متى تبدأ شيخوخة الدماغ؟ قد تفاجئك الإجابة

كم مرة تنسى لماذا دخلت إلى الغرفة أو تجد صعوبة في تذكر كلمة تريد قولها؟ يبدأ العديد من الناس في الانتباه إلى زيادة في مثل هذه “الضربات الدماغية” في عمر الخمسينات وما بعد. ولحسن الحظ، فإن معظم الضربات الدماغية ليست شائعة ولا تعتبر علامة على وجود مشاكل تتعلق بالذاكرة. والجانب الايجابي من هذه الضربات الدماغية هو أنها غالباً ما تعمل على زيادة الوعي بالأداء المعرفي وتعزيز الدافع للمشاركة في السلوكيات الصحية للدماغ.

ولكن تشير الأبحاث المتنامية إلى أننا لا ينبغي أن ننتظر حدوث “الضربات الدماغية” أو غير ذلك من المخاوف المعرفية قبل أن نبدأ في التركيز على الأنشطة الصحية للدماغ. والواقع أنه برغم أن أغلب الأبحاث حول صحة الدماغ أجريت على البالغين في منتصف العمر وأكبر، فإن الأبحاث الجديدة المثيرة تُظهِر أنه حتى صحة الدماغ في منتصف الحياة من الممكن أن تتعزز من خلال المشاركة في أنشطة محددة في العشرينيات والثلاثينات ــ قبل عقود من كون صحة الدماغ على رأس القائمة بالنسبة لمعظم الناس، وقد يرتبط هذا بالنتيجة التي مفادها أن المهارات المعرفية تبدأ في الانحدار فعلياً في أعمار أصغر من المتوقع.

على سبيل المثال، في الاختبارات النفسية العصبية (التي تسمح بقياس القدرات المعرفية وتعقبها بدقة، أو “مهارات التفكير”)، يبدي أغلب الناس بالفعل انحداراً في التصور المكاني والتبرير المكاني بحلول منتصف العشرينات.

وهناك انخفاض في الذاكرة والاستدلال في أوائل الثلاثينات، ويتضح الانخفاض في سرعة معالجة المعلومات في منتصف الثلاثينات. ورغم أن هذه الانحدارات كانت في مستهل الأمر دقيقة، إلا أنها تتراكم وتزداد مع كل عقد يمر، وكثيراً ما تصبح أكثر وضوحاً بعد سن الخمسين، في الوقت الذي تبدأ فيه “الضربات الدماغية” في الظهور للعيان.

ومن المثير للاهتمام أن معدل شيخوخة الدماغ في العشرينات والثلاثينات مرتبط بمعدل الشيخوخة في أنظمة الجسم الأخرى. في دراسة مبتكرة فحصت “سرعة الشيخوخة” لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و38 سنة، أولئك الذين يكبرون بمعدل أسرع عبر العديد من الأجهزة والأنظمة الجسدية (الرئتين والقلب والأسنان والكلى والكبد والمناعة) بالمقارنة مع معدل الشيخوخة الذي تم التنبؤ به زمنياً، أظهرت انحداراً إدراكيا أكبر ومعدل شيخوخة دماغ أعلى حتى في سن 38 عاماً. كما أنهم كانوا يتمتعون بصحة أسوأ ويبدون أكبر سناً من أولئك الذين كانت لديهم وتيرة الشيخوخة أبطأ.

ما هي أنواع الأنشطة التي تظهر في مرحلة بلوغ الشباب للتأثير على صحة الدماغ وعلى الأداء المعرفي في منتصف العمر؟ تتبعت سلسلة من الدراسات المبتكرة أكثر من 3000 شاب بالغ تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة لمدة 25 سنة لمعرفة ذلك. وقد ظهرت عدة نتائج قيمة:

1. إن المهنة التي تشكل تحدياً إدراكياً تعزز من صحة الدماغ في المستقبل.

وقد صنف البالغون الأصغر سناً مدى تعقيدهم المهني على العناصر التالية، باستخدام مقياس من 0 إلى 7 (مع درجات أعلى تشير إلى درجة أعلى من التعقيد الإدراكي المهني):

  • الحكم على صفات الأشياء والناس والخدمات
  • تقييم المعلومات مقابل المعايير
  • معالجة المعلومات
  • تحليل البيانات أو المعلومات
  • اتخاذ القرارات وحل المشكلات
  • التفكير بطريقة إبداعية
  • تحديث المعرفة المتعلقة بالمهمة واستخدامها
  • وضع الأهداف والاستراتيجيات
  • جدولة العمل والأنشطة
  • التنظيم والتخطيط وتحديد الأولويات

