موسوعتكم الشاملة حول أعظم عشرة علماء على مرِّ التاريخ

لنتعرّف على العلماء الذين غيّروا العالم ومعرفتنا له من خلال مساهماتهم واكتشافاتهم.

لكي أعطي المقال حقّه فبالطبعِ سوف ابدأ بـآلبرت آينشتاين (Albert Einstein) الذي تناولت دراساته واكتشافاته الكثير من الأشياء فهو تقريباً “لم يترك شيئاً يَعتب عليه”

1. آلبرت آينشتاين (Albert Einstein)

احتشدت الجماهير لرؤية اللوحات التمثيلية ثلاثية الأبعاد وأُنيرت الشاشات. تواجَد حراس الأمن المتيقظون في المتحف الأمريكي لتاريخ الطبيعة. انطلقت الصيحات واكتظّ الحشد وبدأ البعض بالسقوط على الأرض. حلّ الحماس وتشبّع المكان بالناس؛ لدى وصولهم للقاعة بإستئناسٍ.

كان التاريخ يوافق الثامن من يناير من عام 1930، وكان متحف نيويورك يعرض فيلماً عن آلبرت آينشتاين ونظريته العامة للنسبيّة. لم يكن آينشتاين حاضراً؛ وبالرغم من ذلك كان لا يزال هنالك 4500 شخص حاضرين دون حملهم لتذاكر حضور العرض، ما تطلب من مسؤولو المتحف للتدخل حيث قالوا لهم ” من لا يحمل تذكرة لحضور العرض عليه بالخروج.” وصفت مجلّة(Chicago Tribune) هذا الحدث بأنه أول عمل شغب علمي في التاريخ.

هكذا كانت شعبية آينشتاين. وكما وصفه أحد الصحفيين فقد كان آينشتاين هو “الحزمة الكاملة” كما عندما تفتح حقيبة وتجد فيها كل شيء؛ منظراً مميزاً( شعر جامح وسترة مموّجة) وشخصية بارعة (قفشته المازحة المشهورة الله لا يلعب النرد ستعيش مدى الدهر) ومؤهّلات علمية فريدة (اكتشافاته قلبت موازين الفيزياء) واختارته مجلّة (Time magazine) ليكون شخصيّة القرن.

يقول جيمس أوفروين(James Overduin) الذي هو عالم فيزياء نظرية بجامعة توسون في ماريلاند (Towson University) :” لا يزال آينشتاين آخر من تمكن من صنع اسماً فيزيائياً راسخاً له على الإطلاق، وربما الوحيد أيضاً.”

ولد آينشتاين في أولم بألمانيا عام 1879، وكان طفلاً فطيناً مبكر النضوج. كتب عن الحقول المغناطيسية في سن المراهقة. لم يخفق آينشتاين أبداً في الرياضيات على عكس غيره. تزوج مرتين، زواجه الثاني كان لابنة عمه إلسا نوينثال (Elsa Löwenthal) واستمر الزواج حتى عام 1936 حيث توفيت.

كانت نقطة التحول في الحياة العلمية لآينشتاين “العالم” عام 1905 عندما كان يعمل ككاتب في مكتب براءات الاختراع السويسري. عند فشله بإحراز منصب أكاديمي بعد حصوله على شهادة الدكتوراه. فقد نشر آينشتاين في تلك السنة أهم اربع أبحاث له، يصف إحداهم العلاقة بين المادة والطاقة ملخصة على نحو E = mc2. الأبحاث الأخرى تناولت الحركة البراونية –نسبة للعالم روبرت براون، حيث تفسر الحركة العشوائية للجزيئات الميكرونية في المائع ( سائل أو غاز)- مشيراً إلى وجود الجزيئات والذرات والتأثير الكهروضوئي – التأثير الكهروضوئي هو انبعاث الإلكترونات من الأجسام الصلبة والسائلة والغازية عند امتصاص الطاقة من الضوء- مما دلّ على أن الضوء مصنوع من جزيئات سمّيت فيما بعد فوتونات. ووضّح بحثه الرابع النسبية الخاصة، مشيراً أن المكان والزمان متشابكان، حيث كانت وقتها تمثّل فكرة مروّعة، لكنها تُعتبر الآن مبدأً أساسياً لعلم الفلك.

توسّع أينشتاين في النسبية في عام 1916 مع نظريته في الجاذبية: النسبية العامة؛ إنها تؤكد أن أي شيء ذي كتلة يشوّه نسيج المكان والزمان، مثل كرة البولنج عند وضعها على سطح مطاطي وتتسبب في انحناء السطح. أظهر علماء الفلك عام 1919 خلال الكسوف الشمسي أن كتلة الشمس قد حنت مسار ضوء النجوم بالفعل، وتمكن العلماء من تأريخ هذا الانحناء بفضل الظلام المؤقت الذي احاط الشمس.

