ما هو معنى الحياة؟ أحد أتباع داروين الوجوديين يخبرنا بأجوبته

ما الذي يخبرنا به مايكل روز عن معنى الحياة من وجهة نظره كأحد أتباع داروين الوجوديين؟

أولاً، لنتعرف بمايكل روز. هو بروفيسور فلسفة ومحرر لتاريخ وفلسفة العلوم في جامعة فلوريدا. لدى روز أكثر من 50 كتاباً قام بكتابتهم أو تحريرهم والتعديل عليهم، نذكر منهم الأكثر حداثة، مثل: عن قصد (2017)، ديانة الداروينية (2016)، مشكلة الحرب (2018)، معنىً للحياة (2019).

“لقد تمت تربيتي على أنني فرد من مجتمع مسيحي متدين بقوة، لكن حين كنت في سن العشرينيات وجدت أن إيماني قد تلاشى. سيكون من السهل القول أن هذا قد حدث لأنني اتجهت نحو الفلسفة لتكون مهنة لي على المدى الطويل كأستاذ أو اختصاصي، لكن في الحقيقة ليس هذا هو السبب أبداً.

لقد تم إقناعي في تلك الفترة أنني سأعود لأجد طريقي لإدراك القوى الإلهية عندما أصل إلى السبعين من العمر، لكنّ إيماني لم يعد أبداً، وعلى الرغم من أن عمري قد شارف على الثمانين الآن، إلّا أنني لا أرى أيّ بوادر إيمانٍ تلوح في الأفق. أشعر بنوعٍ من السلام الداخلي الآن أكثر من أي وقت قد مضى، ليس الأمر وكأنني لا أكترث بإيجاد معنى أو هدف للحياة، فأنا ما أزال فيلسوفاً! وليس الأمر أيضاً وكأن إحساسي بالسلام هذا يعني أنني راضٍ تماماً عن نفسي أو أنني أختلق أوهاماً حول إنجازاتي ونجاحاتي في هذه الحياة. في الحقيقة فأنا أشعر نوعاً ما  بالطمأنينة والقناعة التي تأتي من التدين والتي دائماً ما يخبرنا المتدينون عنها كالجائزة التي من خلالها نحقق عيشاً هنيئاً وملائماً.

لقد وصلت إلى ما أنا عليه الآن بفضل سببين غير متعلقين ببعضهما البتة. أولاً، كطالب لتشارلز داروين فأنا مقتنع تماماً -سواء أكان هناك رب أم لا- أننا (كما كان يقول عالم البيولوجيا توماس هينري هوكسلي في القرن التاسع عشر) قردة متطورة وليس مجرد كائنات تمت صناعتها من الطين (حيث كان يميل هوكسلي لاختصارها بقوله إننا قردة متطورة ولسنا طيناً متطوراً). إن الثقافة والعادات الاجتماعية بالطبع شيء مهم، لكن تجاهل ما تخبرنا به البيولوجيا هو أمر خاطئ تماماً.

ثانياً، أنا مهتم جداً بالوجودية من الناحية الفلسفية. فقد كان جون بول سارتر (بعد قرنٍ من بزوغ داروين) يقول إننا محكومون بالحرية، وأنا أوافقه الرأي بشدة، فحتى لو كان الرب موجوداً فعلاً، إن فكرة وجوده غير مؤثرة، إنه ليس معنياً بهذا الأمر، فنحن مَن نختار.

أنكر سارتر وجود ما يدعى بـ “الطبيعية البشرية”، وأنا بكل بساطة آخذ من هذه العبارة فكرة أننا أحرار، طبعاً ضمن السياق التي تفرضه الداروينية حول الطبيعة البشرية. قد تتساءلون الآن ما الذي أتكلم عنه؟ في الحقيقة، كثير من الفلاسفة اليوم لا يشعرون بالراحة حتى لطرح فكرة “الطبيعة البشرية”، إنهم قلقون من إمكانية استخدام هذه الفكرة بسرعة فائقة ضد الأقليات والمثليين والمعاقين وآخرين كثر عن طريق طرح فكرة إنهم لا ينتمون للطبيعة البشرية، أي أنهم ليسوا ببشر. لكن برأيي إن هذا يعتبر تحدياً وليس دحضاً للفكرة، فإذا كان تعريف الطبيعة البشرية لا يمكنه أخذ بعين الاعتبار أن ما يقارب 10% مننا نحن البشر يميلون لذات الجنس (مثليين) على سبيل المثال، فالمشكلة هنا ليست بالطبيعة البشرية حقاً، بل بتعريفنا لها.

إذاً ما هي الطبيعة البشرية؟ في منتصف القرن العشرين كان من الشائع طرح فكرة أننا لسنا سوى قتلة من القردة العليا، حيث نستطيع صناعة الأسلحة، ثم نصنعها بالفعل ونستخدمها أيضاً. لكن علماء العصر الحديث الذين يدرسون ويجرون تجارب على القردة لفهم جوانب تطورية أخرى من تصرفاتهم، يخبروننا مثلاً أن القردة العليا تميل إلى ممارسة الجنس أكثر بكثير من العراك فيما بينها.

