ما هو دور الوحدة وأنماط العلاقات الحميمية في استخدام المراهقين للمواقع الإباحية؟

ما الذي يخبرنا دايفيد لودن به، الحائز على دكتوراه في علم النفس وبروفيسور في جامعة جورجيا غوينيت، حول استخدام المراهقين للمواقع الإباحية في حواره مع صحيفة Psychology Today؟

“خلال فترة مراهقتي، في ستينيات وسبيعينات القرن الماضي، لطالما كانت الإباحية موضوعاً يعرف عنه جميع المراهقين، إلّا أن خبرتهم فيه كانت ضئيلة جداً. حتى إن بعض متاجر البقالة كانت تبيع ما يسمى بمجلات الرجا (gentlemen’s magazines)، والتي كان يتم تخزينها وراء طاولة المحاسبة، وتُغَطَّى أغلفتها، فكل ما تتمكن من رؤيته هو عناوين مثل بلاي بوي (playboy) وبينهاوس (Penthouse) وما إلى ذلك.

في أحد المرات، حينما كنت منضماً إلى الكشافة. كنا أنا وأصدقائي نقوم بمهمة لإعادة تدوير الورق، عندما وجدنا صدفةً مجلة عُري، خبأناها في الشاحنة آن ذاك، وما أن انشغل المرشد عنا قليلاً، حتى بدأنا نسترق النظرات للنساء العاريات بوضعياتهن المغرية.

في نهاية ذلك النهار، اقتص أحد الصبية واحدة من الصور المثيرة وخبأها تحت قميصه ليأخذها معه إلى المنزل، حيث كانت مثل هكذا صورة تعتبر كنزاً لا يقدر بثمن لمراهق في تلك الأوقات.

حالياً، لن تكفيك حياتك بأكملها إذا أردت الاطلاع على كل المحتويات الإباحية المتوفرة على الانترنت، والأمر لم يعد يقتصر على مجموعة صور عري في وسط المجلات، بل توسّع ليشمل فيديوهات لأناس حقيقيين يشاركون بأنشطة جنسية متنوعة قد لا يخطر بعضها على بالك، ومعظم هذه الفيديوهات متوفرة بدقة عالية وبالمجان.

إنه من الطبيعي جداً أن يكون المراهقون فضوليين حول الجنس، وبما أنهم الشريحة الأكبر التي تستخدم الانترنت يمكنك التأكد أنهم مستهلكون بكثرة للمواد الإباحية الإلكترونية.

نشرت صحيفة Psychological Reports مؤخراً مقالاً لعالما النفس الإسرائيليان؛ يانيف ايفراتي ويائير اماتشي-هامبورغر يناقشان فيها الأسباب التي تدفع المراهقين للتوجه للمواقع الإباحية الإلكترونية.

من أجل هذه الدراسة، قام الباحثون بجمع استبيانات من أكثر من 700 مراهق اسرائيلي تتراوح أعمارهم ما بين 14 إلى 18 سنة، حيث تضمنت هذه العينة أعداداً متساوية تقريباً من الإناث والذكور.

بالطبع تم أخذ موافقة كتابية من قبل أهل كل مشارك في هذا الاستبيان.

أشارت دراسات سابقة حول ارتفاع تواتر استخدام البالغين للمواقع الإباحية إلى سببين رئيسيين.

أولاً، الوحدة. تبيّن أن العديد من الراشدين يستخدمون المواد الإباحية الإلكترونية كوسيلة للتخفيف من الضغط الجنسي الذي يشعرون به عندما لا يمتلكون شريكاً يتمكنون من ممارسة الجنس معه، أو أنهم فقط يفعلون ذلك لتفادي التعامل مع المشاعر السلبية النابعة من وحدتهم.

أما العامل الثاني فهو نمط العلاقات للشخص، حيث يشير هذا المصطلح إلى الطريقة التي يبحث بها الشخص عن علاقات حميمية مع الآخرين وما هي طرقه للحفاظ عليها. إن أولئك المشاركين بأنماط آمنة وصحية من العلاقات يجدون متعة وعزاء في آن معاً خلال تفاعلهم مع شركائهم أو أصدقائهم فلا يجدون حاجة ملّحة لاختبار نوع آخر من النشاط الجنسي.

أمّا أولئك الذين يناضلون بشكل مبالغ فيه للحصول على شريك حميم، والذي ينتهي بهم الأمر بإنهاء علاقهم بهذا الشريك نتيجة بعض مخاوفهم من هذه العلاقة المتأرجحة والمتوترة، وأولئك الذين تفشل علاقاتهم دوماً بسبب تجنبهم المقصود للحميمية في العلاقة وسعيهم المستمر للاعتماد على أنفسهم والتركيز عليها فقط، تنقصهم دوماً المتعة والعزاء الذي يحظى به النوع الأول.

ما أثار فضول الباحثين هو إذا ما كان هذان العاملين المؤديين لزيادة استخدام الراشدين للمواقع الإباحية ينطبقان أيضاً على المراهقين.

بالإضافة لهذين العاملين، ركّز الباحثون على سببين آخرين قد يوضحان واقعة استخدام المراهقين للمواقع الإباحية أكثر.

الأول هو ما أُطلق عليه اسم (التجربة الجنسية الواقعية) (offline sexual experience) والتي تشير إلى ممارسة العملية الجنسية مع الشريك بشكل فيزيائي وعلى أرض الواقع، فمن الممكن أن يكون لجوء المراهقين للمواقع الإباحية ليس إلا تعويضاً عن غياب تجربة جنسية واقعية.