هذا التمحّص جعل من آينشتاين نجماً. بعدها بعامين، حصل آينشتاين على جائزة نوبل في الفيزياء، ليس للنسبية العامة، ولكن لاكتشافه التأثير الكهروضوئي. بحلول هذا الوقت، كان قد قدم الفيزيائي البالغ من العمر 42 عامًا معظم مساهماته الرئيسية في العلوم.

قُبل أينشتاين استاذاً بمعهد الدراسات المتقدمة في برينستون- نيوجيرسي في عام 1933، حيث حاول آينشتاين هنالك لسنوات عديدة أن يوحّد قوانين الفيزياء لكن دون جدوى. أصبح مواطناً أمريكياً في عام 1940، ونمت شهرته كمؤيد عام للحقوق الفكرية والمدافعة عن حقوق الإنسان. يَعتبر الكثيرون أن نظرية النسبية العامة لآينشتاين تعبّر عن إحدى أعظم إنجازاته، حيث تنبّأت النظرية بكلا الثقوب السوداء والأمواج التثاقلية. وفي العام الماضي تحديدا في (2018) قاس الفيزيائيون الأمواج الناتجة عن تصادم اثنين من الثقوب السوداء على بعد مليار سنة ضوئية، حيث تلاعبت موجات هذين الثقبين بالزمان والمكان أثناء رحلتهم الملحميّة عبر الكون مثلما تتلاعب المرآة المشوَّهة الموجودة في الملاهي بصورتنا.

النسبية العامة هي أيضًا حجر الأساس لعدسة الجاذبية، التي تستخدم جاذبية النجوم والمجرات كزجاجة مكبرة عملاقة لتكبير الأجسام الكونية البعيدة. قد يستفيد علماء الفلك قريبًا من مثل هذه الفيزياء لرؤية التفاصيل الجغرافية للعوالم على بعد سنوات ضوئية عديدة. آينشتاين الذي توفيّ بسبب قصور القلب عام 1955 كان سيصفق بحرارة لتفكيرهم الجريء والخيالي هذا لو كان حيّاً في هذا الوقت. إن أعظم أفكار آينشتاين لم تأتِ من خلال تحليل تجريبي دقيق، بل أتت من مجرد التفكير فيما يمكن أن يحدث في ظل ظروف معيّنة، تاركاً عقله يجري مع الاحتمالات. يقول آينشتاين في مقابلته مع صحيفة ساترداي إيفيننغ بوست(Saturday Evening Post) :” فنان بارع ما أنا عليه فبإمكاني أن أرسم حسب مخيّلتي، المعرفة محدودة لكن الخيال يحيط بكل شيء” … “I am enough of an artist to draw freely upon my imagination, Knowledge is limited. Imagination encircles the world.”

2. ماري كوري (Marie Curie): العالمة التي سلكت طريقها الخاص

إسمها فرنسي لكن قصتها لم تبدأ في فرنسا. مشوارها إلى باريس والنجاح كان شاقّاً بقدر ما هي انجازاتها العلمية مكنونة بالإعجاب.

وُلدت ماريا سالوميا سلودوفسكا (Maria Salomea Sklodowska) في عام 1867 في وارسو – بولندا. واجهت عقبات رهيبة لكونها انثى وفقر أسرتها، ذاك الفقر الذي نشأ بسبب الاضطرابات السياسية في ذاك الوقت. والداها البولدنيين المعتزّين بوطنيّتهم فقدا معظم أموالهم لدعم وطنهم في نضاله من أجل الاستقلال عن الأنظمة الروسية والنمساوية والبرّوسية. كان والدها بروفيسور فيزيائي ورياضيّاتي، وأمها كانت مديرة مدرسة داخليّة ذي شأن رفيع في وارسو المحتلّة من روسيا. غرسا حب العلم في اطفالهم الخمسة، كما صبغوهم أيضاً بتقدير الثقافة والوطنية البولندية، الأمر الذي دحضته الحكومة الروسيّة.

لم تتمكن كوري وأخواتها الثلاث من استكمال التعليم العالي مثل أخيهم فور إنهائهن للتعليم النظامي لأن الجامعة المحليّة لم تكن تسمح للنساء بالتسجيل للتعليم العالي، ولم يكن لدى أسرتهنّ ما يكفي من المال لإرسالهن للخارج. خياراتهن الوحيدة كانت الزواج.. أو أن يصبحن مربيات. لكن وجدت كوري وشقيقتها برونسلاوا (Bronislawa) طريقة أخرى لشقّ طريقهن.

