هكذا كانت تبدو الفواكه والخضروات قبل التدخل البشري

في عصرٍ حيث كل ما نأكله تقريباً يتكون من قائمةٍ واسعةٍ من المكونات، من الجيد تناول فاكهة أو خضار بسيطة.

ومع ذلك فإن الفواكه والخضروات التي نعرفها ونحبها أكثر تعقيداً مما تعتقد.

لكنها لم تكن دائماً كذلك. في الحقيقة، استغرق الأمر عقوداً من التدخّل البشري لتحويلها إلى قطعٍ صغيرةٍ لذيذةٍ وغنيةٍ بالمواد الغذائية كما هي اليوم.

لطالما استخدم المزارعون والمهندسون الغذائيون ومصنعو الأغذية الانتخاب الاصطناعي والتهجين، وفي الآونة الاخيرة، استخدموا الهندسة الوراثية لتحويل الفواكه والخضروات التي نتناولها إلى إصدارات أفضل مما كانت عليه.

ولفهم كيف شَكَّلت هذة العملية طعامك، عليك اولاً أن تفهم كيف تعمل.

الانتخاب الاصطناعي

يحدث الانتخاب الاصطناعي عندما يأخذ البشر بذوراً من أكثر الأنواع المرغوبة من الفواكه والخضروات ثم يقومون بزراعتها.

يمكن أن يؤدي تكرار هذه العملية مراراً و تكراراً إلى ظهور مجموعةٍ جديدةً متنوعة تحتوي على السمة الوراثية التي تبحث عنها، مثل بطيخ العصير او ذرة السمنة.

التهجين

يحدث التهجين عندما يقوم البشر بمزاوجة نباتين مختلفين بعض الشيء معاً للحصول على فواكه أو خضروات هجينة.

إذا كنت قد تناولت تانجيلو “فاكهة تشبه البرتقال” أو قلنباق “فاكهة النجمة ” أو ليمون (ماير) “فاكهة تشبه الليمون ولكن لها شكل دائري و أقل حموضة”، فقد اكلت طعاماً هجيناً.

الهندسة الوراثية

هي عملية فصل الحمض النووي للنبات من أجل استهداف جينات معينة واستبدالها مباشرة، بالإضافة لذلك فإن العديد من أنواع التفاح والبطاطا والذرة الحديثة تم إنتاجها من خلال التعديل الوراثي.

ولكن قبل أن تظهر هذة العمليات، هذا ماكانت تبدو عليه بعض أكثر الخضروات و الفواكه شيوعاً.

الذرة

كانت حبوب الذرة حبوباً أساسية في النظام الغذائي البشري منذ أكثر من 1000 عامٍ قبل الميلاد.

عندها عُرِفت كنباتٍ عشبيٍ يسمى “تيوسنتي” (teosinte).

كانت هذه الذرة البدائية عبارة عن حبةٍ صلبةٍ وصغيرةٍ وجافةٍ وذات طعم مماثل للبطاطا النيئة.

في الواقع، إن ذرة اليوم لاتشبه أسلافها العشبية إلى درجة أننا لم ندرك أن الذرة والنبات العشبي “تيوسنتي” (teosinte ) كانا مرتبطين إلى أن قام العلماء بدراسة جيناتهما في ثلاثينيات القرن العشرين.

إن ما يعرفه الباحثون في مجال الأغذية، الآن هو أن الذرة الحديثة قد تم تدجينها منذ آلاف السنين وتحولت إلى أكواز طويلةٍ عليها حبوب منتفخةٍ “الشكل الحالي للذرة” بحلول عام 4000 قبل الميلاد.

يعود الفضل في ذلك إلى مزارعي امريكا الوسطى الذين كانوا يدخرون البذور من المحاصيل الجيدة ويزرعونها في المواسم التالية،لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.

فعلى مدى آلاف السنين، استمرت زراعة الذرة لتصبح ما هي عليه اليوم. فمنذ ثمانينيات القرن العشرين، استخدم علماء الأغذية الهندسة الوراثية لإعطاء هذه المحاصيل مقاومة للآفات والجفاف، وزيادة إنتاجيتها، وخلق نظام بيئي زراعي أكثر استدامة.

البطيخ

هل تعرفت على البطيخ الظاهر في هذة الصورة؟ اذا لم تفعل، فهذا ربما لانه من لوحة من القرن ال 17 للفنان الإيطالي جوفاني ستانتشي ” Giovanni Stanchi”.

على الرغم من أنك قد تكون قادراً على تحديد أنه نوع من البطيخ، إلا أنه بالكاد يشبه الفاكهة الخالية من البذور والغنية بالماء وذات اللون الأحمر التي نعرفها اليوم.

وبطبيعة الحال، لايمكن للفواكه أن تنجو في الطبيعة إلا من خلال نشر بذورها، وهذا هو السبب في كون البطيخ البدائي يحتوي على الكثير منها.

على مر القرون فإن ميل المزارعين إلى زراعة البذور من البطيخ ذو الصفات الملائمة (أي الثمار قليلة البذور المليئة بالماء) فقط حوله إلى فاكهة لن تنجو أبداً في الطبيعة(أي بطيخٍ قليل البذور، محمي بواسطة قشرةٍ رقيقةٍ، ومعبأ بأطنانٍ من السكر و الماء اللازمة للعصير).

الموز

يعتبر الموز حالةً مثيرةً للاهتمام بشكلٍ خاص من التهجين والانتخاب الاصطناعي لأن أكثر الأنواع الفواكه شعبيةً في أيامنا هذه لا يمكن أن تُنتِج بديلاً عنه، لأنه عقيم.

