كيف يمكن لحياة جنسية صحية أن تساعد في تقليل أعراض الاكتئاب والقلق

القلق والاكتئاب والجنس: كيف تواجه التفكير الزائد عن الحد

عندما تعاني من القلق والاكتئاب قد يكون الجنس هو آخر ما تفكر به. لكن إذا فهمت الفوائد الفسيولوجية والعقلية للحياة الجنسية السليمة قد تصبح أداتك للتعافي.

  • تقلل استجابة أجسامنا الفسيولوجية للجنس من أعراض القلق والاكتئاب.
  • يؤدي نقص أكسيد النيتريك nitric oxide في الدم إلى سرعة الانفعال والاكتئاب والقلق والأرق وفقدان الطاقة، في حين أن ممارسة الجنس تؤدي إلى زيادة نسبة أكسيد النيتريك بالجسم.
  • كما تؤدي ممارسة الجنس إلى زيادة نسب الأدرينالين والأوكسيتوسين والدوبامين والسيروتونين بالدم وجميعها تتحكم بالمزاج والسلوك والعافية.

قد يسرق الاكتئاب رغبتك الجنسية ويتركك غارقاً في أقسى شعور بالوحدة، ولكن لن يشعرك الجنس فقط بأنك مرتبط بالطرف الآخر بل أيضاً قد تقلل استجابة أجسادنا الحسية والبيولوجية للجنس من أعراض الاكتئاب.

ثم يأتي القلق. عندما تعاني من القلق يتملكك شعور بأنك محاصر وتائه وعالق، لا تستطيع أن تخطو خطوة إلى الأمام، الجنس هو آخر اهتماماتك، ولكن مجدداً تقلل استجابة أجسادنا الحسية والبيولوجية للجنس من تلك الأعراض أيضاُ.

قد لا يكون الجنس علاجاً لكل الأمراض (ألن يكون ذلك مدهشاً؟) ولكن يوجد الكثير من الأدلة التي تثبت التأثير الإيجابي للجنس على حالتك الذهنية، كذلك على صحتك الجسدية والنفسية.

ماذا يحدث لأجسادنا عندما نمارس الجنس

لنشرح بالتفصيل كيف تؤثر حياتك الجنسية السليمة على مزاجك وسلوكياتك وأفكارك، دعنا نتحدث عما يحدث بيولوجياً داخل أجسادنا عند الاستثارة وممارسة الجنس. تبدأ تلك العملية حتى قبل ممارسة الجنس (وتستمر لبعض الوقت بعد الوصول إلى النشوة أو ما يسمى برعشة الجماع Orgasm).

تحفز الاستثارة الجنسية النشاط بمنطقة “العواطف” بالمخ

أظهرت دراسات الرنين المغنطيسي MRI studies أن أول ما يحدث عند الاستثارة الجنسية هو زيادة النشاط بالمنطقة التي تتحكم بالعواطف في المخ-فيما يعرف بالجهاز الحوفي limbic system.

تحدث بضع تغيرات جسدية خلال مرحلة الاستثارة المبدئية تلك مثل زيادة ضغط وتدفق الدم، أيضاً تصبح المناطق الحساسة بأجسامنا (مثل الأعضاء التناسلية والأثداء) أكثر حساسية كما تتسارع دقات قلوبنا. بشكل عام تعمل الاستثارة كمفتاح التشغيل لأجسادنا حتى نستعد لممارسة الجنس.

تزيد العلاقة الجنسية من نشاط أكسيد النيتريك مما يؤثر على مستويات القلق والاكتئاب لدينا.

تحدث العديد من الأشياء المعقدة داخل أجسادنا وعقولنا معاً عندما نمارس الجنس. بالإضافة إلى زيادة تدفق الدم التي تحدث عند الاستثارة يتدفق أيضاً أكسيد النيتريك بأجسادنا.