التقى الأبوان بمنظمة سرية تدعى(Flying University.) كان الهدف من هذه المنظمة هو الالتزام بقوانين الحكومة الروسيّة وفي نفس الوقت توفير سبل التعليم العالي للبولنديين في بولندا، الأمر الذي يعد ممنوعاً في بولندا المسيطر عليها من قبل روسيا. وضعت الأخوات في نهاية المطاف خطة من شأنها أن تساعدهن للحصول على التعليم العالي الذي أردنه بشدّة. الخطة كانت كالآتي: كوري ستعمل كمربيّة وتدعم أختها برونسلاوا لتكمل تعليمها في كلية الطب، بعدها ترد أختها الجميل فور إنهائها لدراستها. كوري تحمّلت وقاست سنواتٍ عديدة من العمل كمربيّة. لكن الخطة نجحت، ففي عام 1891 جهّزت كوري حقائبها وتوجهت إلى باريس وهناك كان مستقبلها المشرق ينتظرها.

كانت كوري متأثّرة بالعالم الفيزيائي الفرنسي “هنري بيكريل” (Henri Becquerel) في جامعة باريس (the University of Paris) فقد كان بيكريل قد اكتشف أن اليورانيوم ينبعث من شيء يشبه إلى حد ما – ليس مثله تماماً- الأشعة السينيّة (X-rays) الأشعة التي كان قد تم اكتشافها في العام السابق فقط آنذاك. فُتِنت كوري بهذا الأمر وقررت أن تستكشف اليورانيوم وأشعته الغامضة باعتباره موضوع رسالة شهادة الدكتوراه خاصتها. أدركت كوري بالنهاية أن كل ما ينتج عن هذه الأشعة كان يحدث على المستوى الذرّي. تمثّل هذا الاكتشاف بكونه خطوة أولى مهمة نحو اكتشاف أن الذرّات لا تمثل أصغر جزء في المادة. كانت لحظة حاسمة بحق لكوري لما أطلقت عليه بنهاية الأمر بـ “اضمحلال النشاط الإشعاعي” أو “التحلل الإشعاعي” (radioactivity).

قابلت كوري في نفس الوقت تقريباً زوجها الفرنسي بيـير (Pierre) العالم الفيزيائي البارع، تخلى بيـير عن عمله وانضم إلى بحث زوجته كوري وبدأ الاثنان بفحص المعادن التي تحتوي على اليورانيوم واليورانينيت (uranium and pitchblende) والأخير هو خام غني باليورانيوم حيث أدركوا أنه كان أكثر نشاطًا بأربعة أضعاف من اليورانيوم النقي. واستنتجوا أنه هنالك بعضاً من العناصر الأخرى التي لابد لها أن تكون موجودة في المزيج؛ التي من شأنها إرسال الموجات المشّعة للسطح، وكانوا فعلاً على صواب، فبعد قيامهم بمعالجة أطنان عديدة من اليورانينيت “حرفياً”؛ اكتشفوا عنصراً جديداً أطلقوا عليه اسم بولونيوم نسبة إلى موطن كوري الأصلي “بولندا”. نشَرا في عام 1898 ورقة ترفع الستار عن هذا الاكتشاف. وبعد خمسة أشهر فقط، أعلنوا اكتشافهم لعنصر آخر، وهو الراديوم، الموجود بكميات ضئيلة في خام اليورانيوم.

في عام 1903، فازت كوري وزوجها وبيكريل بجائزة نوبل في الفيزياء عن عملهم في النشاط الإشعاعي، مما جعل كوري أول امرأة تفوز بجائزة نوبل.

وقعت مأساة بعد ثلاث سنوات فقط، فبـيير الذي قبل توّاً بروفيسوراً في جامعة باريس كان قد توفي للأسف إثر حادث سيارة، الأمر الذي حطم كوري بحقّ.

لم تيأس كوري وواصلت أبحاثها وشغلت منصب زوجها بيـير وأصبحت أول امرأة تشغل منصب بروفيسور في الجامعة وفازت بجائزة نوبل للمرة الثانية عام 1911 وهذه المرّة كانت الجائزة بسبب اكتشافاتها في الكيمياء عن عملها المتعلّق بالبولونيوم والراديوم. وإلى وقتنا هذا؛ لا تزال كوري الشخص الوحيد الذي فاز بجائزة نوبل عن عملين مختلفين في علمين مختلفين.

