يبرز زوج من كسور قاتلة على جمجمة عمرها 430,000 عام من سيما دي لوس هوسوس، إسبانيا. قد يكون الموقع موطنًا لأقدم دليل على الممارسات الجنائزية.

متى بدأ الإنسان القديم في فهم الموت؟

ربما تطور إدراكنا الفريد للوفاة والحداد قبل أن نتطور.

الموتى يرقدون في كهف على بعد ربع ميل من ضوء النهار حيث وجد المحققون بقايا من 28 شخصاً على الأقل. كانت العظام مكسورة إلى ما يقرب من 7000 قطعة، ممزوجة بأحافير الدببة والطين – وفأس على شكل دمعة طوله 6 بوصات.

حدد تحليل الحمض النووي الأفراد الذين يعود تاريخهم إلى ما يقرب من 430000 سنة، كأوائل النياندرتال Neanderthals -أبناء عمومتنا في التطور- أو أسلافهم.

الموقع، شمال إسبانيا، سيما دي لوس هوسوس Sima de los Huesos، القضية الأقدم للبشرية. يقول بعض الباحثين أن الحيوانات المفترسة أو الانهيارات الطينية أو السقوط العرضي أو الحوادث الطبيعية الأخرى جلبت الجثث إلى هناك. لكن يؤكد آخرون أن الجثث قد تم دفنها عمداً، مما أثار تساؤلاً حول ما إذا كانت أقدم دليل على العادات الجنائزية.

نحن نعلم بالفعل الكثير عن مثل هذا السلوك عبر العصور التاريخية: فثقافات مختلفة دفنت أو أحرقت أو رصعت بالجواهر أو حنطت أولئك الغاليين الذين رحلوا، أما الناجون فبكوا أو رقصوا أو احتفلوا أو صاموا أو حتى أقاموا آثاراَ باهظة الثمن. تقول ماري ستينر، عالمة الآثار بجامعة أريزونا: “تتعلق هذه الطقوس حقًا بإبقاء ذكرى الشخص المتوفى على قيد الحياة، والحفاظ على هذا الارتباط.”

تميز كل هذه الضجة حول الموت الإنسان العاقل Homo sapiens عن الحيوانات الأخرى. لكن يبقى السؤال، متى أصبح الأحياء معنيين بالأموات في خلال رحلة التطور البشري؟

رائحة الموت

درس عالم الآثار بول بيتيت بجامعة دورهام لعقود مواقع الطقوس الجنائزية المحتملة حيث استنتج، بناءً على هذا العمل، أن ما نعرفه اليوم كعادات جنائزية قد تطورت بمرور الوقت من سلوكيات أكثر تواضعاً، بما في ذلك تلك السلوكيات التي شاهدناها في الحيوانات الأخرى.

اقترح بيتيت في عام 2018، بناءً على أبحاث سابقة، عملية تتكون من أربع خطوات لتحديد كيف تطورت هذه العادات. كانت الخطوة الأولى هي اكتشاف الموت كيميائيًا: طورت الكائنات الحية منذ مئات الملايين من السنين القدرة على الشعور بالنيكرونات necromones، وهي الجزيئات المنبعثة من الجثث المتحللة. سمحت هذه السمة التي توارثناها حتى اليوم للحيوانات، من الحشرات إلى البشر، بحماية أنفسها من المخاطر المرتبطة بالجثث. فنجد النمل على سبيل المثال يأكل أو يدفن أو يسحب بعيداً أعضاء المستعمرة الموتى قبل أن تتعفن.

يقول بيتيت إن الخطوة التطورية التالية كانت “عندما وُجدت العواطف”. جاءت سلالات معينة من المخلوقات الاجتماعية الذكية لتحزن على وفاة أعضاء من المجموعة. تشمل الأمثلة اليوم طيور الكورفيد Corvid birds أو فيما يعرف بعائلة الغربان مثل العقعق التي تصرخ بنداءات تنبيه أثناء تجمعها حول الجثث، أو الأفيال الذين يحضرون وفاة أعضاء المجموعة ثم يعودون إلى مواقع الموت للمس بقايا الهيكل العظمي.

يحزن أقرب أقربائنا، الشمبانزي، بطرق متنوعة. حيث شهد علماء الأوليات أعضاء المجموعة يصرخون، ويصفعون الأرض، ويمزقون النباتات، ويرمون الحجارة ويحتضنون بعضهم البعض بعد أن سقط قرد بري من شجرة سقطة قاتلة. في حين تصف ورقة نُشرت في تقارير علمية Scientific Reports لعام 2017 حالة مختلفة، حيث استخدمت الأم ساق عشب لتنظيف أسنان صغير ميت بعد أن اجتمعت المجموعة بهدوء من حوله.

لاحظ الباحثون مجموعة من ردود الأفعال على الموت بين الشمبانزي. هنا، تنظف الأنثى (يمين) أسنان الذكر المتوفى – التي تبنته – بقطعة من العشب بينما تنظر ابنتها.