قبل حوالي 10000 عام، كان الموز مليئاً بالعديد من البذور الصلبة لدرجة أنه كان غير صالحٍ للأكل.

في الأغلب، أن ما قد حدث هو أن الصيادين وجامعي الثمار في جنوب شرق آسيا كانوا قد عثروا على نباتٍ متحولٍ (اي موزٍ بدون بذور وفاكهةٍ طريةٍ).

في ذلك الوقت كان المزارعون يزرعون المزيد من هذة الفاكهة الغربية عن طريق إعادة زراعة قطع من أشجارها الحية.

يوجد اليوم أكثر من 1000 صنف من الموز في جميع أنحاء العالم، لكن الموز الأصفر الذي من المرجح أن يكون مالوفاً لك هو صنفٌ واحدٌ فقط من هذا النبات(يسمى كافنديش ” Cavendish”)، والذي يشكل 99 في المائة من جميع صادرات الموز العالمية. أصبح هذا النوع شائعًا في خمسينيات القرن الماضي بسبب مقاومته لمرض بنما ” Panama disease”، الذي أهلك الأصناف الأخرى.

وهذا ما سمح للمحاصيل ذات المردود المرتفع والأسهل للشحن من الاستمرار.

لكن هذا النوع المعروف باسم كافنديش ” Cavendish” ليس بمأمن أيضاً. فمن الناحية الوراثية، فقد بقي هذا النوع على حاله خلال المائة عام الماضية، مما يعني أنه لم يتطور بالطرق التي تتطور بها النباتات بشكل طبيعي، سواءً للحماية من الحشرات المؤذية الجديدة أو لمقاومة البكتيريا والفطريات الضارة.

هذا النقص في التنوع الوراثي في هذا المحصول يجعله عرضةً للفطريات الضارة الجديدة التي يمكن أن تقضي عليها تماماً، والعلماء الان يتسابقون لإيجاد علاج لها.

الباذنجان

لا يزال تاريخ الباذنجان موضع نقاش، لكن معظمهم يتفقون على أن أصوله تعود إلى نبات شائك وسام من عائلة الباذنجانيات.

يعود الباذنجان البري إلى مجموعة متنوعة من الأشكال والألوان المختلفة، وهو ما يفسر اسمها الغريب “Eggplant” ( كان النوع الأول المسجل باللغة الإنجليزية أبيضاً وبيضاوياً مثل بيض الإوز).

في الأصل، كان الباذنجان البدائي يمتلك أشواك في المكان الذي يتصل به جذع النبات بالثمرة، مما يجعلها صعبة الحصاد والاستهلاك.

لذلك مع مرور الوقت، تمت زراعة الباذنجان بشكل انتقائي ليكون أكثر رغبةً للاستهلاك البشري ( فضّل المزارعون بذور الفاكهة الكبيرة وذات العدد القليل من الاشواك وذات القشرة الرقيقة ).

وخلال عقود من ممارسة هذه العملية، تمكن المزارعون من تحويل هذه الفاكهة الشوكية إلى مجموعة كبيرة من النباتات الأرجوانية مستطيلة الشكل، (يوجد 15 نوعاً مختلفاً من الباذنجان) التي يمكنك أن تجدها في محلات البقالة في هذه الايام.

الجزر

نشأ الجزر في بلاد فارس في القرن العاشر، ولكن ليس بالأشكال التي قد تتعرف عليها.

كانت هذه الخضروات البدائية أرجوانية أو بيضاء اللون لها العديد من الجذور الرفيعة و المعقوفة(كما تبدو في الصورة).

مثل أول موز بدون بذور، من الممكن أن نكون قد حصلنا على اللَّون البرتقالي للجزرة الحديثة بفضل طفرة وراثية حولت الجزر إلى اللون الأصفر.

دجّن المزارعون هذا الجذر ليكون أكثر اتساقاً في الشكل، وأكثر جاذبيةً في اللون، وأكثر قابليةً للتنبؤ بنموه.

وقد تم ذلك عن طريق إختيار وإعادة زراعة أنواع الجذور الناضجة والغنية بالماء.عندما نضجت هذة النباتات، وَجد الناس أن الجزر البرتقالي كان له المذاق الأفضل، ومن الناحية التاريخية فإن هذا هو أفضل دليلٍ لدينا لكون الجزر البرتقالي هو السائد في أيامنا هذه.

كما أن الجزر يعد من المحاصيل السنوية الشتوية ذات نكهةٍ لذيذةٍ بشكلٍ مذهل مقارنةً بالجزر الذي كان في الماضي.

الدّراق

أسلاف الدّراق الحديث نَبتت أول مرة في الصين منذ 6000 سنة.

كان الدّراق عبارةً عن ثمرةٍ صغيرةٍ الحجم، تشبه الكرز الجاف وكان مذاقها “ترابياً” وملحياً إلى حد ما، كما هو مذاق العدس حالياً (وهو ليس ما تود أن تتناوله مع المثلجات). أما الآن، فتأتي القصة المعروفة لظهور الدّراق.

اختار المزارعون الفاكهة ذات الطعم الألذ والتي تحوي عصيراً أكثر من أجل زراعة أشجارهم الجديدة.

ومع مرور الوقت، قاموا بزراعة هذة الفاكهة بشكل انتقائي لتكون مليئة بالماء وغنية بسكر الفواكه اللّذيذ.

-وفي أيامنا هذه، يوجد أكثر من 200 نوع مختلف من الدّراق، وبدلاً من أن تكون زراعتها مقتصرة على دولةٍ واحدةٍ، فإنها الآن تُزرع في 13 دولة مختلفة حول العالم.

ترجمة: حسن يوسف حماد

المصادر: 1