لماذا أصبح الدماغ البشري أصغر حجمًا منذ العصر الحجري؟

لا أقصد تنبيهك، لكن متوسط حجم الدماغ البشري ينكمش ولا يمكننا إلقاء اللوم على تلفزيون الواقع أو تويتر.

لا، بدأ هذا الانخفاض منذ عشرات الآلاف من السنين. إنه شيء من الأسرار المعروفة بين علماء الأنثروبولوجيا :

استناداً إلى قياسات الجماجم، انخفض متوسط حجم دماغ الإنسان العاقل بنسبة 15% تقريباً في السنوات الأربعين ألف الماضية. هذا الانخفاض هو عكس اتجاه التوسع القحفي، الذي كان يحدث في تطور الإنسان لملايين السنين قبل ذلك.

فلنراجع الأدلة العظيمة التي تدعم هذه الملاحظة، ثم نستكشف بعض التفسيرات المحتملة. وفقط لتخفيف قلقك:

على الرغم من أنه قد يكون لديك جمجمة أصغر من أسلافنا في العصر الحجري، إلإ أن أدمغة الإنسان اليوم لاتزال أكبر بحوالي ثلاثة أضعاف الحجم الطبيعي للحيوانات الرئيسية مع وزن جسمنا.

تزايد وتناقص القدرات القحفية

نظراً لأن العقول لا تستمر حية لفترة طويلة بعد الموت، يتعين على علماء الأنثروبولوجيا استنتاج رؤى في تطورنا العصبي من الجماجم المتحجرة. كبديل لحجم الدماغ وتطوره(يقيس حجم داخل الجمجمة، مقدار المساحة داخل الجمجمة) لم تكن هذه القيمة استثنائية بالنسبة لأوائل البشر قبل أكثر من4ملايين سنة، أقدم جماجم يُعتقد أنها تمثل أجداد الإنسان (Sahelanthropus Ardipithecus) في ما يقارب 1.5 كوب(350ملليلتر) تتناسب مع حيوانات الشمبانزي الحية.

ولكن بعد هذه الفترة، أصبح توسع الدماغ سمة مميزة لنسبنا.

من حوالي 4ملايين إلى ما يقرب من 2 مليون سنة مضت، اقتربت أنواع الاسترلوبيث (لوسي ومعاصروها) من كوبين(500مل) وبلغ متوسط سعة الجمجمة ما يقرب من6 أكواب منذ حوالي 130.000سنة في كل من النياندرتال (مع عينات تتراوح من 1.172 إلى 7401.مل) والإنسان العاقل (1.090 إلى 1.175 مل)

من الجدير بالذكر أيضاً أن مكانتنا لم تتغير بشكل كبير منذ زمن الإنسان المنتصب لذلك حدث كثير من توسع الدماغ هذا بشكل مستقل عن نمو حجم الجسم.

كيف يُقارن البشر الحديثين؟

استناداً إلى قياسات من 122مجتمعاً، تتراوح أدمغة البالغين الحديثة ( من 900 إلى 2100 مل) بمتوسط عالمي يبلغ 1349مل، وهو أصغر من سابقات العصر الحجري. ومع ذلك، لا يمكننا الوصول إلى استنتاجات ذات مغزى من هذه المتوسطات العالمية على مستوى الأنواع، ويرجع ذلك جزئياً إلى اختلاف طُرق قياس الجمجمة بين مجموعات البيانات.

هناك أدلة أكثر إقناعاً على انخفاض سعة الجمجمة من الدراسات التي طبقت تقنية القياس نفسها على مئات أو حتى آلاف الجماجم من منطقة معينة عبر آلاف السنين على سبيل المثال، حللت ورقة علم الأحياء البشرية لعام 1988 أكثر من 12000جمجمة إنسان عاقل من أوروبا وشمال إفريقيا وأظهرت انخفاض سعة الجمجمة في 10000 سنة الماضية بنحو10%(157مل) عند الذكور و17%(261مل) عند الإناث.

تم العثور على انخفاض مماثل بين الجماجم من أماكن أخرى على هذا الكوكب بما في ذلك إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وشرق آسيا واستراليا.

شرح تراجع الجمجمة لدينا

من كل منطقة بها بيانات، يبدو أن هناك انخفاضاً داخل القحف بما يعادل حجم نصف الكأس، والذي بدأ عندما تخلل العصر الجليدي الطريق إلى الهولوسين(أحدث عصر جيولوجي يتميز بمناخ مريح ومستقر). منذ أن لُوحظ هذا النمط لأول مرة في أواخر الثمانينات اقترح الباحثون عدداً من التفسيرات المحتملة.

  1. يقول البعض أن الانخفاض جاء من انخفاض طفيف في حجم الجسم وقوته، فيما يتعلق بالظروف الأكثر دفئًا للهولوسين. كانت الأجسام الأكبر حجمًا أفضل خلال العصر الجليدي، ثم أصبحت غير مواتية مع ارتفاع درجة حرارة المناخ.لكن عالم الأنثروبولوجيا جون هوكس اعترض على هذه الفكرة من خلال إظهار أن انخفاض المخ الموثق أكبر من أن يتم تفسيره ببساطة عن طريق وجود أجسام أصغر قليلاً.
  2. يشير باحثون آخرون إلى أن الأدمغة هي أجهزة مكلفة للغاية. على الرغم من أن دماغ الإنسان الحديث يشكّل 2 في المائة فقط من وزن الجسم، فإنه يستهلك ما يقرب من ربع مدخلات الطاقة لدينا. من خلال اختراع طرق لتخزين المعلومات خارجيًا – فن الكهوف، والكتابة، والوسائط الرقمية- كان البشر قادرين على التخلص من بعض كميات الدماغ، وفقًا لأحد الاقتراحات.
  3. ولكن ربما كانت الفرضية الأكثر إقناعًا هي أن الإنسان العاقل خضع لتدجين ذاتي، وهو اقتراح نابع من فهمنا لتدجين الحيوانات. تختلف الأغنام والكلاب والأنواع المستأنسة الأخرى عن أسلافها البرية بعدد من السمات الجسدية والسلوكية. وتشمل هذه الخجل، والضيق، وظهور الأحداث في مرحلة البلوغ والعقول الصغيرة، وقد أظهرت الأبحاث أن هذه السمات، التي تُعرف مجتمعةً بمتلازمة التدجين، تتأثر بنفس الهرمونات والجينات.

قام البشر بتربية الحيوانات بشكل انتقائي بهذه الميزات المرغوبة، مما أدى إلى إنشاء الحيوانات الأليفة والماشية اليوم. تقترح فرضية التوطين الذاتي – أو ما أطلق عليه عالم الأنثروبولوجيا بريان هير “البقاء على قيد الحياة” – أننا قمنا بذلك أيضًا لأنفسنا.

الفكرة هي أنه في مجتمعات العصر الحجري، كان الأفراد التعاونيون ذوو المستوى الأعلى أكثر عرضة للبقاء والتكاثر من الأفراد العدوانيين. تأثرت هذه الميول المؤيدة أو المعادية للمجتمع بجينات تنظم الهرمونات، والتي أثرت أيضًا على السمات الجسدية، بما في ذلك حجم الجسم والدماغ. مع مرور الوقت، أدى “بقاء الود” إلى البشر ببنى أخف وأدمغة متوسطة. لذلك على الرغم من انخفاض حجم الجمجمة – وربما الذكاء – فقد نما التعاون البشري، مما أدى إلى زيادة الحكمة الجماعية.

يمكن لعدد قليل من الأدمغة الاجتماعية الأصغر من التفوق على رأس واحد وحيد كبير.

المصادر: 1