أهناك نسخةٌ منك في كون موازٍ؟ وما دخل التوسع الكوني بنظرية الاكوان الأخرى!

إحدى أجمل وأكثر المواضيع فضولًا للتأمل فيها هي فكرة أن واقعنا -الكون، ماهيته وكيف نعيشه- قد لا يكون النسخة الوحيدة الموجودة. ربما هناك عدة اكوان، ربما بعدة نسخ منك، ماضٍ مختلف ونتائج موازية عن ما هي عليه الآن. في الفيزياء، هذه أكثر الاحتمالات حماسًا، لكنها بعيدة عن التأكيد. إليكم ما يقول العلم عن صواب الفكرة.

الكون، حسب ما ترصد أقوى التلسكوبات ضخمٌ وكبير. ومع حساب الفوتونات والنيوترونات، فهو يضم حوالي 90 مرفوعة للأس 10 جسيم، متكتلة ومجتمعة سويا في مئات المليارات وربما ترليونات المجرات. كل واحدة من هذه المجرات تضم كمعدل ترليون نجم، وتتوزع المجرات في كون شبه كروي الشكل كما نرصده وبقطر 92 مليار سنة ضوئية. لكن على عكس ما يخبرنا حدسنا، هذا لا يعني إننا في مركز كون محدود. في الواقع، الأدلة تشير إلى شيءٍ مختلفٍ كليًا.

إن السبب الذي يجعل كوننا يظهر بحجم محدود بالنسبة لنا -السبب الذي يمنعنا من رؤية أي شيء بعد مسافة محددة- هو ليس لأنه محدود في الحجم، بل لأن كوننا موجود في حالته الحالية لفترة محدودة من الزمن. إذا كان هناك شيء يجب أن تعلمه عن نظرية الانفجار الكوني الكبير فهو التالي: الكون لم يكن ثابتًا في الزمان والمكان، بل تطور من حالةٍ أكثر كثافة وحرارة ونظام إلى هذه الحالة الأبرد وأقل انتظامًا.

هذا الأمر أعطانا كونا غنيًا مفعمٌ بأجيالٍ من النجوم وخلفية باردة جدًا من الإشعاعات المتبقية ومجرات تبتعد عنا أكثر وأكثر بتعجيلٍ يتناسب طردًا مع بعدها، ما يضع حدًا لكم يمكن أن نرى إذ أن حدود رصدنا للكون محدود بالمسافة التي قطعها الضوء منذ الانفجار العظيم.

لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد كون خلف هذا الجزء المسموح لنا رؤيته. في الواقع تدعم الأرصاد والفرضيات فكرة وجود مزيد من الأكوان ولا نستبعد كونها غير محدودة! عبر المراقبة، نستطيع قياس كميات مثيرة للإهتمام، من الإنحناء المكاني للكون وتنظيمه ومدى تجانس حرارته وكثافته وكيف يتطور عبر الوقت.

ما نلاحظه في الكون أنه متناسق أكثر مع كونه مسطح مكانيًا، وكونه منتظم في حجم أكبر بكثير من الذي ترصده أجهزتنا (الكون المنظور) ولهذا قد يكون هناك أكوانٌ أخرى تتوزع في كل الاتجاهات ولمليارات السنين الضوئية بعد الجزء المنظور! لكن نظريًا، ما نعلمه هو أكثر غرابة وحيرة. فنحن نستطيع بالتقدير الإستقرائي أن نصل بفهمنا الى نقطة الانفجار العظيم تقريبًا لنيقن بوجود كتلة حارة كثيفة جدًا وفي حالة توسع دائمة، لكننا لا نستطيع إدراك ما نزع فتيل هذه القنبلة! أو ما هي المرحلة السابقة التي أدت الى نقطة الانفجار العظيم.

هذه المرحلة -فترة التضخم الكوني- تصف فترة من الكون حيث، بدل أن يكون مليئًا بالمادة والإشعاعات، كان مليئًا بالطاقة التي يعود أصلها للفراغ ذاته: حالة تجعل الكون يتوسع بمعدل أُسي. هذا يعني أنه بدل من أن يكون لدينا معدل توسع يبطئ مع مرور الوقت وبدل تباطئ سرعة النقاط البعيدة يكون معدل التوسع يتسارع أبدًا، ومع الوقت تصبح النقاط البعيدة ضعفي ما كانت عليه من البعد ثم أربع مرات وثمان وهكذا.