إننا لا نتصرف بانسيابية طبيعية حين نصنع حروباً. أنا لا أنكر مطلقاً أن البشر ميّالين للعنف، لكن ما أقوله أن جوهر طبيعتنا البشرية يتجه بالاتجاه المعاكس تماماً لما يحصل فعلاً. إن كلّ طبيعتنا تتمحور حول تكاتفنا الاجتماعي، حول قدرتنا على الاختلاط وتكوين مجتمعات، فنحن لسنا سريعين، لسنا أقوياء، كما أننا ضعفاء جداً عندما يكون الجو سيئاً مثلاً، لكننا تمكننا من النجاة والنجاح لأننا نعمل معاً. في الحقيقة إن شحّ أسلحتنا الطبيعية في مواجهة الظروف يؤكد على أننا لا يمكن أن نحصل على كل ما نريد من خلال العنف، يجب علينا أن نتعاون.

ليس الداروينيون من اكتشفوا هذه الحقيقة، حيث يمكنكم مراجعة أحد قصائد الشاعر الميتافيزيقي جون دون عام 1624 حيث كتب:

لا يمكن اعتبار أي بشري جزيرة بحالها
كل واحد منا هو جزء من قارة أعظم
جزء من أصل
إذا جرفت مياه البحر التراب يوماً ما
أوروبا بأكملها تصبح ضعيفة
كذلك أيضاً حال عزبة صديقك
أو حتى عزبتك أنت
إن موت أي بشري يعنيني أيضاً
لأنني معني بكل نوعنا البشري
لذلك لا تسأل مطلقاً لأي جنازة تقرع الأجراس اليوم
إنها تقرع لك أنت

إن نظرية التطور ترينا أن اتحادنا في الحقيقة هو كل ما يتمحور حوله الأمر تاريخياً، وأنه القوة التي نواجه بها الطبيعة. تقترح نظرية التطور عدم وجود مستقبل أبدي أو سرمدي، وإنه إن وجد فهو ليس متعلقاً بما يحصل هنا الآن. بدلاً من ذلك، يجب علينا أن نعيش حياتنا إلى أقصى حد ممكن، ضمن السياق المتحرر لطبيعتنا البشرية من وجهة النظر الداروينية. وأنا لا أرى إلا ثلاث طرق أساسية حتى نتمكن من فعل ذلك:

أولاً، العائلة. البشر ليسوا مثل ذكور قرد الأورنغوتانس، الذين يبنون حياتهم العائلية بشكل رئيسي عن طريق الجنس العابر لمرة واحدة. حيث نرى ذكر هذه القرود يتهيّج جنسياً، ينجز العملية الجنسية، يشبع رغباته، ثم يترك شريكته ويختفي. حيث تقوم الأنثى التي لقحها بالولادة وتربية الأطفال بمفردها تماماً. هذا منطقي وممكن ببساطة لأنها تستطيع ذلك، إذا لم يكن باستطاعتها فعل ذلك بمفردها تماماً لكان عند الذكر من منطق بيولوجي اهتمام في البقاء لمساعدتها في هذه العملية. إن ذكور الطيور تساعد في العمل في العش، لأن طبيعة العش المكشوفة على الشجرة تجعل من الضروري للصغار أن ينموا بأسرع وقت ممكن ليكونوا بمأمن. بالنسبة للبشر، فهم يواجهون نوعاً مختلفاً من التحديات، لكن ينتهي بهم الأمر مثل الأنواع الأخرى.

لدينا أدمغة كبيرة بحاجة لوقتٍ كافٍ لتتطور، صغارنا لا يمكنهم الدفاع عن أنفسهم في غضون الأسابيع أو الأيام التي تلي ولادتهم، لذلك يحتاج البشر لكثير من العناية الأبوية، وطبيعتنا البيولوجية تجعلنا ملائمين أكثر في الحياة البيتوتية؛ شريك أو زوج، ذرية ونسل، أبوين، كل هذا وأكثر. إن الرجال لا يجرون عربات أطفالهم فقط صدفة أو بشكل عبثي، ولا يتباهون أمام رفاق العمل أن أحد أبنائهم قد تمكن من الدخول إلى جامعة هارفرد مثلاً بلا سبب منطقي، إن هذا كله بسبب طبيعتنا البيولوجية.

ثانياً، المجتمع. زملاء العمل، المتبضعون في البقالة، المعلمون، الأطباء، موظفو الفنادق، والجميع، حيث تطول هذه القائمة إلى ما لانهاية. إن مكمن قوتنا التطورية هو عملنا سوياً، مساعدة الآخرين وتوقع المساعدة منهم. أنا معلم، ليس فقط لأولادي، بل لأولادكم أنتم ولآخرين كثر أيضاً. أنت طبيب، أنت تقدم الرعاية الطبية ليس فقط لأطفالك، بل لأطفالي وأطفال آخرين كثر أيضاً. بهذه الطريقة، كلنا نستفيد. كما يشير آدم سميث عام 1776 أن لا شيء مما يحصل اليوم يحصل بالصدفة أو لأن الطبيعة قد صارت بشكل مفاجئ رؤوفة معنا: “إن هذا ليس بسبب العمل الخيّر والخدمات التي يقدمّها اللحام لنا، أو التي يقدمها صانع الجعة أو حتى الخباز الذي نتناول عشاءنا بفضله، بل بسبب اهتمام كل واحد منهم بمصلحته الشخصية على حد سواء.” هذا ما يقتبسه سميث من كتابه اليد الخفية (the invisible hand). الأمر الذي تعزيه الداروينية إلى التطور من خلال الانتقاء الطبيعي.

