ما هي الفلسفة العربية؟

إن العالم الإسلامي يحتوي على مدى شاسع وفريد من التقاليد الفكرية

عن بيتر آدمسون، أستاذ الفلسفة القديمة والفلسفة العربية في جامعة لودفينغ ماكسيميليان في ألمانيا:

دعوني أعترف لكم بأنه لأمر هزليّ أن مجالًا أكاديميًا لا يُمكنه أن يُحددّ إسمًا لنفسه، هذا يُذكرّنا بمشهد سخيف وشائع في الحياة الجامعية: إجتماع اللجنة المُطوّل لتحديد ما يجب أن تكون عليه هذه اللجنة، النزاع على لقب الرئيس، المناقشة الحماسية حول أين سيتم وضع الفاصلة، إلى جانب ذلك، يُمكن أن تكمن الخلافات الفكريّة الجادّة حول التسميات مثلما يحصل في مجال تخصصي والذي يُطلَق عليه كل من “الفلسفة العربية” و”الفلسفة الإسلامية”، المناقشة حول هذا الموضوع مُعقّدة جدًا، فخلال مشاركتي في تحرير سلسلة كتب “رفيق كامبريدج”، قرأت إحدى مراجعات الكتاب “رفيق كامبريدج للفلسفة العربية” والتي إقتصرت على الشكوى من العنوان ولم يتم التطرّق فيها لشيء آخر تقريبًا.

“رُغم جمال عبارة “الفلسفة العربية” فإنها قد تبدو للبعض مُثيرة للجدل كونها تُشير بشكل مباشر إلى كل النصوص الفلسفية المكتوبة باللغة العربية وهنا يُساء تفسيرها لتُعطي إنطباعًا سلبيًا، سبب سوء التفسير هذا يعود إلى أن نسبة كبيرة من الأشخاص يَعتقدون أن كلمة العربية تُرادف كلمة العرب وهذا ليس بصحيح، ففي الواقع مُعظم الكتابات الفلسفية العربية كُتبتْ على يد أشخاص ليسوا عربا كالفارابي (لُغته الأم هي التركية) وإبن سينا (لغته الأم الفارسية) وهما من الدُعاة اللاحقين للفكر الأرسطي.

إنّ تعريف مجال فلسفي من خلال لغة كما هي الحال في مجال الفلسفة العربية يبدو غريب وغير نموذجيّ في تاريخ الفلسفة، إنّنا نميل إلى تعريف الفلسفة من خلال التطوّرات الثقافية كفلسفة عصر النهضة أو حسب التسلسل الزمني كالفلسفة القديمة، القروسطية والفلسفة الحديثة كما أنّه من الشائع أن يتم تعريف فلسفة معيّنة حسب الأماكن الجغرافية كالفلسفة الهندية والتي أصلها من الهند ومكتوبة بالعديد من اللغات، نذكر أيضًا الفلسفة الصينية والتي من الممكن أن تبدو كتسمية لُغويّة إلّا أنّها تُشير إلى المكان الجغرافي وليس للفلسفة المكتوبة باللغة الصينية.

لما اذًا نستثني الفلسفة العربية ونضعها في نموذج مُختلف عمّ ذُكر؟ (عدا عن حقيقة أن الأشخاص الذين يعملون في هذا المجال بحاجة إلى إتقان اللغة العربية)

فلنحاول أن نفهم أصل عبارة الفلسفة العربية، العبارة ضمنًا تُشير إلى فلسفة لغويّة بدأت عندما تُرجمت الأعمال الفلسفية اليونانية إلى العربية ابتداءً من القرن الثامن الميلادي، لذا فهي لا ترتبط بالعرب تحديدًا كما يُساء فهمها إنّما باللغة نفسها وبالأعمال الفلسفية التي كُتبت باللغة العربية، أما بقيّة المعارضين على هذه العبارة فهم قد يكونوا مُعترضين على فكرة أن كل ما هو فلسفي في الثقافة الإسلامية قد نما من الحكمة اليونانيّة وما تُرجم منها إلى العربية.