حققت كوري العديد من الإنجازات الأخرى، تمثّلت من تأسيس معهد الراديوم في باريس حيث أدارت مختبرها الخاص (الذي فاز باحثوه بجائزة نوبل خاصة بهم) إلى ترَؤّس أول مركز إشعاعي عسكري في فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى وبالتالي أصبحت أول عالم “فيزيائي” طبيّ.

توفيت كوري عام 1934 بسبب إحدى أنواع مرض فقر الدم الناجم إثر تعرضها الشديد للإشعاعات خلال حياتها المهنيّة والعلميّة.

لا تزال ملاحظاتها وأوراقها الأصلية في الواقع مشبّعة بالإشعاعات إلى يومنا هذا لدرجة أنها تُحفظ في صناديق مبطنة بالرصاص وتحتاج إلى معدات واقية لمشاهدتها.

3. إسحاق نيوتن (Isaac Newton) : الرجل الذي قدّم لنا العلم بناءً على رهان

ولد نيوتن في ليلة أعياد الميلاد (ليلة الكريسماس) عام 1642، لم يكن ذاك الشخص المتواضع، وقد وجد فعلاً التاريخ الملائم ليولد به.
الهدية الكبرى لكلا البشرية والعلم كانت قد وصلت. كان رضيع مريض، مجرد بقاؤه على قيد الحياة كان إنجازاً. لكن بعدها بـ23 عاماً فقط، مع إغلاق جامعته “كامبردج” وجامعات أخرى عديدة في إنجلترا بسبب الطاعون؛ اكتشف نيوتن القوانين التي تحمل اسمه اليوم (كان عليه أن يخترع نوعاً جديداً من الرياضيات : الكالكيولاس” حساب التفاضل والتكامل”.) تكتّم نيوتن الباحث الإنجليزي الانطوائي عن نشر هذه النتائج لعدة عقود من الزمن، واستغرق الأمر جهوداً مضنية من صديقه ومكتشف المذنّبات “إدموند هالي” (Edmund Halley) لدفع نيوتن على نشر أبحاثه.

أعلم أنك ستبدأ بالتساؤل الآن عن كيفيّة معرفة هالي بأبحاث نيوتن بما أن الأخير تكتّم عليها، وهنا ستفهم لماذا قلنا بأنه الرجل الذي قدّم العلم بناءً على رهان… علم هالي بأبحاث نيوتن بسبب رهان كان قد أجراه الاول مع علماءٍ آخرين حول طبيعة مدارات الكواكب. فعندما ذكر هالي المشكلة المداريّة لنيوتن، صَدم نيوتن صديقه بإجابته الفورية باعتبار أنه حلّها منذ فترة طويلة.

هالي أقنع نيوتن بنشر حساباته، والنتيجة كانت.. “الأصول أو المبادئ الرياضية العظيمة للفلسفة الطبيعية” (Philosophiæ Naturalis Principia Mathematica)

في عام 1687، لم تكتفِ المبادئ بشرح -للمرة الأولى- كيفية تحرك الكواكب في الفضاء وكيف تتحرك الأجسام في الأرض خلال الهواء، بل وضّحت المبادئ أيضاً أن القوة الرئيسية التي تتحكم بكليهما هي القوة نفسها.. “الجاذبية”. وحّد نيوتن السماوات والأرض بقوانينه. بدأ العلماء بفضله بالإيمان أن لديهم فرصة لإطلاق سراح أسرار الكون العظيم.

كان التفاني الأكاديمي لنيوتن هائلاً، حيث كتب عام 1727 مساعد نيوتن السابق “هومفري نيوتن” (Humphrey Newton) –لا يوجد صلة قرابة بينهما- ” لم أعهده مسبقاً كرجل يأخذ وقتاً للاستجمام، ولم يكن ليغادر غرفته إلا لإعطاء محاضرات حتى لو كانت في قاعة فارغة. كان فيه عادة تحصل بتكرار، فقد كان يقرأ للجدران عند عدم وجود من يسمع (تماماً كما نفعل نحن حالياً.) نيوتن لم يكن أبداً ليترك شيء دون انجازه بشكل تامّ.”