على الرغم من أن الحياة قد تكون صعبة وعبئاً ثقيلاً في بعض الأحيان، لكن البيولوجيا تؤكد لنا أننا عموماً نتكيف مع أعمالنا، وتصبح تأديتنا لأعمالنا جزء من حيواتنا الممتلئة والمتكاملة. جون ستيورات ميل يخبرنا بالضبط عن هذه الفكرة، ففي عام 1863 قال: “عندما لا يجد الناس السعيدون فعلاً في ظروف حياتهم المادية متعة كافية تحثهم على جعل الحياة ذات قيمة أو معنى بالنسبة لهم، لأنهم ببساطة عادةً لا يهتمون لأحد غير أنفسهم”.

ثالثاً، الثقافة. أعمال الفن والترفيه، التلفاز، الأفلام، المسرحيات، الروايات، اللوحات، وصولاً إلى الرياضة. ألا تلاحظ أن كل هذه الأعمال أنشطة اجتماعية جداً؟

مسرحية روميو وجولييت، هذان الشابات اللذان وقعت عليهما لعنة الحب. مسلسل الجريمة والدراما الأمريكي المشهور ذا سوبرانوس (the sopranos) حول عائلة موب المثيرة للاهتمام. لوحة الرسام روي ليكنتستاين الشهيرة لفتاة على الهاتف تقول: “اوه، جيف.. أنا أحبك أيضاً.. ولكن..”. الحدث الرياضي حين هزمت إنكلترا أستراليا في رياضة الكريكيت. كل هذه الأنشطة معاً.

يوجد بعض التطوريين الذي يشككون بالارتباط الوثيق بين الثقافة والبيولوجيا، حيث يميلون لرؤية الثقافة كشيء تم إنتاجه عرضياً أو أثر جانبي للتطور، الأمر الذي أطلق عليه ستيفن جاي غولد عام 1982 لقب (Exaptation) (وهو مصطلح نستخدمه في البيولوجيا التطورية حين نصف شيء قد تغيرت طريقة استعماله عن الطريقة الأصلية التي تم بنائها بواسطة الانتقاء الطبيعي). هذا بالطبع قد يكون صحيحاً من بعض الجوانب، لكن ليس من جميع الجوانب.
داروين اعتقد أن الثقافة قد يكون لها علاقة بالانتقاء الجنسي؛ فأسلافنا مثلاً استخدموا الأغاني والألحان الموسيقية لجذب الشركاء الجنسيين. يوافقه شيرلوك هولمز الرأي (وهو شخصية خيالية في كتاب a study in scarlet)، حيث يخبر هولمز الطبيب واتسون (شخصية خيالية من نفس الكتاب) أن القدرات الموسيقية تسبق قدرة الحديث، وحسب داروين: “قد يكون هذا هو السبب أننا نتأثر جداً بالموسيقى. يوجد نوع من الذكريات الضبابية في أرواحنا من تلك العصور الغابرة حيث كان العالم ما يزال في طور طفولته المبكرة”.

لشرح الصورة كاملة الآن، لقد حظيت بحياة عائلية متكاملة، زوجة محبة وأطفال. لقد كنت بروفيسور في جامعة لـ 55 سنة، قد لا أكون قد أتممت عملي بالمهارة التي يجب عليّ إتمامه بها في جميع اللحظات، لكنني لا أكذب أبداً حين أقول إن صباح الاثنين كان وقتي المفضل من الأسبوع. قد لا أكون فناناً مبدعاً كثيراً، ولست متمكناَ أو منخرطاً جدا في الرياضة، لكنني قمت بإتمام تعليمي وعملي وشاركت معرفتي مع الآخرين. لماذا قد أكون أكتب ما أكتبه الآن لغير ذلك؟ لقد استمتعت بصحبة رفاقي في العمل، استمتعت بالأداء الرائع لمقطوعة موزارت الرائعة (زواج فياغرو)، وهذا الأداء المدهش بالنسبة لي هو الجنة حرفياً.

هذا هو معنى الحياة، حين أقابل الرب الذي لا أؤمن بوجوده، سأذهب وأقول له: “الله، لقد أعطيتني مواهب كثيرة في الحياة، ولقد حظيت بكثير من المرح في استغلالها. شكراً لك، أنا لا أحتاج أكثر من ذلك” كما قال جورج ميريديث في قصيدته (في الغابات) عام 1870.

إن عاشق الحياة يعرف جيداً عمله السماوي، ويعيش معه بتناغم وسلام.”

As I near my 80th year, I have the meanings to my life, thanks to the combined powers that be of Darwin and Sartre

المصادر: 1