إنّ سبب الحديث عن “الفلسفة في العالم الإسلامي” هو تجنّب الإستبعاد المُسبق لمواضيع محل بحث، كما لو أنها إشكالات أشخاص آخرين.

هؤلاء النقّاد هم من مؤيدي تسمية هذه الفلسفة بالإسلامية بدلًا من العربية، هم يريدون التشديد على مركزيّة وإزدهار الفلسفة الإسلامية وبحسب رأي النقّاد فرُغم كون العديد من العلماء في هذا المجال قد قرأوا مؤلفات أرسطو وغيره من اليونانيين الذين تمّت ترجمة مؤلفاتهم للعربية، تبقى رسالة القرآن أولى ما يجب أن يقرأه العلماء ولا يجب أن يقتصر إطّلاعم على مؤلفات الأرسطيين مثل إبن سينا وإبن رشد فحسب، بل أيضًا كتابات اللاهوتيين والمتصوفين، تمهيدًا لموضوعهم فهم يشيرون إلى أنّه مع ظهور التاريخ الإسلامي قد تم إنتاج المزيد من الأدب الفلسفي باللغة الفارسية بدلًا من (أو بالإضافة إلى) اللغة العربية، لقد كتب إبن سينا مُسبقًا مُختصرًا لفلسفته باللغة الفارسية، نرى كذلك شخصيات مثل السهروردي المقتول مؤسس حكمة الإشراق الفلسفية والذي كُتبت باللغتين العربية والفارسية، مع أن النصوص الفارسية مليئة بالكلمات العربية المستعارة من مصطلحات إبن سينا.

إن مؤيدي عبارة الفلسفة العربية بإمكانهم التخصص في مفكرين من العصور الأولى منذ بداية حركة الترجمة وحتى القرن الثاني عشر ميلادي، يمكن كذلك لمؤيدي عبارة الفلسفة الإسلامية العمل في نفس الحقبة لكنهم مُلزمون بالإطّلاع على التطورات اللاحقة حيث كانت لا تزال الفلسفة الإسلامية تُكتب باللغتين العربية والفارسية، كفكر السهرودي وحقبة الإمبراطورية الصفوية في إيران، قد يصلون برأيهم هذا إلى حد تعريف الفلسفة الإسلامية على أنها فلسفة فارسية أو فلسفة بلاد فارس وربما قد يقترحون أن الفلسفة الإسلامية تبنّاها مُقيمو بلاد فارس الكبرى.

أمّا من منظوري الشخصي فإنني أعتقد أن كلا طرفي النقاش على حق في بعض النقاط وكذلك فإنهما على خطأ في نقاط أخرى، مثلما حاججت في موضوع آخر، الباحثين في هذا المجال قد تعنيهم نقاشات المُتحدّثة الإسلامية، بشكل عام فإنّهم سينظرون إلى ما وراء الإرتباط المباشر ما بين الفلسفة اليونانية وترجمتها إلى اللغة العربية، لذا فإن عبارة الفلسفة العربية ضيّقة للغاية في نطاقها وقد تعني إستمرارية ترجمة الفلسفة القديمة من اللغة اليونانية أو اللاتينية إلى العربية، إلى جانب ذلك، فإنّ نصوص الفكر الهيليني خُطّت بلُغات ليست عربية بل بالفارسية، السريانية والعبرية.

من العجب تعريف مجال على أنّه يشمل إحدى النصوص لشخصية فلسفية (مثل كتاب تهذيب الأخلاق لإبن مسكوية المكتوب بالعربية حسب أرسطو) ولا يشمل نص أخر (مثل كتاب أخلاق الناصري الذي كتبه نصير الدين الطوسي وهو نص عن السياسة والأخلاق وتدبير المنزل المكتوب بالفارسية حسب إبن مسكوية)، أيضًا فإنّ شُروحات إبن رشد الشهيرة لأرسطو والمكتوبة باللغة العربية قد أُخذت من إبن جرشون باللغة العبرية.

