دليل ماركوس أوريليس إليك لتصبح شخصا نهاريّا

هل عانيت يوما لإيجاد سبب يدفعك للنهوض من سريرك؟ يقدم ماركوس أوريليس نصيحته إليك.

  • كم هو مزعج النهوض في الصباح الباكر؟
  • حتى الفيلسوف ماركوس أوريليس Marcus Aurelius، ملك روما، ذكر نصيحته عن الاستيقاظ في فريدته “التأمل Meditation”
  • وبالرغم من أن هذه النصيحة قد لا تجعلك شخصا نهاريا بشكل كامل، ولكنها بالتأكيد قد تهون عليك النهوض في الصباح الباكر.

قد تكون الصباحات الباكرة مزعجة حقا، خاصة بوجود السرائر الدافئة، وتلك المنبهات المزعجة. مما يجعل فكرة النهوض من السرير تشبه نداء الذهاب إلى آذار/مارس الموت. ولا يعد أيّ مما ذكر سابقا جديدا عزيزي القارئ؛ فقد اشتكى النّاس من الاستيقاظ صباحا منذ اختراع الكتابة، وقد تتفاجأ بكمية الأفكار الواردة عن هذا الموضوع. وقد كرس الفيلسوف ماركوس أوريليوس، آخر أباطرة روما الخمسة الجيدين، جزءا من عمله “التأمل” للحديث عن هذا الموضوع.

حتى ملك العالم واجه صعوبة في النهوض من سريره!

حظي كتاب “التأمل” بشهرة واسعة، نظرا لحكمته العملية، وتركيزه على الأفكار الرواقية Stoic ideas، وقد كتبه أوريليوس كسلسلة من الملاحظات الموجهة لذاته. يركّز أحد أقسام الكتاب على معاناة الإمبراطور، وكذلك عامة الشعب:

عندما تنهض في الصّباح بدون رغبة، حاول استحضار هذه الأفكار –أنا أنهض إلى عملي كإنسان. لماذا إذا هذا الشعور بعدم الرضا في حين أؤدي الأشياء التي أنا موجود لأجلها في هذا العالم؟ هل أنا موجود فقط من أجل ذلك، من أجل الاستلقاء بملابس النوم والشعور بالدفء؟

ولكن هذا أكثر متعة.

هل أنت موجود لتستمع بسعادتك وليس لتعمل وتجتهد؟ ألا ترى النّباتات الصغيرة، النمل، العناكب، النحل وعملها معا لترتيب أدوارها في هذا الكون؟ هل أنت غير راغب بتأدية دورك كإنسان، ولذلك لا تسرع في فعل ما تمليه عليك طبيعتك البشرية.

لكن أليس من الضروري أيضا أن نأخذ قسطا من الرّاحة؟

بلى إنه ضروريّ، لكن للطبيعة أيضا حدود ثابتة بما يتعلق بذلك. لقد وضعت الطبيعة حدودا ثابتة للأكل والشرب، ولكنك تتجاوز هذه الحدود، وتذهب وراء ما هو كافٍّ لك. لذلك أنت لا تحبّ نفسك، فإن كنت تحبّها، ستحبّ طبيعتك وتحترم إرادتها. مثل هؤلاء الذين يحبّون فنونهم العديدة، ويرهقون أنفسهم بالعمل عليها فينسون تناول طعام وحتى الاغتسال. ولكنّك تقدّر طبيعتك الخاصة أقل من تقدير صاحب الفن لفنه، أو الراقص لفن الرقص، أو تقدير محبّ المال لماله، والمغرور لسحره الخاصّ. ومثلما يفضل هؤلاء الرجال عندما يكون لديهم شغف شديد تجاه شيء ما، الامتناع عن الطعام والشراب بدلا من إتقانه. ولكن هل الأفعال الّتي تهمّ المجتمع أكثر وضاعة في عينيك وأقلّ أهمية من عملك؟”

يتفهم أوريليوس أننا قد نكون متعبين في الصباح، وقد يكون العمل الذي ننهض من أجله مملّ ومستنزف لطاقاتنا، بل وكئيب أيضا. ولكن بجميع الأحوال، يتوجب علينا النهوض، كما يتوّجب علينا أن نكون منتجين. وبما يماثل باقي أجزاء الكتاب، كُتب هذا الجزء كدليل لتحفيز كاتبه على القيام بالشيء الصّحيح، والذي هو في هذه الحالة، الاستيقاظ لكي يتمكن من أن يحكم العالم.

والآن لابدّ من أنكم تتساءلون ما علاقة ذلك بالرواقية *Stoicism؟

يعدّ كل ما ورد مثالا ممتازا للعديد من الأفكار في التفكير الرواقيّ.