جزيئات أكسيد النيتريك ضرورية لصحة أوعيتنا الدموية حيث أن هذه الجزيئات تبسط العضلات الداخلية للأوعية الدموية مما يؤدي إلى اتساع تلك الأوعية الدموية. قد يفسر تدفق أكسيد النيتريك زيادة حساسية بعض المناطق بأجسادنا عند الاستثارة وممارسة الجنس، كما قد يفسر أيضاً حمرة بشرتنا عند الشعور بالإثارة.

من الجدير بالذكر أن بعض الآثار الجانبية لنقص أكسيد النيتريك هي سرعة الانفعال والاكتئاب والقلق والأرق وفقدان الطاقة.

يواجه الأشخاص الذين يعانون من نقص أكسيد النيتريك غالباً أعراض القلق والاكتئاب – والعكس صحيح أيضًا: يمكن أن يقلل الأشخاص الحاصلون على تدفق من أكسيد النيتريك (عن طريق ممارسة الجنس على سبيل المثال) من أعراض الاكتئاب والقلق لديهم.

تطلق ممارسة الجنس الدوبامين والسيروتونين، “كيماويات الاتزان” بعقولنا

تدفق أكسيد النيتريك ليس الشيء الوحيد الذي يحدث بأجسادنا عند ممارسة الجنس.

تبعث ممارسة الجنس برسائل أخرى من عقولنا إلى أجسادنا أيضاً، هذه الرسائل تسمى الناقلات العصبية neurotransmitters.

أحد تلك الناقلات العصبية هو الدوبامين الذي يلعب دورًا كبيرًا في كيفية الشعور بالمتعة. ليس ذلك فحسب، بل يلعب الدوبامين أيضًا دورًا في تحفيز عقولنا للبحث عن الشعور بهذه المتعة مرة أخرى.

عندما نمارس الجنس، تنشر أجسامنا مادة الدوبامين الكيميائية على طول المسارات الرئيسية المختلفة لأدمغتنا. يحدث هذا خلال العديد من الأنشطة الممتعة الأخرى (ليس فقط الجنس)، وكما السيارة التي تعمل بسلاسة حتى تتوقف، قد لا تلاحظ أن جسدك يقوم بذلك إلا حين حدوث مشكلة تمنع جسدك من القيام بهذه الوظيفة.

يمكن ربط نقص الدوبامين بالاكتئاب لأن نظام الدوبامين لدينا مهم للغاية في تحويل إدراك الإعجاب بالمكافأة إلى دافع للبحث عن هذه المكافأة.

يمكن لأي شخص عانى من هذا الإبتلاء أن يخبرك عن مدى صعوبة العثور على دافع أو حافز عندما تعاني من الاكتئاب.

إذا تحدثنا عن السيروتونين نجد أيضًا أنه يتدفق عندما نمارس الجنس. يملك السيروتونين والدوبامين نفس التأثير على نفس المناطق بأجسامنا، فقط بطرق مختلفة، فكلاهما على نفس القدر من الأهمية في تنظيم وظائف الجسم المختلفة مثل النوم والعواطف والتمثيل الغذائي.

يدرس الباحثون ويحللون العلاقة بين السيروتونين والاكتئاب منذ نصف قرن حتى يومنا هذا، وبينما كان يُعتقد في الأصل أن العلاقة بينهما بسيطة كأن نقول “انخفاض السيروتونين يسبب الاكتئاب”، إلا أن العلاقة بينهما في الواقع أكثر تعقيدًا.

بشكل مبسط، فإن انخفاض السيروتونين ليس سببًا مباشرًا للاكتئاب السريري (حيث أنه لا يوجد سبب واحد فقط ويصعب للغاية تحديد سبب واحد لأن أنظمتنا الانسانية والبيولوجية معقدة للغاية). ومع ذلك، فقد ثبت أن رفع مستويات السيروتونين الخاص بك هو واحد من أكثر علاجات الاكتئاب فعالية.

لماذا؟ لأن السيروتونين يساعدك على تنظيم مزاجك، وسلوكياتك الاجتماعية، وعواطفك، وشهيتك وهضمك، ونومك، وذاكرتك، ورغبتك الجنسية. تشمل بعض أبرز أعراض القلق والاكتئاب النوم غير المنتظم، والذاكرة السيئة، والعواطف التي يصعب التحكم بها، وتقلبات المزاج التي تغير سلوكك الاجتماعي.