في نفس الوقت، تُعتبر عبارة “الفلسفة الإسلامية” ضيّقة في نطاقها أيضًا كون العديد من الشخصيّات التي شاركت في هذا المجال الفلسفي هم ذوي أُصول مسيحية أو يهودية، في الواقع، المُفكّرين الذين ترجموا العلم الهيليني من اللغة اليونانية والسريانية إلى العربية هم من المسيحيين الذين تم توظيفهم للقيام بهذه المهمة من قبل النخبة المسلمة، نذكر أيضًا “مدرسة بغداد” للفلاسفة الأرسطيين، الذين سبقوا مشروع إبن رشد لكتابة شروحات أرسطو،

بالنظر إلى ما تم شرحه من قبل الفلاسفة القدامى من أعمال أرسطو نستنتج أن إبن رشد وفلاسفة مدرسة بغداد قد بذلوا طاقات عظيمة في شرّح كل صغيرة من الأعمال الجوهرية لأرسطو كالفيزياء وأطروحاته المنطقية، بإستثناء الفارابي، كل أعضاء مدرسة بغداد هم من المسيحيين، مثل إبن العبري الذي إعتَمَد على إبن سينا ومُفكّرين آخرين ما بعد إبن سينا لكتابة خُلاصة فلسفية موسوعية باللغة السريانية، لذا فمن الواضح أن وصف هذه الشخصيات بالفلاسفة المُسلمين ليس بصحيح، مثلما هو واضح إنتماء كل من هؤلاء الشخصيات إلى نفس المجال الفلسفي الذي نتحدّث عنه.

لهذا السبب فإني وآخرين في المجال أُعجبنا في العبارة الأكثر فلسفة والأقل إشكاليّة “الفلسفة في العالم الإسلامي” كونها تسمية فسيحة أكثر، على الأقل بالنسبّة لي فهي تحوي أعمال كُتبت بلغات عديدة منها العبرية والفارسية والسريانية كما العربية، كما أنّها تشمل رُموزًا مسيحية ويهودية كما الرموز الإسلامية، الفكرة من هذا المجال الفلسفي هي دراسة النتاج الفلسفي لمنطقة جغرافية وسياسة مُحدّدة في آن واحد، ليس لمجموعة لغوية أو دينية.

صحيح أن عبارة “الفلسفة في العالم الإسلامي” فسيحة النطاق، لكنني أقرّ أنها ليست بمثالية، مثلًا: ماذا بالنسبة إلى المُفكّرين الذين يعملون في أماكن وقعت تحت الحكم المسيحي والإسلامي كأنطاكيا وتوليدو؟

الفلسفة اليهوديّة على سبيل المثال، تمّ التطرُّق فيها للفلاسفة الذين كانوا قبل سقوط الأندلس، أما أولئك الفلاسفة فيما بعد سقوط الأندلس وكذلك الذين هاجروا من إسبانيا والبرتغال إلى أماكن أخرى من العالم المسيحي اللاتيني وعملوا في نفس المجال لم يتم شملهم ضمن الفلسفة اليهودية، إذ فهي مُجتزأ منها.

لكن بما أن القضايا الإشكاليّة في هذه التسمية “الفلسفة في العالم الإسلامي” أقل وحتى إن لم تكن مثاليّة، فهي تُشير إلى مجال فلسفي رَحب وشامل لا إستبعاد فيه، إنّ سبب الحديث عن “الفلسفة في العالم الإسلامي” هو تجنّب الإستبعاد المُسبق لمواضيع محل بحث، كما لو أنها إشكالات أشخاص آخرين، هذا ما أقترحه لنُهدّئ من روعنا ونُتابع للوصول إلى ما هو أكثر أهميّة من التسمية، كتفسير وترجمة أكبر عدد مُمكن من النصوص من هذا التراث الثري، من خلال هذا نتمكّن من وضع الفواصل في مواضعها الصحيحة.

المصادر: 1