جميعنا ندرك أننا سنموت لا محالة، إذاً لماذا نعاني لنصدّق ذلك؟

يشرح لنا جيمس بايلي في هذا المقال، وهو بروفيسور في الفلسفة في جامعة بورتلاند في ولاية أورغن، ومؤلف كتاب Routledge Philosophy GuideBook to Hume on Morality (2000).، لماذا نعاني نحن البشر من تصديق حتمية ملاقاتنا لموتنا يوماً ما.

“يعرض لنا ليو تولستوي في روايته (موت إيفان إيليتش) (1886) رجلاً مصدوماً لإدراكه فجأة أن موته أصبح حقيقةً لا مفر منها بعد الآن، وعلى الرغم من إدراكنا أن تشخيص مرضٍ مزمن أو مميت قد لا يكون مفاجأة سارة لصاحبه البتة، لكن كيف يمكن أن يدرك هذا الرجل على وجه التحديد –الرجل الملاقي لموته- حقيقة فناءه ويلتمسها بيديه؟ هذا ما كان عليه وضع إيفان، حيث لم يكن التشخيص مجرد خبر صادمٍ له، بل أنه حتى لم يتمكن من استيعابه أو فهمه.

إن طريقة قياسه المنطقية للأشياء التي تعلمها من منطق كيسواتر كانت بسيطة للغاية: (كايوس رجل، الرجال فانون، إذاً كايوس فانٍ). كان هذا القياس منطقياً جداً وصحيحاً بالنسبة له حين يفكر بالأمر يُطَبّقُ على كايوس، لكنه كان يتجرد فجأة من جميع المعاني حين يطبقه على نفسه هو بالذات. إن الرجل الذي يمثله كايوس ليس إلا رجلاً تجريدياً، لذلك بالطبع سيبدو المنطق معقولاً جداً بتطبيقه عليه. أما هو –إيفان- لم يكن كايوس، لم يكن رجلاً تجريدياً يمثّل فكرة، بل كان مخلوقاً حياً، مخلوقاً مختلفاً جداً عن كل مَن يحيط به.

لم تكن رواية تولستوي لتكون تحفة فنية كما هي عليه الآن لو أنها كانت تصف مجرد حدث شاذ في الحياة، أو لو كانت تصف هوساً نفسياً لشخصية خيالية بدون أي إسقاطات على الواقع. إن قوة هذه الرواية تكمن في قدرتها على الوصف المؤثر للتجربة الغامضة التي تؤثر فينا جميعاً، تجربة أن تكون إنساناً.

عامَ 1984، في أمسية عيد ميلادي السابع والعشرين، شاركت إيفان صدمة استنتاجه: أنا أيضاً يوماً ما سوف أتوقف عن كوني موجوداً. لقد كان الجزء الأول من استدراكي لهذه الحقيقة هو الجزء الأعنف مما أسميه اليوم “صدمة الوجود”. لقد كان هذا الحدث من أكثر الأحداث المربكة في حياتي، وكأنني لم أختبر أي شيءٍ أو تجربةٍ في حياتي قبله.

لا يمكنك معرفة معنى “صدمة الوجود” حقاً إلا إذا كنت قد مررت بها سابقاً، حيث أن هذه التجربة لا تتمحور حول فهمك لما قد مررت به في هذا الوقت أو في أي وقت لاحق. إن القلق الحاد الناجم عن هذه الحالة يجعلك غير قادرٍ على التفكير بوضوح. وحالما تنتهي هذه الصدمة، يمكنني القول أنه من شبه المستحيل إعادة تذكر أي تفصيل حولها، إن الرجوع لالتماس “صدمة الوجود” يشبه المحاولة لإعادة تركيب حلم بالكاد تذكره من الليلة الماضية، حيث أن صعوبة الأمر تكمن في أنك تحاول فهم حالة قد حصلت أثناء نومك، وتريد إدراكها أثناء صحوك، أي أنك تحاول أن تصل إلى حالة أصبحت بعيدة عنك الآن.

على الرغم من الغرابة التي تشعرنا بها “صدمة الوجود”، إلا أن المضمون الذي تنطوي عليه هذه الصدمة حقيقةً ليس غريباً البتة، وهذا ما لا يمكن نكرانه، وما يجعل مثل هذه الظاهرة معضلة محيّرة.

حسناً، لقد تعلّمت أنني سوف أموت، لكن ألم أكن أعرف ذلك أصلاً من قبل؟ إذاً كيف يمكن أن يأتي تعلّمي هذا عن حتمية موتي كصدمة أو كشف ما كان مستوراً بالنسبة لي؟ إنه من السهل أن أقول الآن أنني لطالما عرفت أنني سوف أموت، لكن لطالما شعرت أنني لم أكن قادراً –وما زلت- على تصديق ذلك. إن هذه السلوكيات المتضاربة نشأت من الطريقتين الأساسيتين اللتين يرى المرء نفسه بهما، سأدعوهما النظرة الخارجية والنظرة الداخلية.