سوف يأخذ مني سرد إنجازاته العلمية الأخرى كتاباً كاملاً، لكن أعظم اللمحات هي تلك التي تشمل عمله الرائد حول الضوء واللون، وتطويره وتحسينه للتلسكوبات العاكسة (التي تحمل اسمه الآن) وأعمال رئيسية أخرى متعلّقة بالرياضيات والحرارة. حتى أنه أقحم نفسه بدراسة الكتاب المقدس “الإنجيل” والتنبّؤ بنهاية العالم عام 2060م. مارس الخيمياء(alchemy) سنة 1692 و قضى سنوات وسنوات عديدة يحاول بها لإنتاج حجر الفلاسفة الأسطوري لكنه فشل بذلك (حجر الفلاسفة يمثل مادة أسطورية يعتقد أنها تستطيع تحويل الفلزات الرخيصة كالرصاص إلى ذهب، ويمكن استخدامه في صنع إكسير الحياة وأصل هذا المصطلح يعود إلى علم الخيمياء في مصر القديمة.)

واحسرتاه! حتى عبقرية نيوتن لم تستطع أن تجعل من المستحيل ممكناً.

إذن كيف أمضى نيوتن عقوده الثلاثة الأخيرة؟ اللافت للنظر هنا والذي قد تكون المرة الأولى لك لتعرف هذا الشيء عن نيوتن على الرغم من شهرته في أيامنا هذه، أمضى نيوتن عقوده الثلاثة الأخيرة بتجديد وتحديث اقتصاد إنجلترا وأيضاً تنظيف الشوارع من المجرمين. نعم هذا صحيح! فبعد استقراره على راتب بروفيسور في جامعة كامبردج لعدة عقود؛ استلم نيوتن عام 1696 كتاباً رسميا من الملكيّة لتعيينه أميناً لسكّ العملة الملكية. كانت وظيفة سهلة مع راتبٍ جيد.

أشرف نيوتن على إعادة تشكيل العملة الإنجليزية بعد ترقيته إلى رئيس سك العملة الملكية وأشرف أيضاً على تقديم المشورة بشأن الاقتصاد ووضع المعيار الذهبي واستبدال جميع العملات المعدنية في البلاد بعملات معدنية محسنة ومخففة (والتي لا تزال تستخدم إلى يومنا هذا.) ركز اهتمامه أيضاً على الأشخاص الذين يزوّرون العملات، حيث أسس نيوتن شبكة معلومات استخباراتية في أكثر المناطق فساداً في لندن، حتى أنه كان يذهب كعميل متخفٍّ في بعض الأحيان لينجز هذا الأمر. كان التزوير يعتبر خيانة عظمى يعاقَب عليه بالإعدام، وكان نيوتن دائماً ما يستمتع بمشاهدة إعدام أهدافه.

عُرف نيوتن من قبل أقرانه بأنه شخص بغيض وفظّ وغليظ. أصدقاؤه كانوا قليلين ولم يتزوج قطّ. يصفه العالم الفلكي الخاص بالملكيّة جون فلامستيد (John Flamsteed) بأنه “خبيث ومتغطرس وهو شخص يطمع بالثناء طوال الوقت ولا يتقبل الرأي الآخر. الرجل بإمكانه أن ينمّي ضغينته وحقده حول خصومة لسنوات، حتى مغادتهم الحياة!”

احتدم الأمر بين نيوتن وبين العالم الألماني غوتفيرد لايبنيتز (Gottfried Leibnitz) حول من إبتكر حساب التفاضل والتكامل أولاً، ممّا خلق انشقاقاً في الرياضيات في أوروبا دام لأكثر من قرن. كما كرّس نيوتن وقته بتدمير إرث العالم الإنجليزي روبرت هوك (Robert Hooke) الذي كان يعتبر في وقت ما بأنه ليوناردو دافنشي الخاص بلندن.

كم مناسباً حقاً الأمر يبدو بأنَّ وحدة القوة سمّيت نسبة لنيوتن العنيد!

4. تشارلز داروين (Charles Darwin) : الرجل الذي قدم الكتاب التطوري

كانت اهتماماته عندما كان شاباً متمثّلة بجمع الخنافس ودراسة الجيولوجيا بالريف، حتى أنه كان يتغيّب أحياناً عن صفوفه في كلية الطب بجامعة ادنبرة ليفعل هذا. لقد كانت فرصة له في عام 1831 لينضم في رحلة حول العالم، تلك الرحلة التي كان من شأنها ان تجعل من داروين عرّاب البيولوجيا لاحقاً، الذي كان يدرس ذات يوم ليصبح كاهناً.

قضى داروين رحلته التي استمرت خمس سنوات على متن سفينة بيغل (HMS Beagle) والتي عانى طوالها من نوبات الدوار بسبب البحر، وأمضى هذا الوقت في دراسة وتوثيق التكوينات الجيولوجية ومختلف البيئات التي لا تعد ولا تحصى في معظم أنحاء نصف الكرة الجنوبي، ودراسة العالَم النباتي والحيواني التي كانت تحتويها تلك المناطق كذلك.

