أعبده أو أعبد كل هذه الأشياء المنسوبة إليه بالدين؟ ولذلك فمن الصعب لي أن أفهم بشكل بديهي، لماذا الناس متدينون، ولماذا الناس ايديولوجيين؟

ولكن في اعتقادي الآن، وعلى مر السنين، أن هذا ليس بخطأ، بل هو سمة من سمات هذا الأمر. البشر هم أنواع قابلة للبرمجة. والأديان والايديولوجيات هي أنظمة تشغيل للمجتمعات. لقد كانت هذه الأفكار موجودة على مر التاريخ، وهذه الفكرة التي ترجح بأننا نستطيع بناء مجتمع يقوم على نظريات عقلانية هي فكرة حديثة جدا وجديدة، وليس من الواضح تماما ما إذا كانت هذه الفكرة ستنجح أم لا.

ولكن من الواضح أننا لا نستطيع بناء مجتمعات تقوم على ايديولوجيات متضاربة في صراع بينها وبين الاخرى. في الماضي، أدى هذا لمواقف حيث الايدلوجية قامت بحل المشكلات بقتل الكافرين والصراع مع من يخالفها، ونحن جميعا نتفق على أن هذا ليس ما نريد أن نكون عليه. نحن نريد مجتمع منفتح، مجتمع تعددي، مسالم، متسامح غير عدواني، ولكن في نفس الوقت مجتمع حيث يستطيع أن يعيش الجميع ويعملوا معا في سلام وتعاون. ولكي نستطيع الاستيقاظ يوما على هذا الحلم الجميل، فإيماننا بأننا لسنا الوحيدون الذين نفكر في هذا الحلم ورؤية جيراننا يؤمنوا به أيضا، لسمة قوية تجعلنا قادرين على بناء مجتمعات واسعة النطاق.

ويتعين علينا أن نفهم أن التعاون بين الناس يصبح غالبا في إطار ما نسميه معضلة السجين، حيث يكون في موقف ليصبح عظيما ويحصل على عقوبة أخف، عليه أن يتحلى بصفات جيدة حتى ولو عن غير إرادته، فعليه أن يتخلى عن أشياء ليحصل على أشياء أخرى في المقابل. وذلك لأنك إن وجدت الجميع لا يبذل جهد ليصبح المجتمع جيد كما تحاول أنت وحدك أن تفعل، فقد تصبح أسوأ حالا من ذي قبل لما تراه من سلبية الجميع حولك. لمعضلة هذا السجين يوجد العديد من الحلول، أسهلهم سمعة المنظومة، أنت تعرف كيف تفعل الجيد ولماذا ومتى، لأنك متأكد أن في النهاية الأشخاص الصالحون لا يحصلون سوى على الجائزة الكبرى التي يتمناها الجميع.

ولكن المشكلة أن سمعة هذه المنظومات ليست بمقياس، فإذا كنت تمتلك عدد كبير من الناس في قبيلتك، عائلتك، قريتك، سجنك، يستحيل أن تتبع في كل موقف من فعل هذا، ولماذا، ومتى وأين. وبالتالي لن تستطيع بدورك أن توثق الأحداث واحدا تلو الآخر في كل مرة لتحصل على الجائزة. ولذا إذا كانت هذه المنظمة تشمل أكثر من مائتي فرد، فيكون من الصعب أن تعمل هذه المنظومة بشكل عادل. وبالتالي إذا لم تكن هناك رقابة، فكيف لك أن تعرف من انشق عن القبيلة وسرق المؤن؟ لذلك ماذا نفعل؟ نحن نحاول تطوير القدرة على أن تكون معيارية: القدرة أو رغبتك في أن تكون صالح، هذه الرغبة في حاجة لاتباع المعايير الداخيلة، هذه الرغبة في أن تخدم المبادئ المقدسة لشيء من المحتمل أن يكون راسخ ومتأصل في جيناتنا الوراثية.