تؤكد الفلسفة الرواقيّة على أنّ الفضيلة، وهي الأهمّ، تكتسب من خلال التعايش بما يتّسق مع الطبيعة. وقد رأينا في الفقرة السابقة، تذكير أورليوس الدائم لنفسه، بأن النهوض والذهاب إلى العمل جزء من حياة الإنسان، ولذلك هو مجبر على القيام بذلك.

كما يؤمن الرواقيون أن الكون مسير بسبب إلهي، يتغلل الكون بأكمله. لذا يرى الكون وهذا السّبب على أنهم متماسكين ذاتيا وحتميين بالغالب. لكل شيء في هذا الكون طبيعة، تساهم كجزء من التّماسك الذّاتيّ ككلّ. ولكي يعمل العالم بشكل صحيح، يجب أن يعيش كلّ شيء وفقا لطبيعته. وإذا لم تفعل ذلك، فسوف لن تكون مفتقرا للفضيلة فحسب، ولكنك ستصبح غير سعيد أيضا. لذا تذكر أنّه بينما تشعر بالدفء بالبقاء في سريرك، ستكون النتيجة على المدى الطويل، سعادة أقلّ.

يشير أوريليوس أيضا إلى “حبّ” طبيعته وذاته عدّة مرات. يرتبط ذلك بأحد الأهداف العليا للرواقية، فبينما لا يستطيع معظمنا تجاهل كلّ ما يحدث له، وغالبا ما يلعن الأحداث العشوائية تلك، تستطيع قلّة قليلة فقط أن تضع نفسها بتناغم كامل مع السبب الإلهي. ولا يقف هؤلاء عند تحمّل كل ما يحدث فقط، بل يفهمون لماذا توجّب حدوث ذلك ولماذا هو جيّد حدوثه. وهم من يطلق عليهم اسم “الحكماء sages”.

يذكر الفيلسوف الفرنسيّ بيير هادوو Pierre Hadot، أنّ الحكيم المثاليّ هو الذي “يستطيع في كل لحظة، وبشكل قاطع أن يجعل سببه متّسق مع السّبب الكونيّ، وهذا هو الحكيم الذي يفكّر وينتج العالم”. الحكيم، يرغب بشدّة لأي لحظة أن تحدث كما تحدث، وكما يجب أن تحدث. إنهم بحالة تناغم مع طبيعتهم، يحبونها، ويعيشون باتساق معها، حتى لو كان من الجيد البقاء في السّرير.

يتوسّع ماركوس أورليوس في طرح هذه الفكرة بقسم آخر من الكتاب، متحدثا كمحبّ للقدر، محاولا أن ينظر لكل ما يلقيه العالم عليه على أنه جيد ولابدّ منه:

كل ما يتوافق معك، يتوافق معيّ أيها العالم! لا شيء يحدث في توقيتك، يكون باكرا جدّا أو متأخّر جدا بالنسبة إلي. كلّ ما أنتجته فصولك أيّتها الطبيعة، هي ثمار بالنسبة إلي. كل شيء يأتي منك، كل الأشياء هي بداخلك، وكل شيء يسير نحوك.

على الرغم من كل ما ذكر، علم أورليوس أنه ليس حكيما، لذا هو مضطر لتذكير ذاته، لماذا هو محتاج إلى النهوض من سريره، من وقت لآخر.

صممت الرواقية كفلسفة عملية للغاية؛ لمساعدة الناس على فهم العالم، ارتباطهم به، وكيف يجب أن يعيشوا فيه. وفي حين أنها قد لا تكون قادرة على الإجابة عن معظم الأسئلة النظرية التي تمت مناقشتها في هذا المقال، إلا أن بإمكانها مساعدتك على العيش بشكل جيد.

وبالنهاية، يمكننا جميعا التعلم من حكمة ماركوس أوريليوس، وطريقته لكي يشعر براحة أكبر عند الاستيقاظ في الصباح الباكر. وبالرغم من أنه قد لا يكون بإمكاننا أن نصبح حكماء أو حتى قريبين من ذلك، لكننا بالتأكيد سنشعر بالراحة حين نعلم، أن أحد ملوك العالم أيضا احتاج للمساعدة بعملية النهوض، كما نكافح نحن للقيام بذلك يوميا.

لذا حاول تذكر ذلك في المرة القادمة، عند استيقاظك باكرا ومحاولتك النهوض من سريرك.

الرواقیة ھي مدرسة فلسفیة ھلنستیة تأسست في أثینا من قبل زینون الرواقي في أوائل القرن الثالث قبل المیلاد. ویعتقد الرواقیون بشكل أساسي أن العواطف ناجمة عن أخطاء في الحكم، وأن إنساناً حكیما، أو شخصا یملك “الكمال الأخلاقي والفكري،” لن یعاني مثل ھذه المشاعر.

المصادر: 1 - 2