ملاحظاته تلك دفعته إلى إدراكٍ مربكٍ بعض الشيء متلخّصة بأن نظريات العصر الفكتوري عن أصول الحيوانات كانت خاطئة كلّياً. معظم الناس في عصر داروين كانوا مؤمنين بفكرة الخلق، تلك الفكرة التي تجلّت بأن كائناً إلهياً هو المسؤول عن تنوع الحياة التي نجدها على الأرض.

لكن ملاحظات داروين تضمّنت فكرة مختلفة تماماً. لاحظ داروين اختلافات بسيطة بين كائنات النوع الواحد، تلك الأفراد التي بدت وأنها تعتمد في طريقة عيشها على طبيعة المكان الذي يعيشون به. طيور جزر الغلابوغس مثّلت مثالاً واضحاً، فأشكال المنقار لهذه الطيور تختلف من جزيرة لجزيرة أخرى، حيث تتكيف الطيور مع مصادر الغذاء الخاصة ببيئتها أو جزيرتها. لم يُشِر هذا على قدرة الأجناس على التغير وحسب، بل أشار أيضاً أن هذا التغير كان مدفوعاً بعوامل بيئية بحتة بدلاً من إقحام التدخل الإلهي (هذا المفهوم آنذاك كان يمثل نقطة خلاف شائكة لا تهاون فيها.) في وقتنا هذا نسمي هذا الشيء بـالانتقاء الطبيعي(natural selection.)

عندما عاد داروين كان متردداً بنشر أفكاره الدخيلة والجديدة وفتحها أمام موضع النقد، خاصة وأنه شعر بأن نظرية التطور هذه ما تزال غير مهمة. وبدلاً من نشر أفكاره، ألقى بنفسه في دراسة العيّنات من رحلته البحرية وكتابة سرد تفصيلي لرحلاته. بنى داروين لنفسه سمعة قديرة من خلال جهوده الدؤوبة وأصبح يعتبر عالماً متمكناً، نشر أعماله في الجيولوجيا ودراسة الشعاب المرجانية التي تعد اليوم حقائق لا جدال فيها. تزوج داروين في ذاك الوقت من ابنة عمة إيما ويدوود (Emma Wedgwood) وأنجبا عشرة أولاد، ولما يستحقه الأمر للذكر فقد كان داروين أباً محبّاً ومهتماً بأسرته، كان دائماً ما يشجع أولاده بالقيام بما يحبون ودائماً ما كان يلعب معهم. وعلى الرغم من ذلك، فلم تغب نظرية التطور عن عقله للحظة حتى في أوقات المرح هذه.

اندمجت جميع أبحاث وملاحظات داروين بعد ذلك في كتاب “أصل الأنواع” الذي نشر عندما كان يبلغ داروين 50 سنة في عام 1859. الكتاب المؤلف من 500 صفحة قد نفذ من السوق فور صدوره فقد بيعت جميع أعداده، وكان داروين دائماً ما يواصل بإصدار طبعات
جديدة، حيث يحسن براهينه ويضيف إليها في كل مرة، إلى أن وصل إلى إصداره لست طبعات مختلفة.

بصور عامة، وضع الكتاب حجة بسيطة حول كيفية ظهور مجموعات واسعة من الأجناس المختلفة للكائنات في الأرض، وكان هذا البرهان مبنياً على فكرتين اثنتين:

  1. أن الأجناس يمكنها أن تتغيّر تدريجياً مع مرور الوقت
  2. جميع أنواع الأجناس تواجه صعوبات ناجمة عن محيطها البيئي

من خلال هذه الملاحظات الأساسية فمن المنطقي أن نستنتج ان الأجناس التي تتكيف مع بيئاتها بشكل أفضل سوف تبقى على قيد الحياة وأن الكائنات التي لا تتكيف أو تواجه صعوبة بالتكيف مع بيئتها سوف تنقرض أو لن تعيش.

مع أن نظرية داروين كانت سليمة من الناحية المنطقية ومدعّمة بالكثير من الأدلة والبراهين، لكن أفكاره واجهت انتقادات حادة ممن يؤمنون بفكرة الخلق ومن الاتجاهات الدينية في جميع أنحاء العالم (تماماً ما كان يخشى منه داروين بالمقام الأول.)

