الطفرة هي ما يقود التطور وليس الإنتقاء الطبيعي

يقول عالم الأحياء التطوري الجزيئي ماساتوتشي ناي Masatoshi Nei أن داروين لم يثبت أبدا أن الإنتقاء الطبيعي هو القوة التي تقود التطور- لأنه ليس كذلك.

في قاعة احتفالات ضخمة، أمام آلاف من الجمهور المتحمس، يختبر ماساتوتشي ناي خطأً تقنياً. البيولوجي كان قد استلم لتوه جائزة كيوتو المرموقة في العلوم الأساسية لتكريم استكشافه الرائد للتطور على المستوى الجزيئي. آذان وأعين وسائل الإعلام العالمية، الدبلوماسيين والشخصيات المرموقة، ومن ضمنهم أمير اليابان تاكامادو، تم تدريبهم أو محاولات تدريبهم على النطق الناعم للعالِم ذو 82عاما أثناء إلقائه لخطاب قبول الجائزة. على شاشة ضخمة فوقه كان يقوم بتقدمات وتراجعات لعرضه التقديمي وذلك بشكل عشوائي، محاولا ان يعرض التقنيات التي ابتكرها وأحدثت ثورة في مجاله، والنظريات التى تتحدى معظم الأفكار المتأصلة في القدم.

“آسف جدا، يخبر ناي الجمهور مع ضحكة خافتة محببة. “أنا دائماً أسعى وراء النظرية، وليس الشيء العملي.”

ولكن العملية كانت بمثابة قوة مرشدة طيلة حياة ناي الوظيفية. من بحثه الزراعي سابقا إلى العقود الطويلة في طلب نقل علم الأحياء التطوري evolutionary biology بعيدا عن الملاحظات الميدانية الذاتية إلى تلك الهادفة ذات الجدوى، التحليل الرياضي القائم على المستوى الجزيئي. ابتكر في عام 1972 صيغة مستخدمة بشكل كبير هذه الأيام، مسافة ناي الوراثية القياسية Nei’s standard genetic distance والتي تقارن المورثات الأساسية لمجتمعات مختلفة لتقدير الوقت الذي استغرقته هذه التجمعات لتتشعب. في أوائل التسعينات، كان ناي مطور مشارك لبرنامج حاسوبي مجاني ينشئ أشجارا تطورية بالاعتماد على المعلومات الوراثية. ويبقى بعد عقدين من الزمن، تحليل علم الوراثة التطوري الجزيئي Molecular Evolutionary Genetics Analysis أو المعروف اختصاره ب MEGA، من أكثر برامج الحاسوب المستخدمة التي يُشهَد لها في مجال علم الأحياء.

ولكن في نظريته حول خرق قاعدة الإنتقاء الطبيعي، والتي طورها ناي في الثمانينات وتوسع بها أكثر في كتابه الذي أصدره عام 2013 التطور المُقاد بالطفرات Mutation-Driven Evolution والذي يريد به الباحث أن يرى ما هو محرج ومنتشر ويُدرَّس في المدارس.
بعد عدة أيام من مشاركة عرضه التقديمي، تحدث ناي مدير معهد علم الوراثة التطوري الجزيئي في جامعة ولاية بنسلفانيا مع موقعDiscover فيما يعتقد فيه أن داروين قد ارتكب خطاً.

سؤال Discover: بدأت مهنتك الأكاديمية كبروفسور مساعد في العلوم الزراعية. كيف تطورت-لا أقصد الإهانة- إلى عالم جزيئي يناظر داروين؟

جواب ماساتوتشي ناي جواب: أردت أن أجعل من التجمع الوراثي شيئا مفيدا وعمليا، لذا عملت بالتناسل النباتي. لكني بدأت أسأل، لمَ لمْ يأخذ التطور الظاهري phenotypic evolution(المرتكز على السمات المشاهدة) مكانه بعد؟ كنت مهتما به على المستوى الوراثي. قال تشارلز داروين Charles Darwin أن التطور يحدث عن طريق الإنتقاء الطبيعي في ظل التغيرات المستمرة، ولكنه لم يتمكن من إثبات حدوث هذا الإنتقاء الطبيعي في الطبيعة. هو قد حاول برهنة ذلك لكنه لم يتمكن من إيجاد برهان قوي. مع ذلك فإن معظم الناس الذين يعملون على التطور لا زالوا يعتقدون بأن الإنتقاء الطبيعي هو القوة المسيطرة.

عندما تقول أن التطور يحدث عبر الإنتقاء الطبيعي، يبدو ذلك كأنك تقارن العلم بقولك أن الله خلق كل شيء. الآن يقولون أن الإنتقاء الطبيعي ابتكر كل شيء، لكنهم لا يشرحون كيف. إن كان هذا علما، عليك أن تشرح كل خطوة. هذا سبب أني لم أكن سعيدا. فقط تبديل الله بالاصطفاء الطبيعي لا يشكل فرقا كبيرا، عليك أن تشرح كيف.

