هذه الصفة السيكولوجية هي ما تميز الإنسان عن غيره

كتاب بعنوان A WALKING LIFE يتحدث عن هذه الميزة.

هل تتذكر تعلمك المشي؟ معظمنا لا يتذكر. على الرغم من أن تعلم المشي في مرحلة الرضاعة، يأخذ كل انتباهنا، حتى نمشي بانسيابية علينا تعلم وضع هدف أو خطة لحظية وهي :

التحرك بوزن الجسم بعد الحصول على التعليمات من الأقدام، العيون وجهاز التوازن الداخلي، التكيف مع المنحدرات والعقبات والمخاطر التي ستواجه طريقنا.

هناك العديد من الأمور التي على الدماغ أخذها بعين الاعتبار عند المشي لذلك لا عجب من أن الإنسان لا يستغرق دقائق لأخذ خطوة المشي الأولى، ففي كل مرة نخطو فيها سنسقط، سنحاول التمسك، ثم نسقط ثانية.

كما يسميها الكاتب والصحفي بول سالوبيك (Paul Salopek) معجزة النبضتين” ” two beat miracle أو تمايل، التمسك والإفلات”.

عندما نمشي، يعمل الكاحل مع الركبة على المحافظة على توازن الجسم عند الخطو والوقوف على القدم الأولى، مما يسمح للقدم الأخرى بالانطلاق والتحرك للأمام.

قبل أن تخطو القدم وترتفع عن الأرض، تنثني الركبة مما يسمح بالطاقة الموجودة والمخزنة بالوتر بأن تتحرك بمرونة.

التعاون بين مرونة وتر الركبة، الالتفاف، والرفع هو ما يجعلنا نمشي مع بذل قدر بسيط نسبيًا من الطاقة، بالرغم من ذلك فعملية المشي تبقى عملية معقدة، فيتم الاعتماد على الدماغ بشكل كبير، أما الكيفية فبدأنا بفهمها مؤخرا.

في 2015، انهارت أم عزباء في السابعة والعشرين من عمرها تدعى “ريبيكا جريجوري”(Rebekah Gregory) وهي على مشارف إنهاء ماراثون بوسطون على الأرض، باكية من الألم والتأثر العاطفي حتى جاء مدربها وقام بحملها ومساعدتها على الوقوف. تعرضت “ريبيكا” لبتر في قدمها اليسرى ناتج عن إصابتها التي حدثت في تفجير (ماراثون بوسطون) سنة 2013.

بعد سبعة عشر عملية جراحية غير ناجحة وألم مستمر في قدمها اليسرى اختارت “ريبيكا” خيار البتر.

استمرت في الركض بقوة ومرونة لمسافة ثلاثة أميال، وهي أقصى مسافة سمح لها الأطباء بقطعها من الماراثون، حتى تجاوزت خط النهاية، مرتدية قميص كتب عليه عبارة “ريبيكا قوية” وحذاء تنس وردي اللون في قدمها اليمنى وطرف اصطناعي في القدم الأخرى.

قصة “ريبيكا جريجوري” ليست مجرد حكاية عن إصرار امرأة شجاعة، بل هي قصة عن أهمية المشي وارتباطه بإحساسنا بقيمة الذات وإحساسنا بالحرية، فعملية المشي هي أول عملية للجسم نحو طريقه للاستقلال، فالأطفال الصغار يبتهجون راكضين بحرية بعيدًا عن آبائهم ثم يعودون ضاحكين مع علمهم أنهم يمتلكون الآن قوة خاصة وهي قوة التحرك والمشي باستقلالية تامة.

كبالغين، نلجأ للمشي أحيانا كوسيلة لتحقيق أهدافنا، للتعبير عن حريتنا وإحباطاتنا، وعندما تسلب منا قدرتنا على المشي نشعر بتهديد حقيقي لذواتنا، فلا شك أن عبارة ” دكتور، هل سأمشي مرة أخرى؟” تعتبر من أكثر العبارات الدراماتيكية في الأعمال الدرامية الطبية.

في سنة 2017 الطبيب جيريمي دي سيلفا (Jeremy Disilva) الأستاذ المساعد والمتخصص في علم الأنثربولوجيا في كلية دارتماوث تحدث في دورة ألقاها عبر الانترنت عن المشي بشكل منتصب بقوله: إنه تطور تكيفي مفصلي، إنه الطريق الأول لتصبح إنسان.

بعد إجراءها لسبعة عشر عملية جراحية واضطرارها لأخذ مسكنات الألم كل 4 ساعات وبقاءها على كرسي متحرك معظم الوقت، اختارت ريبيكا جريجوري قرار البتر وتركيب طرف اصطناعي، مما أشعرها بحرية أكبر بعد استعادتها لقدرتها على الوقوف والمشي وقدرتها على ممارسة النشاطات اليومية مع طفلها.