على الرغم من أن تقبّل الناس لهذه النظرية كان صعباً حتى عام 1930، إلا أن نظرية داروين حول الانتقاء الطبيعي وأفكاره عن التطور بقيت سليمة دون أن تشوبها شائبة. يذكر جيري كوين (Jerry Coyne) الذي يشغل منصب الأستاذ الفخري في قسم علم البيئة والتطور بجامعة شيكاغو :” لن يكن بمقدوري أن أثني بما يكفي على الكم الثوري الذي حملته نظرية داروين وإلى المدى الذي غيرت به النظرية وجهات نظر الناس في وقت قصير جداً”.

5. نيكولا تيسلا (Nikola Tesla) : ساحر الثورة الصناعيّة

شُيّد تمثال برونزي لتيسلا في نواحي كندا حيث يظهر فيه تيسلا قابضاً قبّعته الشهيرة في يده ومشيراً بعصاه في اليد الأخرى نحو شلالات نياجرا حاثّاً المارّة بتحويل نظرتهم نحو المستقبل. يقف تمثال تيسلا هذا فوق المحرك الحثّي الذي اخترعه والذي يمثّل أول محّرك ليشغّل محطّة توليد الطاقة الكهرومائية.

ندين بالكثير من حياتنا المفعمة بالكهرباء حالياً للتجارب المعمليّة التي قام بها المهندس الصربي الأميركي “تيسلا” الذي ولد عام 1856. تصميماته طورت التيار المتردد (alternating current) منذ بداية اكتشافه للكهرباء وظهور العصر الكهربائي. الأمر الذي أدى وقتها إلى إنارة أميركا بأكملها. طوّر “ملف تيسلا” (Tesla coil) -محوّل كهرباء عالية الجهد- وتقنيات لنقل الطاقة لاسلكياً. ينتفع صانعو الهواتف في أيامنا هذه وحتى غيرهم من الأشخاص الآخرين من هذه الفكرة حتى يومنا هذا.

كان يعرف تيسلا بأنه عبقريّ غريب الأطوار(كان يملك كاريزما غريبة أطوارٍ شبيهة بشخصية الشخصية الخيالية “شارلوك هولمز”). قدّم ذات مرة نظام أبراج يدّعي أنه بإمكانه أن يسحب الطاقة من البيئة ويرسل الكهرباء والإشارات إلى جميع أنحاء العالم.. لاسلكياً حتى! –تخيّل لو أنك عاصرته في ذاك الوقت! .. نعم نعم سوف تضعه في مشفى أمراض عقليّة لأنه كان أمراً في منتهى الجنون والخيال، لم يكن أحد ليصدّقه بحق- . لكن نظريّته وقتها لم تكن سليمة ولم يكتمل المشروع. وادّعى أيضاً انه اخترع (death ray) –سلاح نظري يعمل بواسطة فيض جسميات أو موجة كهرومغناطيسية-

بدأ سحر تيسلا يطغى على اختراعاته في السنوات الأخيرة؛ حيث أصبح الزوار في معرض كومك-كون في سان دييغو يتباهون بارتداء نفس ملابس تيسلا، والسيارة الكهربائية الأكثر شهرة في العالم تحمل اسمه، حتى أن الأمر وصل بأن الجمعية الأميركية الفيزيائية لديها كتاب هزلي أو ما يعرف بـ”كوميك بوك” يُدْعى تيسلا؛ حيث يواجه فيه البطل تيسلا الشرير الخسيس توماس آديسون –كما كان الحال في الحياة الحقيقة- (مجرّد فكرة قراءة الكتاب تركتني غارقاً في الضحك هههه).

لقد كان رجلاً ساحراً ذي كاريزما فعلاً.

السحر الذي كان يملكه تيسلا كان من صنعه الخاص الذي تجلّى من خلال أعماله. حيث زعم في إحدى المرات أنه “وبغير عمد” تسبب بزلزالٍ في مدينة نيويورك أثناء استخدامه لمولد كهربائي يعمل بالبخار كان قد اخترعه!

تيسلا لم يكتشف “التيار المتردد” كما يعتقد معظم الناس، بل كان موجودا منذ عقود، لكن نظرياته واختراعاته المستمرة وبراءات الاختراع جعلت منه اسماً مألوفاً في ذاك العصر، الأمر الذي كان نادر الحدوث للعلماء في ذاك القرن.

لا يزال إرث تيسلا منيراً حتى يومنا هذا.