س: حسنا، لذا، اشرح كيف.

ج: تتحكم الجزيئات بكل جزء من أجسادنا، لذا عليك أن تشرح على المستوى الجزيئي. هناك آلية حقيقة للتطور، كيف تتغير الجزيئات. هي تتغير من خلال الطفرات .mutation تعني الطفرة تغييرا في الحمض النوويDNA خلال، على سبيل المثال، استبدال أو إدخال (النكليوتيدات). بداية يجب أن تملك تغيرا، وعندها ربما يعمل الإنتقاء الطبيعي أو لا يعمل. إني أرى أن الطفرة هي القوة المسيِّرة أكثر أهمية في عملية التطور. يحدث أحيانا الإنتقاء الطبيعي، بالطبع، بسبب بعض الأنماط من التغيرات التي هي أفضل من غيرها، لكن الطفرة تُنشئ الأنماط المختلفة، ولذا فإن الإنتقاء الطبيعي هنا هو شيء ثانوي.

س: يسأل أحد المشاهدين الخارجيين أنك والباحثون الآخرون تتقاسمون الآراء أن كِلا الطفرة والاصطفاء الطبيعي يقودان التطور، كيف ترد؟

ج: أنا لا أدرس الصفات أو الوظيفة: أنا أدرس المورثة التي تتحكم بهذا كله. موقفي هو أن الطفرات تخلق التغيير، وبعدها ربما يعمل الإنتقاء الطبيعي وربما لا، ربما يختار التغيير الجيد ويقصي التغيير السيء، لكن الإنتقاء الطبيعي ليس القوة المسيِّرة.

في الداروينية الجديدة Neo-Darwinism التطور هو عملية لزيادة الملاءمة (بمعنى قدرة الكائن الحي على كل من البقاء والإنتاج). أما في نظرية التطور المُقادة بالطفرة mutation-driven evolutionary theory فإن التطور هو عملية لزيادة أو إنقاص تعقيد هذا الكائن. نحن نميل للاعتقاد بأن اللإنتقاء الطبيعي يختار نوعا واحدا، ولكن هناك أنواعا عديدة، ولا يزال ذلك جيد. بإمكانهم النجاة. لا مشكلة.

على سبيل المثال، إذا كانت العيون الزرقاء هي أفضل لسبب ما في اسكندانافيا، فلدى تلك الطفرة ميزة محددة، وعندها طبعا ستحدث بشكل أكبر في المجتمع. لكن بداية عليك أن تملك الطفرة. والإنتقاء الطبيعي وحده ليس واضحا كفاية. هو كذلك في حالات محددة، ولكن ليس دائما. ربما يزداد تكرار مورثة العيون الزرقاء بالمصادفة أيضا، بشكل أكثر من الإنتقاء الطبيعي. لون العيون الأزرق جيد كالأخضر، بإمكان اللونين الرؤية.

س: في عام 1968، عرض صديقك وأستاذك موتو كيمورا Motoo Kimuraالنظرية المحايدة للتطور الجيني neutral theory of molecular evolution مناقشا أن معظم الطفرات لا تسبب عواقبا مفيدة أو مؤذية للعضوية. كيف أخذت بالنظرية المحايدة كخطوة تالية مع نظرية التطور المقادة بالطفرة؟

ج: اعتقد كيمورا أن علم المظهر Morpholgy يتطور عبر الاصطفاء الطبيعي. هو قد طبق النظرية المحايدة فقط على المستوى الجزيئي. أنا أقول أنه بالإمكان تحديد الصفات الشكلية بشكل جيد لأن الحمض النووي DNA يحدد كل شيء، وذلك ليس بالأمر السهل (يضحك). ربما 40 أو 50 سنة فيما بعد، أنا مازلت أحاول برهنة ذلك.

س: واحدة من أهم مشاركاتك في المجال هي مسافة ناي الجينية القياسية، صيغة تحدد متى تتشعب التجمعات بالاستناد إلى تحليل رياضي لمورثاتهم. ولكن هذه الصيغة تفترض ثبات معدل التغير الجيني. هل باعتقادك أن النشاط البشري-من الصيد الجائر إلى حرق الوقود العضوي إلى إنارة مدننا وطرقها السريعة بالإضاءة الاصطناعية- يمكن أن يسرع من معدل نشوء الطفرات؟

ج: أعتقد أن هناك عنصرا مُطفِّرا تابعا للنشاط البشري، ولكنه من الصعب جمع الأدلة كلها. يحدث هذا فقط في حوالي ال10000سنة السابقة، وأنا لا اعرف إن كان يغير من سرعة نشوء الطفرات. بإمكانك تحديد عدد الطفرات المختلفة التي تحصل ولكن ليس دائما كيف تحصل.