أولاً، دعونا نعتبر أن حقيقة موتي المحتومة هي خبر قد سبق أن عرفته وتقبلته. إن هذا ينبع من قدرة الإنسان الفريدة عن عزل نفسه عن الأفعال والالتزامات الاعتيادية، أي أن كلّ فرد منا يبدأ باعتبار نفسه مجرد قاطن في هذا العالم، مجرد إنسانٍ واحد من بين مليارات البشر. عندما أنظر إلى نفسي بهذه “النظرة الخارجية”، لا أواجه أي مشكلة في جزم أنني سأموت بالنهاية. بهذه الحالة يمكنني أن أتفهم كيف أن وجودي هو مجرد التقاء عدد كبير من الصدف المتتالية، مجرد احتمال قد تحقق، وأن العالم بدوني سوف يستمر تماماً بنفس الطريقة التي استمر بها قبل أن أوجد. إن التفكير بهذه الطريقة لا يؤرقني البتة، إن اتزاني حين اتبع هذا المنهج بالتفكير ناجم عن أنني حتى لو كنت أحلل فنائي الذاتي، إلا أن الأمر يبدو وكأنني أفكر في شخص آخر، ليس نفسي أنا التي ستفنى. هذا هو ما تفعله “النظرة الخارجية” بي، إنها تضع مسافة إدراكية تفصل بين حقيقتي كشخص يفكر بهذه الأفكار بمنطقية، وبين حقيقة أنني الموضوع الأساسي الذي تتمحور حوله هذه الأفكار.

إن الطريقة الأخرى لنتصور أنفسنا والتي تتكون من إحساسنا وإدراكنا لحيواتنا من “وجهة نظر داخلية” تتوجه نحو التركيز على نشاطات حياتنا اليومية. إن أحد وجهات النظر حول “النظرة الداخلية” نوقشت مؤخراً بكتاب مارك جونستون المسمى (النجاة من الموت) (2010)، حيث ناقش الطبيعة المنظورية (طبيعة وجود نظرة داخلية وخارجية) للتجربة الإدراكية. حيث يشرح جونستون كيف يبدو وكأن العالم كله عبارة عن إطار كبير حول جسده، أو عملياً حول رأسه فقط فهو المكان الذي يتمركز فيه حسه الشعوري. لطالما اختبر العالم وهو يشعر أنه في مركزه، كما لو أنه كان المحور الذي يتوضع حوله كل شيء، وعندما يحاول تغيير موقعه من الصورة، ببساطة أن هذا الموقع المركزي ينتقل معه. إن هذا الموضع من هذه التجربة الإدراكية هو أيضاً المصدر الذي تنشأ منه أفكاره ومشاعره وحتى أحاسيسه الجسدية. هذا ما يدعوه جونستون بـ “حلبة الوجود والفعل”. حين نفكر بأنفسنا على أننا مركز هذه الحلبة، نجد أنه من غير المعقول أن يؤول وعينا هذا، وطريقة رؤيتنا للعالم، وكل ما فينا، للزوال.

نحن نقيّم حقيقة موتنا غالباً من “وجهة النظر الداخلية”، إنها تمثل نزعةً قد زُرِعت فينا أوتوماتيكياً لنختبر العالم وكأنه حرفياً يتمحور حولنا دون غيرنا، حيث تحرمنا هذه النظرة من قدرتنا الكاملة على استيعاب ما سبق وعرفناه حين فكرنا من “وجهة النظر الخارجية”، ألا وهو أن العالم قادر على الاستمرار بدوننا.

لأتمكن من فهم حقيقة فنائي بشكل كامل، سأحتاج أن أدرك أن تجربتي الحياتية اليومية –ليس فقط فكرياً- مضللة لمقدرتي الاستيعابية، وهذا عندما أفكر بها ككتلة واحدة وليس عندما آخذ كل تفصيلاً منها على حدى. يمكن أن تساعدنا البوذية هنا على تحديد مصدر جذري لهذا التشوه الحاصل في رؤيتنا للموضوع، فمثلاً يخبرنا جاي ل. غارفيلد في كتابه (اعتناق البوذية) (2015) أننا نعاني مما يسمى “الوهم البدائي” أثناء رؤيتنا للعالم وحتى لذواتنا باستخدام الميتافيزيقية المادية. على سبيل المثال، أنا أعتبر نفسي فرداً مكتفياً ذاتياً وأحظى بجوهر يعرّف هويتي ويجعلني ما أنا عليه، إن هذه النواة التي ندعوها “الأنا” (قدرة الفرد على تمييز نفسه كفرد واعي مستقل) تعتمد على التغيير المستمر في طبيعتي الفيزيائية وخصائصي الذهنية. غارفيلد لا يخبرنا أننا جميعنا نؤيد هذا الموقف أو الموضع صراحةً، في الحقيقة إذا أردت أن أبدي رأيي الشخصي في الموضوع فأنا أرفض وجهة النظر تلك. بدلاً من ذلك، أعتقد أن “الوهم البدائي” ليس إلا منتجاً من ردود فعلنا غير العقلانية، وغالباً ما تتم معالجته في مستوى أقل من مستوى العقل الواعي.