يبدو أن نوع الحرية والاستقلال بالحركة والمشي اللذان وصفتهما جريجوري، هما أمران يعمل عليهما البشر بعد مرور أربعة أشهر على الولادة تقريبا، عندما يبدأ الرضيع بمحاولة تثبيت رأسه ورقبته باستقلالية، وعند تجربة الإمساك بطفل رضيع وحمله على قدميه على سطح مستوي، ستلاحظ بأنه سيرفع القدم الأولى ويضعها على الأرض ثم سيقوم برفع القدم الأخرى، وهذا ما يطلق عليه المتخصصين بطب الأطفال ب مصطلح ” منعكس الخطو. (step reflex)

كما لوحظ ظهور استجابات حسية (شبيهة باستجابة الرضع عند حملهم على سطح مستوي ومحاولتهم لرفع أقدامهم للمشي )، عند الأجنة أيضا أثناء وجودهم في الرحم، استجابات شبيهة بالاستجابات الفسيولوجية كالسباحة والزحف.

كما ظهرت أهمية هذه الاستجابات الحسية كبداية في بناء القوة والمرونة اللازمتين للحركة فيما بعد.

على الرغم من أننا لاحظنا منذ فترة طويلة ردة الفعل المنعكسة للخطو stepping reflex.

إلا أن الباحثين بدئوا حديثًا في دراسة هذا الموضوع بشكل جدي، فبينما تم إجراء العديد من الدراسات والبحوث حول التطور الطبيعي للغة والمشاعر عند الأطفال، إلا أنه لم يتم إجراء سوى القليل من الأبحاث حول كيفية تعلم الأطفال المشي.

بالنظر إلى أن الكثير من دراسات الأنثربولوجي تمحورت حول كيفية المشي، فيعتبر الإهمال في القيام بدراسات كافية حوله أمر غريب، فمن أفضل من الأطفال في بداية حياتهم للقيام بدراسات حولهم ؟

إذا كان المشي على قدمين بشكل منتصب هو ما يجعلنا بشرا، كما يدعي العديد من علماء الحفريات وعلماء الأحياء التطوريين، فالفشل في القيام بدراسات كافية حول تعلم الرضع عملية المشي يترك تساؤلات عديدة حول تلك العملية.

في معظم الدراسات التي بدأت في عشرينيات القرن الماضي واستمرت على الأقل حتى سنة 2018، لم يتم دراسة الأطفال الرضع في منازلهم ولا في الخارج ولا حتى في مختبرات الأبحاث الشبيهة بالبيئة الخارجية الطبيعية، بل فقط من خلال ملاحظة الأهل لهم وتعليمهم الحركة ومواجهة العقبات والمخاطر الموجودة في مسار المشي البيئي الطبيعي.

النظريات الجديدة تقول أن عملية المشي لا تتعلق بنمو وتطور الحركة والدماغ فقط، بل تعتمد بشكل كبير أيضا على حاستي السمع والبصر، جهاز التوازن، الظروف الاجتماعية مثل: التربية المشجعة والداعمة وقدرتنا على التكيف مع البيئات المختلفة.

فالأطفال الرضع سوف يتحمسون للمشي عندما يكون هناك بيئة مثيرة للاهتمام للتعلم فيها، لكن أي من الدراسات السابقة لم تتحدث عن ” البيئة المثيرة للاهتمام للرضع لتعلم المشي”، فأجريت أول دراسة لفحص طريق الأطفال للمشي المتوازن داخل مختبر امن سنة 2012، في جامعة نيويورك عن طريق البروفيسور في علم النفس كارين أدولف Adolph) Karen (.

استمر الأطفال الرضع في السقوط عند محاولتهم المشي في تجربة (أدولف)، وعلى الرغم من أن السقوط خارج المختبر أو داخله من الممكن أن يعرض الأطفال لخطر الإصابة، استمر الأطفال في محاولة المشي بإصرار وبشكل مستقيم ومتوازن حتى لو وجدت احتمالات تعرضهم للإصابة عند السقوط.

قصة ريبيكا جريجوري تعطينا درسا في المثابرة، كما تشكل جانب مهم لتطور التكنولوجيا، تحديدا في مجال الأطراف الصناعية.

فنحن نعلم بأننا سنحاول المستحيل لاستعادة قدرتنا على المشي عند فقدها، لأن المشي ببساطة جزء لا يمكن التخلي عنه من ذواتنا.

ترجمة: ياسمينة علي

المصادر: 1