وبالطبع، هذا وحده لن يكون جيدا بما فيه الكفاية لأن الخير هو متجه تعسفي في مفاهيم القيمة. ولأن الناس دوما في حاجة لفعل الخير، فإنهم سيحاولون بكل تأكيد أن يشعروا بالخير في أنفسهم، وسينجح هذا بالتعاطف. فالتعاطف هو الطريقة الأساسية لنقل مشاعر الخير بداخلنا. إذا حاولت أن تمثل دور مسئول، كاهن، نجم غنائي مشهور، سياسي أو أستاذ جامعي، وحاولت أن تقول شيئا معينا مستعينا بالاقناع والنظريات، والناس حولك رأوا أن الآخرين يصدقونك، فبدورهم سيقومون بتصديقك لا محال في نهاية الأمر. ومن الواضح أنه لمن المفيد حقا أن نفعل هذا. فمن الغالب لا يوجد نفع وراء اختلاف الرأي مع رئيسك.

لذلك هذه القدرة التي اكتسبها مجتمعنا، جعلت الناس يؤدون نفس الأشياء، ويتبعون نفس القواعد بغض النظر عن حجم المجموعة. وهذا يجعل من الممكن بناء مجتمعات زراعية بمئات الآلاف من الأشخاص ومن ثم ملايين الاشخاص. وهذا بإمكانه جعل هذه المجتمعات الزراعية تمتلك أشخاص متخصصون في زراعة محاصيل مختلفة، ماركات مختلفة، وأدوات مختلفة، وحرف أخرى يدوية مختلفة وهكذا. وهذا بدوره يخلق مجتمعا زراعيا منتجا للعديد من الأدوات الزراعية والمهام التي نحتاج إليها لكي ندير مجتمع ناجح مختلف بدوره عن المجتمعات البدائية.

ولذلك أعتقد، أن الجنس البشري هو النوع التطوري الأخير المتبقي من صنفنا على الأرض لأننا نافسناهم في البقاء، كنا جميعا في نفس هذه البيئة التنافسية، ولكننا نوعا قابلا للبرمجة تمكننا بفضله من تنسيق عدد أفرادنا الكبير جدا فيها. ولكن تبين أن هذا النمط من العيش التنافسي لا يكفي للعالم الذي نعيش فيه الآن.

لسنوات عديدة، لم يستطع جوشا باخ أن يفهم لماذا يتجه البشر بقوة نحو الدين والايديولوجية، بعد أن نشأ في ألمانيا الشرقية الشيوعية ورأى الناس ينغمسون في التفسيرات القومية -والتي بدت له بكل وضوح غير صادقة- بشكل لا معنى له. وفقط عندما زال الجدار، أدرك أن الناس في كل مكان يشتركون في تفسيرات كاذبة مختلفة – اعتبارا من عام 2015- لا يزال 34٪ من الأمريكيين يرفضون التطور تماما. أدرك باخ آنذاك أن الدافع لتصديق أي تعليمات تأتي من المتنفذين ليس خطأ إدراكيًا، ولكنه سمة تطورية- قوية بقدر ما هي مشكلة- إن قدرة مجموعات كبيرة من الناس على اتباع مجموعة واحدة هي سمة من سمات الجنس البشري التنافسية. يقول باخ: نحن أنواع قابلة للبرمجة، ونحن بحاجة للانتماء لكيان أكبر والالتزام به من أجل البقاء. على هذا النحو، يرى باخ أن الجدل المحيط بالإرادة الحرة ليس مسألة حتمية أو عدم توافق، بل مسألة تكييف اجتماعي، ربما تتعلق الإرادة الحرة بصنع القرار في الفيزياء: أانت حقا حر في التصرف بطريقة صحيحة، أم أنك ملزم بقواعد المسئولية الاجتماعية التي تمتد لألاف السنين في جيناتك الوراثية.

المصادر: 1