سيكولوجية إدارة الكوارث: كيف نتفاعل في الأوقات المضطربة؟

في أوقات الاضطراب يتعرض عدد كبير من السكان إلى عوامل خارجة عن سيطرتهم وعلى الرغم من الجهود المبذولة على المستوى المحلي لإبقاء الوضع تحت السيطرة إلا أن ذلك قد يؤدي إلى أضرار نفسية وعاطفية على المدى البعيد. في تلك الظروف الخاصة سوف نلقي نظرة على الجوانب النفسية لإدارة الكوارث.

تحاول دول العالم جاهدة أن تحتوي انتشار فيروس كورونا الجديد منذ أن أعلنته منظمة الصحة العالمية كجانحة عن طريق إجراءات الغلق والحظر مثل إغلاق المنشآت والمؤسسات العامة كالمطاعم والصالات الرياضية والمتاحف بالإضافة إلى مناشدة السكان الالتزام بالمنزل وتقليل الاختلاط الاجتماعي أو التخلي عنه تماماً واقتصاره على أسرهم.

على الرغم من أن هذه التدابير قد ساعدت على إبطاء انتشار فيروس كورونا الجديد، إلا أنها انتجت احساساً متزايداً بالعزلة والقلق مما أثر سلباً على الصحة النفسية للسكان في جميع أنحاء العالم.

وأشار مسؤولو منظمة الصحة العالمية إلى أنه “بينما تنتشر جائحة فيروس كورونا بسرعة في جميع أنحاء العالم، فإنه يثير درجة كبيرة من الخوف والقلق والاهتمام لدى السكان بشكل عام”.

في تلك الظروف الخاصة، سوف نلقي نظرة على سيكولوجية إدارة الكوارث ونقدم لمحة عامة عن تأثير تقنيات إدارة الكوارث على الصحة النفسية والعاطفية للسكان المتضررين من الكوارث. سننظر أيضًا إلى الاستراتيجيات التي اقترحتها الأبحاث والتي يمكن أن تساعد في التخفيف من هذا التأثير.

لكن أولاً، ما هي إدارة الكوارث؟

وفقًا للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر يمكن تعريف إدارة الكوارث بأنها “تنظيم وإدارة الموارد والمسؤوليات للتعامل مع جميع الجوانب الإنسانية لحالات الطوارئ، لا سيما التأهب والاستجابة والتعافي من أجل تقليل تأثير الكوارث”.

التأهب يشير إلى السياسات والموارد التي توفرها الدول والمنظمات المختلفة في حالة وقوع كارثة.

الاستجابة تشير إلى الإجراءات التي تتخذها الدول والمنظمات لمعالجة تأثير الكارثة بمجرد وقوعها.

وأخيرًا، التعافي يشير إلى عملية الشفاء التي تحدث بعد الحدث. وينطوي ذلك على “برامج طويلة الأجل تتجاوز توفير الإغاثة الفورية”، وفقًا للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر.

تتضمن جميع هذه الجوانب من إدارة الكوارث أحكامًا رؤىً لحماية الصحة البدنية والحصول على الرعاية الأولية والموارد والدعم الاقتصادي، لكن هناك مسألة أخرى يجب أن تأخذها خطط الاستعداد والاستجابة والتعافي في الاعتبار ألا وهي التأثير النفسي للكوارث.

الكوارث وتأثيرها النفسي

لا شك أن الكوارث لها تأثير نفسي عميق على المجتمعات عالمياً سواء كانت ذات أصول طبيعية مثل الزلازل والفيضانات، أو التي يتسبب بها البشر مثل الحروب، أو بسبب الأوبئة.

في عام 2008 نُشرت في مجلة الطب النفسي مراجعة منهجية تنظر في أنواع مختلفة من الكوارث التي وقعت على مدى ما يقرب من 3 عقود – من 1980 إلى 2008. خلُصت المراجعة إلى أن العديد من الناس قد عانوا من اضطراب ما بعد الصدمة.

كما خلص مؤلفو المراجعة إلى أن “الأدلة تشير إلى أن عبء اضطراب ما بعد الصدمة بين السكان المعرضين للكوارث حقيقي ووجيه”.

أيضاً تشير دراسة أخرى نُشرت في عام 2015 في المجلة الهندية للطب النفسي إلى أن انتشار مشاكل الصحة النفسية بين الأشخاص المنتمين لمجتمعات متأثرة بالكوارث أعلى مرتين إلى ثلاث مرات من عامة السكان.

في عام 2017 نُشرت مراجعة منهجية أخرى في مجلة الصحة النفسية المفتوحة قد تشرح لماذا تتسبب الكوارث في مثل هذه الخسائر النفسية والعاطفية الفادحة بالمجتمعات على الرغم من وجود خطط طوارئ في هذه البلدان حول العالم.

بناءً على التوثيق الحالي تستنتج هذه المراجعة أن عدداً كبيراً من البلدان يفتقر إلى الاستعداد المناسب فيما يتعلق بالمنع أو الاستجابة لمشاكل الصحة النفسية التي قد تنشأ بعد وقوع كارثة.