مع أخذ هذه المعلومات في الاعتبار، يصبح من المنطقي تمامًا أن نعتبر أن تنظيم بعض هذه الوظائف بالجسم (عن طريق ممارسة الجنس بانتظام وإطلاق كيماويات موازنة الهرمونات تلك) سيساعد على الحد من أعراض مشاكل الصحية النفسية.

الجنس والأدرينالين وشعور “أنك على قيد الحياة”

يجب أن نتحدث أيضًا عن مادة الأدرينالين الكيميائية التي تُطلق أثناء ممارسة الجنس. الأدرينالين هو هرمون ينشط نظامنا العصبي الودي sympathetic nervous system، مما يجعلك تشعر أن “قلبك يقفز في صدرك” ذلك النوع من البهجة الذي تشعر به عندما تركض في الخارج، أو تحصل على وشم جديد أو (نعم كما خمنت) تمارس الجنس.

وفقًا لـ “أخبار الطب اليوم” Medical News Today، يمكن أن تؤدي المستويات المنخفضة من الأدرينالين غالبًا إلى أعراض جسدية ونفسية مثل الشعور بالقلق أو الاكتئاب.

هرمون الحب: الأوكسيتوسين والنشوة

الأوكسيتوسين هو الهرمون الذي يتم إطلاقه أثناء النشوة الجنسية.

يُعرف الأوكسيتوسين باسم “هرمون الحب”، وهو شعور “دعنا نبقى معاً إلى الأبد” الذي يلعب دورًا حيويًا في وصولنا إلى النشوة الجنسية الممتعة وكذلك كيف تشعر أجسادنا بعد الوصول إلى النشوة. نحن نحصل على جرعة كبيرة من الأوكسيتوسين أثناء رعشة الجماع، لكن هذا ليس الوقت الوحيد الذي يظهر فيه الأوكسيتوسين. يتم إطلاق الأوكسيتوسين أيضًا عند النساء أثناء المخاض وأثناء الرضاعة الطبيعية، مما يساعد على إنشاء هذا الرابط الأمومي بينها وبين طفلها عند الولادة.

إذاً لا يجعلك الأوكسيتوسين تشعر بالرضا فحسب، ولا يتعلق الأمر فقط بالشعور “بالحب” – ولكن عندما تختبر أجسادنا تلك الدفعات من الأوكسيتوسين، نبدأ أيضًا في الشعور بالارتباط والثقة نتيجة لهذه الدفعة من الهرمون.

وفقًا لمسح التصوير المقطعي بالإنبعاث البوزيتروني PET scan المأخوذ في لحظة النشوة الجنسية، تضيء دوائر المكافأة reward circuits في أدمغتنا مثل الألعاب النارية ويُغلق مركز التفكير والسلوك center of reasoning and behavior مؤقتًا عندما تتصاعد إلى ما لا يمكن وصفه إلا بالنعيم الجنسي. يمكنك مشاهدة فيديو رائع حقًا من قبل جامعة روتجرزRutgers University للألعاب النارية الجنسية المذكورة في دماغ الأنثى أدناه.

بالنظر إلى ما نعرفه عن اضطرابات القلق ومدى سهولة التفكير الزائد عن اللزوم في الأشياء من حولنا إلى الحد الذي قد يؤدي إلى نوبة هلع، فإن التوقف المؤقت عن التفكير قد يكون مفيدًا بشكل لا يصدق لشخص يشعر بـأنه “عالق” في عقله الخاص.

وأخيراً، بالنظر إلى العلاقة بين النشوة الجنسية والأوكسيتوسين (والعلاقة بين الأوكسيتوسين والشعور الجيد)، ليس من المستبعد أن نضع في الاعتبار تأثير الأوكسيتوسين الذي يطلقه الجنس على شخص يعاني من اضطرابات القلق أو الاكتئاب.

المصادر: 1