لأن معدل التوسع ليس فقط ضخم بل سريع بشكل لا يصدق، هذا “التضاعف” يحصل بمعدل زمني بحدود 35-^10 ثانية. ما يعني، أنه بمرور 34-^10 ثانية، يصبح الكون 1000 مرة أكبر من حجمه الأساسي، ومع مرور 33-^10 ثانية يصبح 30^10 من حجمه الأصلي، ومع مرور 32-^10 ثانية، يكون الكون 300^10 ما كان عليه من حجمه الطبيعي.

التضاعف الأسي ليس قويًا لأنه فقط سريع؛ إنه قوي لأنه لا يتوقف.

الآن، من الواضح أن الكون لم يتوسع بهذا الشكل الى الأبد، لأننا هنا، فلو كان منذ الأزل لتوقف التوسع مجهزًا لانفجارٍ كبير جديد. نستطيع تشبيه التوسع بكرة تتدحرج من قمة تلة ميلها قليل. وما دامت الكرة تتدحرج ببطئ سيظل الكون يتوسع، لكن عندما تصل الكرة الى أسفل الوادي يتوقف التوسع، ويتقلص الكون وينهار حتى يصل مرة أُخرى إلى كثافة بلانك وبعد ذلك لا نملك أي فكرة عما سيحدث، ربما انفجار آخر! من يعلم..

قبل أن نذكر ما لا نعلمه عن التوسع، هذه بعض الأمور التي نعرفها وتستحق المشاركة:

  1. التوسع ليس كالكرة -التي هي حقل تقليدي- بل على الأحرى كموجة تتوسع مع مرور الوقت، بشكل حقل كمي، وهذا الامر يعني أنه بمرور الوقت ونشوء فضاء جديد بسبب التوسع، من المحتمل أن ينتهي التوسع في مناطق معينة ويستمر في أخرى.
  2. الأماكن التي تشهد نهاية التوسع ستعيش -في النهاية- انفجارًا كونيا يُنشئ كونًا آخر، لكن المناطق الأخرى ستستمر بالتوسع لفترة أطول.
  3. مع مرور الوقت وبفضل ديناميكية التوسع، لن تتصادم منطقتان انتهى فيهما التوسع، لكن الأماكن التي ما زالت تشهد التوسع ستتداخل فيما بينها، وتبعد إحداهما الأخرى.

ان هذا ما نتوقعه، بناءًا على ما نعرفه من قوانين الفيزياء والجزء المنظور من كوننا. ولكن مع هذا، ما زلنا لا نعلم العديد من الأمور عن التوسع، وهذا يجعلنا في حالة من عدم اليقين ويعطينا احتمالات أخرى:

  1. لا نعلم كم استمرت فترة التوسع الماضية قبل أن تنتهي بالانفجار الكبير لكوننا.
  2. الكون قد يكون أكبر بقليل مما نستطيع رصده، وقد يكون أكبر بأرقام خيالية مما نستطيع مشاهدته، قد يكون لانهائيًا في المقياس!
  3. لا نعلم إذا كانت المناطق التي ينتهي فيها التوسع متشابهة، أو مختلفة عن منطقتنا بشكل كبير، من الممكن ان تكون هناك ديناميكيات فيزيائية ثابتة (غير معروفة) تؤدي الى الثوابت الإساسية -كتلة الجسيم وقدرة القوى وكمية المادة المظلمة- فنستطيع أن نعلم بدقة قيمتها حتى في المناطق التي انتهى فيها التوسع. لكن من الممكن أن نفكر في المناطق التي انتهى فيها التوسع كأكوان أخرى قد تحتوي على فيزياء مختلفة!
  4. إذا كانت الأكوان كلها متشابهة من ناحية القوانين الفيزيائية، وإذا كانت أعداد هذه الاكوان بالفعل لامتناهية، وإذا كانت فكرة العوالم المتعددة عبر ميكانيك الكم صائبة صحيحة، هل هذا يعني وجود أكوان متوازية في مكان ما، حيث كل شيء تطور مثل ما تطور هذا الكون،لكن باختلاف بسيط جدا في نتيجة كمومية واحدة؟

في عوالم موازية، هل من الممكن ان يتواجد كون حصل فيه كل شيء حصل هنا بالضبط، باستثناء فعلك لأمر واحد بسيط جدًا، قد غير فعله حياتك هناك بشكل كبيرٍ جدًا!