خلصت مراجعة عام 2018 لهذه السلوكيات إلى أنه مع الخبرة والعمر، تتعلم القردة أن الموت نهائي: لن يستيقظ الأفراد الميتون. لكن ليس هناك ما يشير إلى أنهم يفهمون حتميته – أن جميع الحيوانات، بما في ذلك أنفسهم، ستموت. يقول مؤلف الدراسة جيمس أندرسون، أخصائي علم الأمراض في جامعة كيوتو: “في حين أننا، لحسن الحظ أو لسوء الحظ، ندرك ذلك، إلا أن ذلك قد يكون أحد الاختلافات المعرفية بيننا وبين القردة العظيمة الأخرى”.

يوافق بيتيت على ذلك، ويعتقد أن هذا الوعي أدى إلى تطور المرحلة الثالثة في عمليته المكونة من أربع مراحل: السلوك الجنائزي الذي يقتصر على أشباه البشر hominins (البشر وأقرب أقربائنا القدامى). طور أسلافنا طرقًا لتخفيف حدة الموت العاطفية بعد إدراكهم لمفهوم الوفاة، وخاصة الجنائز والدفن في أماكن محددة. ربما بدأت هذه الممارسات بطرق بسيطة، كوضع الجثث في حفرة.

ابتكرت الثقافات المختلفة بمرور الوقت عادات متنوعة ومفصلة، مغلفة بالمعتقدات الدينية حول الحياة الأخرى. تشير المدافن المليئة بالقطع الأثرية إلى أن أسلافنا قد وصلوا إلى هذه المرحلة الرابعة والأكثر تقدمًا من السلوك الجنائزي في العصر الحجري القديم العلوي Upper Paleolithic، وهي الفترة التي بدأت منذ حوالي 50000 سنة. حيث احتوى زوج من قبور العصر الحجري القديم العلوي في روسيا على سبيل المثال على هياكل عظمية كاملة لصبيين ورجل في منتصف العمر تم دفنهم بالرماح والتماثيل وعظم فخذ إضافي مملوء بصبغة حمراء كما تم تزيين الجثث بأكثر من 13000 حبة عاج من عاج الماموث.

هل نخفى الموتى أم نبحث عن الاتصال؟

لا زلنا لا نعرف متى انتفل أشباه البشر من الحزن الشبيه بالحيوان إلى السلوك الجنائزي الذي يقتصر على سلالتنا. هناك بعض المدافن في روسيا على سبيل المثال أقدم من قبور العصر الحجري القديم الأعلى، لكنها “ليست مذهلة إلى هذا الحد” كما تقول ستينر.
تشير ستينر إلى ما يقرب من ثلاثين هيكل عظمي في الكهوف المنتشرة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا. تتراوح أعمار هذه المواقع بين 40000 و120000 عام، وقد وُضعت الجثث دون بضائع ثمينة ذات معنى في حفر ضحلة تحت المناطق التي يعيش فيها الصيادون بشكل متقطع.

تظل الدوافع وراء هذه المدافن غير واضحة. قد يكون تنظيفًا صحيًا كي يبقِ الجثث المتحللة بعيدًا عن الأنظار ويبقِ رائحتها بعيداً.

اقترحت ستينر، في ورقة بحثية نُشرت في النظرية البيولوجية Biological Theory لعام 2017، أن حقيقة دفن الجثث في الكهوف المستخدمة بشكل متكرر كمخيمات يعني أن الأحياء أرادوا البقاء على اتصال مع الموتى. وتقول إنها كانت “أماكن عادوا إليها مرارًا وتكرارًا”. كما كان حفر القبور في الساحات المنزلية “محاولة البشر لوصل الحياة بالآخرة”.

من الجدير بالذكر أيضًا أن بعض مواقع القبور احتوت على الإنسان العاقل، بينما احتفظ البعض الآخر بإنسان نياندرتال. (لا يوجد موقع واحد به كلا النوعان من البشر). قد يعني ذلك أن ربما الاهتمام بالموتى والموت قد تطور بشكل مستقل في كلا السلالتين – أو أنه تطور حتى في وقت سابق خلال سلفهما المشترك.

على أي حال قبل هذه المدافن الأوراسية لإنسان نياندرتال والإنسان العاقل نجد أن بقايا أشباه البشر تكون في الغالب عظام متناثرة – عظم فخذي هنا أو عظم فكي هناك – تم التقاطها من قبل آكلات اللحوم وحفظها عن طريق الصدفة.

لا يمكن الوصول إلى غرفة ديناليدي في جنوب إفريقيا إلا من خلال التنقل في ممرات صخرية شديدة الانحدار، بما في ذلك منحدر رأسي يبلغ ارتفاعه 40 قدمًا تقريبًا.

هناك نوعان من الاستثناءات المذهلة – التي تعيدنا إلى القضية الأقدم وهما سيما دي لوس هيوسوس وموقع آخر وهي غرفة ديناليدي Dinaledi chamber في كهف النجم الصاعد Rising Star cave system بجنوب إفريقيا. تأتي البقايا في كل موقع من أنواع وأوقات مختلفة: في حين أن أشباه البشر في سيما العائدون إلى 430000 عام ينتمون إلى سلالة النياندرتال، فإن الأفراد الذين يزيد عددهم عن 15 في ديناليدي – تتراوح أعمارهم بين 230000 و330000 عام – هم أعضاء في سلالة هومو ناليدي Homo naledi، الذي تم وصفه لأول مرة في عام 2015.