أما العامل الثاني كان (التدين) (religiosity)، فعند الراشدين، استخدام المواقع الإباحية عند المتدينين كان أقل بشكل من ملحوظ من أولئك غير المتدينين، الأمر الذي ينطبق على المراهقين أيضاً.

إن ما تم التوصل إليه من نتائج قد يكون صادماً لبعض الآباء، مع أنهم كانوا متقبلين للنتائج المحصودة من الدراسات التي أجريت على البالغين.

أولاً، حوالي نصف المراهقين الذين قاموا بملء الاستبيان صرّحوا أنهم بالفعل منخرطون بعلاقات جنسية حقيقية على أرض الواقع. أيضاً، حوالي النصف هم بالحقيقة مستخدمون للمواقع الإباحية بشكل منتظم. تحليل البيانات يوضح أن الناشطين جنسياً والمستخدمين للمواقع الإباحية كانوا بالغالبية هم نفس الأشخاص، أي أن المراهقين الذين يتمتعون بحياة جنسية على أرض الواقع هم أيضاً ناشطين جنسياً على الانترنت، وهذا لا يشمل فقط مشاهدة المواد الإباحية، بل أيضاً أفعال أخرى مثل المراسلات الجنسية(sexting).

هؤلاء لا يستخدمون المواد الإباحية كتعويض عن الجنس، بل كسبيل إضافي لتعزيز حياتهم الجنسية.

أما أولئك المتدينين، فقد تزامن لديهم قلة بالنشاط الجنسي الواقعي والإلكتروني على حد سواء. وبالنسبة للذين وصفوا أنفسهم أنهم متدينين بشراسة، لوحظت ميولهم للامتناع عن أي نشاط جنسي مهما كان نوعه.

أما المراهقين الذين كانوا ناشطين جنسياً (في حياتهم الواقعية أو على الانترنت) كانوا ميّالين لوصف أنفسهم بأنهم غير متدينين.

حين تم التطرق لتأثير أنماط العلاقات الحميمية، فقد كانت معظم أجوبة المراهقين مشابهة جداً لنظرائهم من الراشدين. حيث نرى أن المراهقين المنخرطين بعلاقات آمنة وصحية يميلون للجوء إلى الإباحية بشكل قليل جداً، وتكون معظم المرات التي يفعلون بها ذلك حين يختبرون مراحل متقدمة جداً من الشعور بالوحدة.

يعتقد المؤلفون أن أولئك المنخرطين بهذا النوع من العلاقات يقومون بتلبية معظم حاجاتهم الجنسية خلال علاقاتهم مع نصفهم الآخر، ومثل الراشدين المنخرطين بهذا النوع من العلاقات تماماً، كانت الإباحية بالنسبة لهم ليست سوى بديل مؤقت وليس أكثر من ذلك.

لوحظ ارتفاع معدل استخدام المواد الإباحية الإلكترونية عند المراهقين المنخرطين بعلاقات غير متزنة أو متوترة، وذلك بغض النظر عن مستويات الوحدة التي عانوا منها. يكون هذا النوع من الأشخاص غالباً متطلباً في علاقاته، كما أنهم يميلون للانخراط بسلوكيات جنسية قد تكون خطيرة لجذب الشريك والمحافظة عليه، رغم شعورهم في النهاية بعدم جدارة شركائهم بهذه السلوكيات.

إن هذا النوع من الأشخاص يتبنى أسلوباً جنسياً عالي المستوى للتفاعل مع الآخرين ليس بسبب شعورهم بالوحدة، بل بسبب خوفهم من أن يعانوا من الوحدة ما لم يفعلوا ذلك.

أما النوع الثالث، أي المراهقين المتحاشين للارتباطات الحميمية، يظهر لديهم مستوى متوسط من استخدام المواد الإباحية الإلكترونية، ومعظم نشاطهم الجنسي على الانترنت يستمد أسبابه من حقيقة شعورهم بالوحدة.

هؤلاء يميلون لإنكار حاجتهم لعلاقات شخصية قوية في حيواتهم، ويفضلون أن يكونوا مكتفيين بأنفسهم بدلاً من ذلك. يعتقد الباحثون أن هذا النوع لا يلجأ لنشاط جنسي حقيقي أو إلكتروني إلا عندما يصبح الشعور بالوحدة لديه عالياً جداً للدرجة التي يحطم بها طرق دفاعه عن نفسه ضدها، لذلك يبحث عن نشاط جنسي كنوع من العزاء لا أكثر.

في النهاية، تظهر لنا هذه الدراسة أن النشاط الجنسي للمراهقين –سواء كان إلكترونياً أو على أرض الواقع- ليس سوى انعكاساً لنشاط نظرائهم من الراشدين. كما تقترح الدراسة فكرة طالما تم الاشتباه بصحتها، ألا وهي تكوّن هذه الأنماط السلوكية لدى الراشدين منذ فترة مراهقتهم.

بالنسبة للعصر الذي ولدت ونشأت فيه، كان من المحرمات التطرق حتى إلى موضوع الجنس، أما في وقتنا الحالي، وكما يشير المختصون، استخدام المواد أو المواقع الإباحية لدى هذه الأجيال أصبح طبيعياً تماماً.

حتى أنهم يمتلكون آراءً جنسية أكثر انفتاحاً بالعموم من جيل آبائهم. إننا نؤذي أبنائنا حقاً حين نرسل لهم رسائل سلبية حول طرائقهم الجديدة بالتعامل مع الجنس، إن ما يجب علينا فعله حقاً هو إرشادهم لأنماط سليمة من السلوكيات الجنسية القادرة على تلبية متطلباتهم مدى الحياة.”

المصادر: 1