في حين أن “معظم الأبحاث تظهر أن عواقب واضطرابات الصحة النفسية بعد الكوارث قد تم أخذها في الاعتبار في العديد من البلدان”، فإن المراجعة تحذر من “قلة الدراسات المتاحة حول الاستعدادات الخاصة بالصحة النفسية بعد الكوارث، حيث أن الوثائق المتعلقة ببرامج التأهب أو النماذج أو الأدوات الخاصة بالصحة النفسية لم تزد بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة “.

من بين الدول الأكثر عرضة لمواجهة الكوارث الطبيعية عدد قليل جدًا منها (تايلاند وميانمار على سبيل المثال) قام بتطوير برامج التأهب للصحة النفسية.

لا تزال الفئات الأكثر ضعفاً هي الأكثر حرماناً

لاحظ الباحثون الذين أجروا مراجعة 2017 نقصًا حاداً في المواد التثقيفية التي تستهدف الفئات الأكثر عرضة لاختبار مشكلات خاصة بالصحة النفسية في حالة وقوع كارثة.

كتب الباحثون “لقد وجدنا نقصًا في المعلومات حول الفئات الأكثر عرضة مثل الأطفال والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن”.

كما لاحظوا غياب الدعم الكافي للأشخاص العاملين كخط الدفاع الأول في حالة وقوع كارثة، مثل مقدمي الخدمة الصحية.

أهمية هذه الملاحظة الموجزة على وجه الخصوص أصبحت واضحة الآن بعد أن أكدت الدراسات الحالية الضغط النفسي والعاطفي الواقع على الأطباء والتمريض لتصدرهم خطط رد الفعل الطارئ لمواجهة جائحة كوفيد-19.

ما هي نقاط العمل؟

العامل الأهم المطلوب لمنع أو تخفيف تأثير وقوع الكارثة على الصحة النفسية هو الوصول إلى معلومات دقيقة ومفيدة.

كجزء من ردود الافعال العالمية لجائحة كوفيد-19، نصحت منظمة الصحة العالمية مرارًا وتكرارًا المجتمعات المتضررة “بالسعي للحصول على المعلومات فقط من مصادر موثوقة حتى تتمكن من اتخاذ خطوات عملية لإعداد خططك وحماية نفسك وأحبائك.”

يعد تقليل الوصمة حول طلب دعم الصحة النفسية أيضًا خطوة مهمة.

تظهر الأبحاث المنشورة في مجلة بيوميد سينترال للصحة النفسية في عام 2019 أن أعضاء خط الدفاع الأول في المملكة المتحدة غالبًا ما يتجنبون طلب دعم الصحة النفسية لأنهم يخشون أن يتم نبذهم بسبب وصمة العار المرتبطة بقضايا الصحة النفسية.

ويمكن أن تكون وصمة العار مؤثرة بطرق أخرى خطيرة. على صعيد جائحة كوفيد-19، شددت منظمة الصحة العالمية على أن الأشخاص الذين يعانون من أعراض محتملة للمرض قد يتجنبون الإبلاغ عن حالتهم الصحية ويطلبون الرعاية لأنهم قلقون من نبذ مجتمعاتهم لهم.

وقد لاحظ مسؤولو منظمة الصحة العالمية أنه “منذ ظهور كوفيد-19، شهدنا حالات من الوصم العام بين مجموعات سكانية معينة، وظهور صور نمطية مؤذية”.

وحذروا من أن “الوصم يعني أنه قد يتم تصنيف الناس ووضعهم في صور نمطية وعزلهم اجتماعياً، و[قد يتعرضون] لفقدان الهيبة والتمييز بسبب احتمالية حملهم للمرض”. ويضيفون: “إن للحكومات والمواطنين ووسائل الإعلام والمؤثرين الرئيسيين والمجتمعات دور مهم في منع وصمة العار. كلنا بحاجة إلى أن نكون على قدر من الوعي والتفاهم عند التواصل على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التواصل الأخرى، وإظهار السلوكيات الداعمة حول كوفيد-19”
وأخيرًا، في إحاطة رسمية، يؤكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية على أنه يجب على الأفراد التماس دعم الصحة النفسية والتضامن مع أقرانهم. كما أنه من الأهمية بمكان بالنسبة للحكومات والمنظمات تعزيز دعم الصحة النفسية على جميع المستويات.

أشار مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في إحاطته في سياق الجائحة الحالية، إلى ما يلي:

  1. يجب أن تكون هناك دعوة واسعة النطاق لخدمات الصحة النفسية الآمنة والمناسبة
  2. يجب أن يكون هناك دعم مجتمعي
  3. يجب توفير رعاية صحية نفسية أساسية فردية (كالتي يقدمها الطبيب الشخصي على سبيل المثال)، بالإضافة إلى المزيد من الرعاية الصحية النفسية المتخصصة (كالتي يقدمها الأخصائي النفسي)

أما بالنسبة لمنظمة الصحة العالمية فإن علاج حالات الصحة العقلية والنفسية يعتبر خدمة صحية أساسية تم ضمها إلى المبادئ التوجيهية التشغيلية التي نشرتها الوكالة مؤخرًا.

المصادر: 1