لكن أوجه التشابه في كلا الموقعين مبهرة حيث نجد هياكل عظمية مبعثرة في أركان غرفة كهف لا يمكن الوصول إليها تقريبًا، على عمق ما يقرب من 10 طوابق تحت الأرض. نقطة الدخول الوحيدة لأي من الموقعين هي منحدر رأسي يبلغ طوله 40 قدمًا تقريبًا – ويجب على المرء أولاً التنقل عبر ممرات صخرية سوداء لمئات الأقدام للوصول إلى ذلك المدخل من السطح.

على الرغم من أن العديد من أشباه البشر استخدموا الكهوف كمأوى، إلا أنهم ظلوا بالقرب من المدخل في متناول الضوء الطبيعي. تقول عالمة الأنثروبولوجيا ميرا ليرد واصفة بيئة ديناليدي: “العثور على حفريات أشباه البشر بتلك الوفرة في طرف بعيد جدًا جدًا من الكهوف تلك هو أمر غريب حقًا”.

التخلص المتعمد

توصل فريقان منفصلان قاما بالتنقيب في سيما وديناليدي إلى نفس الاستنتاج لكل موقع: جر أشباه البشر الجثث إلى أسفل هناك. في حين اقترح بعض الباحثين أن الوصول إلى الغرف كان أكثر سهولة في الماضي، ولكن استبعد الجيولوجيون الذين يحللون المواقع هذا الاحتمال. كما يرفضون أيضاً الأسباب الطبيعية مثل المياه المتدفقة والانهيارات الأرضية وآكلات اللحوم التي تحمل الأجسام أو أن أشباه البشر قد دخلوا الغرف على قيد الحياة ولكنهم حوصروا وماتوا بداخلها.

استخدمت تحليلات الطب الشرعي للبقايا في موقع سيما، المنشورة في 2015 و2016، الأشعة المقطعية لتحديد كسور قاتلة بالجمجمة في ثمانية أفراد. تم ضرب إحدى الجماجم بوضوح مرتين بنفس الجسم غير الحاد، مما يشير إلى أن الضربات القاتلة حدثت أثناء صراع وجهاً لوجه.

تشير إعادة بناء جمجمة سيما التي تظهر زاوية الضربات القاتلة إلى أنها تم تلقيها أثناء صراع وجهاً لوجه.

قام فريقا سيما وديناليدي “بنشر الكثير من المعلومات التي تجعل التخلص المتعمد تفسيراً معقولاً”، كما يقول تشارلز إيجلاند عالم الأنثروبولوجيا في جامعة جرينسبورو، الذي لم يكن جزءًا من أي من عمليات التنقيب. ولكن، عندما قام هو وزميله ترافيس بيكرينغ بتمشيط البيانات، لم تتكامل العظام. يقول إيجلاند: “لا يبدو أن لديهم أجسادًا كاملة”.

بدأ الباحثان دراستهما الخاصة. لقد حددا الأجزاء الهيكلية الأكثر قابلية للحفظ في سيناريوهات مختلفة، مثل الدفن المتعمد أو القتل من آكلات اللحوم، بناءً على الأنماط التي لوحظت في المواقع التي تم تحديدها مسبقًا. وجد إيجلاند وبيكرينغ أن بعض العظام، بما في ذلك عظام الكاحل والمعصم، كانت دائما مفقودة من الجثث المستعادة والتراكمات الطبيعية الأخرى.

كانت العظام المحفوظة في كل من سيما وديناليدي قريبة جدًا من هذا النوع من نمط التراكمات الطبيعي. يشدد إيجلاند على أن النتائج المنشورة في عام 2018 لا تستبعد التخلص المتعمد، “ولكنها تجعلني أفكر مرتين قبل الانتقال تلقائيًا إلى تفسير بشري”.

يعتقد علماء الآثار في سيما أن هذا النوع من النهج – باستخدام العظام وحدها لشرح المشهد – سابق لأوانه. على الرغم من أن الحفريات جارية هناك منذ الثمانينيات، إلا أن الباحثين يواصلون اكتشاف عظام أشباه بشر.

قد تظهر الأدلة اللازمة لحل هذه القضية الأقدم في نهاية المطاف من سيما وديناليدي – ولكن من غير المحتمل أن نكتشف أدلة على الحداد كما نعرفه.

في بحثها المنشور في مجلة النظرية البيولوجية Biological Theory، قارنت ستينر مدافن نياندرتال أوراسيا والإنسان العاقل، أسفل الساحات المنزلية، بمواقع سيما ودايناليدي المظلمة الغير المضيافة.

تلاحظ ستينر أنه في سيما على وجه الخصوص، تشير الأدلة، بما في ذلك كسور الجمجمة، إلى أن الضحايا قد ألقاهم قتلتهم هناك أو واجهوا نهايات أخرى غير محددة الوقت.

تقول ستينر: “يوجد جثث بالداخل ولكن لا يوجد حب”.

المصادر: 1