عندما نجمع الحقيقة التي تهبنا إياها هذه الظاهرة من ظهورنا المركزي في عالمنا، مع الرؤية الضمنية الداخلية لأنفسنا كمواد، يصبح من السهل القول أننا هذين العاملين يجعلان فكرة “عدم الوجود” غير قابلة للتصور من “وجهة النظر الداخلية”. إذاً، إن أفضل فهم يمكن أن نحققه لفكرة فنائنا الذاتي هو اعترافنا المستقل عننا كذوات حين نفكر من “وجهة النظر الخارجية”.

إن البديل عن وجهة النظر البوذية المادية هي وجهة نظر لبعض أشخاص يؤيدون فكرة “اللا أنا” أو “عدم وجود الذات”، والتي اُكتُشِفَت من قبل دايفيد هيوم. هيوم يؤيد فكرة أننا نظام متغير من الأفكار والأحاسيس والمشاعر، حيث أخذ غياب الدليل على وجود نفس مادية كدليل على غياب وجودها، ثم استنتج في كتابه (بحث في الطبيعة البشرية) (1739-1740) أن مفهوم “النفس” لا يعبر إلا عن جهاز مناسب يشير إلى شبكة من الحالات الذهنية المترابطة، وليس شيئاً مختلفاً عن ذلك.

على الرغم من وجود بعض الخطوط المتشابهة فكرياً في النصوص البوذية مع الفلسفة، إلا أن النقاشات الفلسفية تتضمن جزءاً فقط من تعاليمهم وليس كلها. حيث يعتقد البوذيون أن تدريباً متقدماً في التأمل سيسمح لنا من اختبار “اللا أنا” بشكل مباشر بدلاً من استنتاج وجودها فقط، وأن الطرق النظرية والعملية تدعم بعضها البعض، وتتطور معاً بشكل مثالي ومتزامن.

لنرجع الآن إلى “صدمة الوجود”، قد يُجذَب المرءُ للبحث عن مزيد من العوامل غير الاعتيادية التي يمكن إضافتها لتوثر في ظرفنا الطبيعي هذا. على أي حال، أنا أعتقد أن النهج الأفضل لاتباعه هو إعادة اعتبار ما يجدر بنا أن نفكر به ونلغيه من تجربة حياتنا اليومية. تنشأ “صدمة الوجود” من التغيير الجذري في رؤيتنا من “وجهة النظر الداخلية”، حين ينكشف الوهم البدائي ليتمكن الشخص من اختبار نفسه كشيء غير مركزي أو غير جوهري، بشكل صريح ومباشر. يمكنني أن أرى حقيقة “اللا أنا” ليس فقط كفكرة مجردة، بل كانطباع حقيقي، وأعرف جيداً أن كبريائي الذي يؤجج شعوري بكياني ليس إلا محتالاً يحاول أن يتنكر بهيئة ذاتي الدائمة. قد يكون الجزء الأكثر تعقيداً من صدمة الوجود هو شعور كشف حقيقة الموت الحتمية والتي تأتي من إعادة صياغة معنى الفناء كجزء من إدراكنا الحقيقة الجوهرية حول “اللا أنا”.

لكن ألا يجعلنا هذا نفكر بسؤالٍ مضمونه ما هي الأسباب التي تجعل الوهم البدائي يتراجع أحياناً لتحل محله صدمة الوجود؟ إن جواب هذا السؤال يقبع في تحليل هيوم أن طبيعة الانتقال في حالاتنا الذهنية محكومة بقوانين مرتبطة ببعضها البعض، حيث يميل قطار مشاعرنا وأفكارنا ليمر بطرق مألوفة ومريحة، حيث تقود كل حالة ذهنية إلى الحالة التي تليها بدون جهد يُذكر في مثل هكذا طرق. إن العملية المستمرة لآلياتنا المترابطة ببعضها البعض تبقي هذه الصدمة بعيدة عن عقولنا، وحين تنهار هذه الآليات تظهر صدمة الوجود جلية وواضحة.

إنها بالتأكيد ليست بمصادفة أن أول لقاء لي مع صدمة الوجود حدث عند نهاية فترة طويلة وصارمة من حياتي، عندما بدأت ابتعد عن محيطي المعتاد وروتيني الاجتماعي، عندما ابتعدت عن عالم الممتلكات والمال، وعن كل المشتتات والضغوطات التي كانت تحيط بي، حيث صنعت ظروفاً أصبحت قادراً بها عن أتخلى عن “الطيار الآلي” الذي كان يقودني ويوجهني طوال الفترة الماضية. هذا هو ما صنع مقدمة لصدمة الوجود لدي، الصدمة التي جلبت لي توقفاً مفاجئاً في بيئتي الداخلية وحدثاً مفاجئاً وجذرياً في منظومتي العقلية. لقد جعلتني هذه الصدمة، للحظة واحدة، قادراً على رؤية نفسي كما هي عليه حقيقةً.”

المصادر: 1