حيث اخترت الوظيفة عبر البحار عكس التي أبقتك في بلدك؟

أو وقفت ضد من تنمر عليك بدل أن تسمح له باستغلال الموقف لإذلالك؟

أو تُقَبِّل تلك التي افترقت عنها آخر الليل بدل أن ينتهي الموعد هكذا؟

أو كان الاختيار مختلفا للقرار المصيري لك أو لمن أحببت؟

إنه أمر عظيم: احتمالية وجود كون لكل حدث ممكن حصوله. هناك إمكانية أن يحصل في مكان آخر ما احتماله هنا 0%! إنه بالفعل قد حصل وهو واقع في كونٍ موازٍ.. لكن هناك عدد لا يصدق من الشروط الواجب تحققها لتحدث كل هذه الاحتمالات. كمثال، الحالة التوسعية يجب أن تحدث منذ زمن أقدم بكثير من ال13.8 مليار سنة.. يجب أن تكون أزلية!

قد تسأل لماذا هذا؟ حسنًا بالتأكيد إذا كان الكون يتوسع بشكل كبير ليس فقط لجزء من الثانية ولكن ل13.8 مليار سنة، أو حوالي 17^10×4 ثانية فقد أصبح اليوم بحجم خيالي! المشكلة هنا هي أنه حتى بوجود مناطق في الفراغ توقف توسعها وربما تغيرت قوانينها، لكن معظم مساحة الكون هي مناطق لم ينتهي فيها التوسع بعد. لذا واقعيًا، نحن نتحدث عن حوالي 50^10^10 كون بدأ مع كوننا بشروط شبه متشابهة، وهذا يساوي 100000000000000000000000000000000000000000000000000^10 كون، وقد يكون هذا أكبر رقم تخيلته أنت ولكن الرقم الذي يصف كم الاحتمالات الممكنة للتفاعل بين الجزيئات أكبر بكثير.

هناك 90^10 ذرة في الكون، ونحن بحاجة أن يكون لكل هذه الذرات نفس التاريخ من التفاعلات ل 13.8 مليار سنة لنحصل على كونٍ مشابهٍ لكوننا هذا. إن عدد الأكوان هذه (50^10^10) يساوي أقل من 1000! أي (1000 فاكتوريال) أي أنها لا توفر مدى احتمالية لأكثر من ألف جزيئة والكون فيه 90^10 جزيء! تخيل فقط كم أن عدد الأكوان هذه تافه ولا يوفر غيرَ جزءٍ بسيطٍ جدًا لكمِّ الاحتمالات الممكنة.. لهذا نقول أن التوسع يجب أن يكون أزليًا، فعدد الأكوان يجب أن يكون أكبر بعدة (غوغل-بليكس) من هذا العدد البسيط.

جديرٌ بالذكر أن عدد الاحتمالات من الذرات في الكون التي تتفاعل مع غيرها عادة ما يتجه الى اللانهائية أسرع من عدد الاكوان المحتملة بسبب التوسع. هذا مع غض النظر عن المشاكل كإمكانية وجود عدد لا منتهي من القيم الممكنة للثوابت الاساسية والذرات والتفاعلات، وحتى غض النظر عن مشكلة ما إذا كانت نظرية العوالم المتعددة تصف واقعنا الفيزيائي هذا، الواقع ان عدد الاحتمالات ونتائجها يزداد بشكل سريع جدًا، حتى أسرع بكثير من التزايد الأُسي، لذا إن لم يكن التوسع قد حدث منذ وقت غير محدود من الزمن، فليس هناك وجود لأكوان مثل كوننا.

نظرية التفرد تخبرنا أن حالة التوسع في الماضي البعيد لم تكتمل بعد، ما يعني أنها لم تَختبر وقتا لا نهائيًا، لكنها من نقطة محدودة في الماضي. هناك عدد كبير من الأكوان الأخرى، من المحتمل إنها بقوانين فيزيائية غريبة ومختلفة وربما مشابهة؛ لكن لا يوجد عدد كافٍ منها لنحصل على نسخ متوازية عن أنفسنا؛ رقم الاحتمالات الممكنة أكبر بكثير من رقم الأكوان الموجودة.

إذن، ماذا يعني هذا؟

انه يعني أن الأمر على عاتقك لجعل هذا الكون مجديًا. إفعل القرارات التي تجعلك لا تشعر بندم: خذ الوظيفة المثالية وقف لنفسك، اعبر بؤر اليأس واخرج بأفضل حالة لك، واجعل كل يومٍ لك مختلف ومميز عن غيره في حياتك. لا يوجد كون آخر يحتوي على هذه النسخة منك، ولا يوجد مستقبل مختلف عن ما تصنعه هنا. اجعله أفضل ما يمكن.

ترجمة: علي بشير

تدقيق علمي: موسى جعفر

المصادر: 1