س: أنت تتكلم عن التطور المسير بالطفرة لأكثر من ثلاثة عقود. لماذا برأيك أن القسم الأعظم من علماء التطور لازالوا في مخيم الإنتقاء الطبيعي؟

ج: أنا أعربت عن الرؤية البسيطة بداية عام 1975 في كتابي علم الوراثة السكانية والتطور الجزيئي Molecular Population Genetics and Evolution، وفي فصل من كتاب آخر في عام 1987، ولكن لم يغير أحد منهم من وجهة نظرهم أو من كتبهم. بالطبع، وفي نفس الوقت، لم يتطور علم الأحياء الجزيئي Molecular Biology بهذا الشكل الكبير والعلوم التطورية التقليدية أخذت بالاعتبار علم الشكل وليس كيف يحدث التغيير.

بعض الطيور، على سبيل المثال، لديها تنوع من خضاب الدم hemoglobin يسمح لها بالتحليق فوق جبال الهمالايا، على مسافة عمودية مرتفعة جدا. ولدى بعض التماسيح الاستوائية أيضا تنوع مختلف من الخضاب يجعلها قادرة على البقاء مغمورة بالماء لفترة طويلة جداً. هذا كان معروفا لفترة من الزمن، وكل شخص شعر جيدا بوجود التنوع في التجمعات، ولكن الشرط الضروري لابد أن يكون مجرد انتقاء طبيعي.

س: في عام 1987، شاركت في كتابة ورقة بحثية مع نارويا سايتو Naruya Saitou واصفا منهج انضمام الجيرانneighbor-joining method، وهو خوازمية جديدة لإنشاء أشجار تطورية من خلال العمل إلى الخلف بالاستناد إلى اختلافات وراثية أساسية بين الأنواع المرتبطة، الفكرة أنه كلما تشعبت الأنواع عن بعضها بشكل أحدث، كلما زاد احتمال تشابههم بالحمض النوويDNA. استُشهِدَ بها أكثر من 34 ألف مرة عبر السنوات وأصبحت حجر الأساس في بحث علم الأحياء التطوري الجزيئي ،molecular evolutionary biology research لم تشعر أنه كان مؤثرا للغاية؟

ج: إنه بسيط (يضحك) لقد طورت نظرية المسافة الوراثية (في السبعينات) لأني أردت إنشاء شجرة التطور، ويمكن للمسافة هذه أن تستخدم في إنشاء الشجرات. ولكني أيضا كنت مهتما في الإحصائيات. لذا دمجت الطريقتين.

ولاختبارها بداية صممنا محاكيات حاسوبية: أنشأنا تسلسل DNA لشجرة تطورية كنا نعلم مسبقا من أين تتفرع. وبعد ذلك استخدمنا الإحصائيات، منهج انضمام الجيران، لإعادة بناء الشجرة واختبار فيما إذا تشابه شجرة التطور الحقيقية. وقد شابهتها، وبذلك عرفنا كيف أن هذه الطريقة قد أعطت فكرة جيدة جدا عن كيفية تطور وتشعب الأنواع.

في البداية كان علماء الأحياء الآخرون متعصبون حول التمسك بطرقهم السابقة في حساب العلاقات بين الأنواع. كان هناك الكثير من القتال السخيف في الثمانينات، ولكني أصريت أن هذه الطريقة ستعمل. وفيما يخص، أقول، استخدام 100 تسلسل وراثي، يمكننا إنشاء شجرة انضمام جيران خلال لحظات قليلة، أما بالطريقة التقليدية ستأخذ عدة أشهر. وبعد العمل لشهور، كانت النتيجة قريبة دوما من طريقة انضمام الجيران.

س: أشرت في عدد من المناسبات أنك مستعد للكثير من الانتقاد حول أحدث كتبك، التطور المحدث بالطفرة 2013، لماذا؟

ج: لقد عرضت أفكارا مشابهة في كتابي عام1987، مورثات التطور الجزيئي، ولكن لم تعره الناس أي اهتمام والنصوص حول التطور لم تتغير: ظلت تقول أن الإنتقاء الطبيعي هو الذي يسبب التطور. تم تجاهل آرائي بشكل كامل. في ذلك الكتاب، أنا أناقش مشكلة عدم برهنة الإنتقاء الطبيعي. وذلك الفصل لم يقنع العديد من الناس، أعتقد، لأن لديهم قناعة مسبقة بأن الإنتقاء الطبيعي يجب أن يكون القوة القائدة لأن داروين قد قال ذلك وحسب. داروين هو الملك في التطور، لذا لا يمكنك انتقاد داروين، أما إذا فعلت ذلك فستوصَف بالمتعجرف. ولكن في أي وقت فإن النظرية العلمية تُعامل كقضية، عليك ان تستفسر عنها. وُجد مبدأ الإنتقاء الطبيعي منذ زمن طويل. وأغلب الناس لم تتأكد. ولازالت معظم النصوص تذكره حرفيا ومعظم الطلاب يتعلمون من هذه الكتب.

عليك ان تسأل القاعدة. استخدم الإحساس الشائع. عليك أن تفكر من أجل نفسك، من غير أحكام مسبقة. هذا هو المهم في العلم.

المصادر: 1