وقد كان هؤلاء الذين يتمتعون بأعلى مستويات النشاط الإدراكي المرتبط بالعمل يتمتعون بسرعة معالجة أسرع للمعلومات، ومرونة عقلية أفضل، وصحة بنية الدماغ بعد 25 عاماً. لأن هذا البحث ترابطي ولا يسمح لنا بأن نستنتج بأن الوظيفة التي تتطلب الكثير من الإدراك تتسبب في صحة أفضل للدماغ (على سبيل المثال، من الممكن أن يبدأ البالغون الأصغر سنًا الذين لديهم وظائف أقوى في الدماغ باختيار وظائف أكثر صعوبة من الناحية المعرفية)، وقد أشارت أبحاث أخرى إلى أن الأنشطة المعقدة إدراكيا تعمل على تعزيز صحة أفضل للدماغ بالنسبة للناس عبر مجموعة من المستويات الفكرية. إن التأثير الذي يعزز الدماغ من الأنشطة المعقدة إدراكيا يرتبط على الأرجح بمفهوم الاحتياطي الإدراكي، والذي يفسر أن الأنشطة الصحية للعقل يمكن أن تعزز من وظائف الدماغ في المستقبل في سياق التغيرات الطبيعية المرتبطة بالعمر وحتى في وجود أمراض مثل الزهايمر أو غيره من أنواع الخرف.

2. ما هو جيد للقلب جيد للدماغ.

كان الشباب البالغون الذين يتمتعون بصحة أقوى في مجال القلب والأوعية الدموية ومعدلات أعلى من النشاط البدني في العشرينات والثلاثينات أكثر قوة من أولئك الذين لم يمارسوا عملهم المعرفي بعد 25 عاماً. إن المشاركة في النشاط البدني الذي يجلب لك السعادة تشكل وسيلة عظيمة لزيادة احتمالات تحول الأمر إلى عادة تدوم مدى الحياة لا تعزز صحة الدماغ فحسب، بل وتعزز أيضاً صحة الإنسان ومزاجه ونومه ونوعية حياته.

3. ترتبط المستويات المنخفضة من مشاهدة التلفاز بالأداء المعرفي الأقوى في المستقبل.

إن البالغين في العشرينات والثلاثينات من العمر الذين شاهدوا التلفزيون لأكثر من ثلاث ساعات في اليوم كانت سرعة معالجة المعلومات والمرونة العقلية لديهم أقل بكثير بعد 25 سنة من أولئك الذين شاهدوه أقل من ثلاث ساعات في اليوم. وعلاوة على ذلك، فإن أولئك الذين شاهدوا مستويات عالية من التلفزيون والذين كانت مستويات النشاط البدني منخفضة كان من المرجح أن يكون لديهم ضعف الأداء المعرفي الأدنى بعد 25 عاما مقارنة بأولئك الذين شاهدوا مستويات منخفضة من التلفزيون وكان لديهم نشاط بدني مرتفع.

وقد تبين من قبل أن هذه العوامل الثلاثة تؤثر على صحة الدماغ بالنسبة للبالغين في منتصف العمر وكبار السن. ورغم أنه كان من المشكوك فيه أن تنطبق مثل هذه النتائج أيضاً على البالغين الأصغر سناً، فإن هذا لم يتم حتى وقت قريب.

وتتوافق هذه النتائج أيضاً مع التركيز المتزايد في أبحاث الزهايمر على قيمة السلوكيات الوقائية للعقول في فترة “ما قبل الأعراض” ــ تلك العقود التي تسبق ظهور أي مخاوف إدراكية أو أعراض لمرض الزهايمر. وهذا يشكل أهمية خاصة لأن أول اختلالات خلوية مرتبطة بالزهايمر موجودة قبل أكثر من ثلاثين عاماً من التشخيص. (وعلى الرغم من أننا نعلم أن عوامل نمط الحياة ليست سوى أحد العوامل المهمة التي تساهم في الإصابة بمرض الزهايمر، إلا أنها العامل الوحيد الذي نستطيع أن نتحكم فيه بشكل مباشر؛ بل إنها في واقع الأمر تشكل نمط حياة صحيا قد يؤخر بشكل كبير التعبير عن أعراض الزهايمر، وأحياناً بأكثر من عشر سنوات).

وهناك أيضاً أبحاث متنامية تؤكد أن ترسيخ العادات الصحية للدماغ في مرحلة الطفولة من شأنه أن يزيد من احتمالات استمرار هذه العادات (وأن تبني عليها) طيلة مراحل البلوغ كافة. في الوقت الحالي، ما يوضحه البحث هو أنه سواء كنت في العشرينات أو المئات من عمرك، أو في أي مكان بينهما، فمن الممكن أن تعزز بشكل كبير صحة الدماغ في المستقبل وتقلل من خطر الزهايمر، سواء كنت تعاني من مخاوف إدراكية حالية أو لا. ومن خلال إعطاء الأولوية لصحة الدماغ كمسعى يدوم مدى الحياة، يصبح بوسعنا (ونمكّن الآخرين) خلق أفضل مستقبل لأنفسنا ولأجيال المستقبل.

المصادر: 1