6. غاليليو غاليلي (Galileo Galilei) : مكتشف الكون

في حوالي الأول من ديسمبر من عام 1609 وجه عالم الرياضيات الإيطالي غاليليو غاليلي تلسكوبًا على سطح القمر وخرج بعلم فلك حديثً. ملاحظاته هذه أظهرت فيما بعد أربعة أقمارا صناعية ضخمة تدور حول كوكب المشتري. ووضّح بأن الضوء الذي يعمّ في مجرة درب التبانة هو ضوء آتي من نجومها العديدة القاتمة. أكتشف غاليليو أيضاً دورة حياة كوكب الزهرة، الأمر الذي اكد أن الكوكب يدور حول الشمس داخل مدار الارض. وكتب غاليليو آنفاً ” أقدم الشكر الجزيل لربي، الذي فضّل علي بجعلي أول من يراقب هذه الأمور الفاتنة.”

لم يخترع غاليليو التلسكوب ولم يكن أول من تناول علم الفلك، لكن استنتاجاته غيرت مجرى التاريخ. كان غاليليو قد علم أنه وجد دليلاً يثبت نظريات العالم الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنشيوس (Nicolaus Copernicus) الذي أطلق ثورة علمية من خلال نموذجه للنظام الشمسي المتمركز حول الشمس.

لم تكن أعمال غاليليو متعلقة بالفلك وحسب، فدراسته حول الأجسام الساقطة أظهرت أن الأجسام التي تسقط معا في ذات الوقت سوف تصل إلى الأرض في ذات الوقت أيضاً لكن هذا لا يتضمن الحالات التي تتدخل المقاومة الهوائية فيها، فالجاذبية لن تعتمد حينها على حجم هذه الأجسام. وقانونه عن القصور الذاتي سمح لنا بفهم طبيعة دوران الأرض.

لكن كل هذا العلم الفلكي كان يتناقض مع عقيدة الروم الكاثوليكية. التي كانت مبنية على نظريات أرسطو الخاطئة عن الكون. أمرت محاكم التفتيش في عام 1616 جاليليو بالتوقف عن نشر آرائه والترويج لها. لكن الضربة التي قصمت ظهر البعير أتت من مسؤولي الاتجاهات الدينية آنذاك عام 1633 عندما نشر غاليليو مقارنة بين نظامي الكوبرينيك (نظرية مركزية الشمس) والباتولمنيك (نظرية مركزية الأرض) مما جعلهم يبدون كمغفلين. فوضعوا غاليليو حينها تحت الإقامة الجبرية إلى أن توفي سنة 1642 وهو نفس العام الذي ولد فيه إسحاق نيوتن، العالم الذي سيعتمد لاحقاً على قانون القصور الذاتي لجاليليو.

7. آدا لوفليس (Ada Lovelace) : مشعوذة الأرقام

إذا قلت بأن آدا كانت الأفضل في عصرها فأنا أقلل من شأنها حقاً. استحقت آدا مكانة رفيعة في التاريخ بكونها أول مبرمج حاسوب –قبل قرن كامل من ظهور الحواسيب في وقتنا هذا-

تعاونت آدا (الإبنة الشرعية الوحيدة للشاعر “لورد بايرون”) مع عالم الرياضيات والمخترع والمهندس “تشارلز باباج” وبدأ تعاونهم في أوائل ثلاثينيات القرن التاسع عشر عندما كانت تبلغ فقط 17 عاماً.

وضع باباج خططاً حول آلة معقدة سماها في ما بعد بـ”المحرك التحليلي” (Difference Engine) –آلة حاسبة ميكانيكية عملاقة- بعدها التقت آدا به خلال حفلة حيث كان وقتها باباج قاطعاً نصف مشواره في عمله على الآلة. أظهر حينها باباج نموذجا أوليا غير مكتمل عن آلته أمام الزوار الذين حدّقوا بهذه الاداة الجميلة، وفهمت الشابة آدا وقتها طبيعة عمل هذه الآلة ورأت الجمال العظيم في هذا الاختراع.

بدأت علاقتهم بسبب هوس الرياضيات، وتطور الأمر فيما بعد ليكوّنا علاقة صداقة حميمة التي استمرت حتى وفاة آدا في عام 1852 وهي ما زالت شابة بعمر السادسة والثلاثين. كانت آدا هي الشخص الذي أدرك الإمكانيات الحقيقية لهذه الآلة.

كان المحرك التحليلي أكثر من مجرد آلة حاسبة، فطبيعة آلياته المعقدة وحقيقة أنه كان يتطلب من المستخدم إدخال الأوامر عبر بطاقة عنى بأن المحرك بإمكانه القيام بأي مهمّة رياضية تقريباً. كتبت آدا مخططاً لحل مشكلة رياضية معقدة. ويرى العديد من المؤرخين أن هذا المخطط يمثّل أول برنامج حاسوبي وأن آدا هي أول مبرمج حاسوب.

باباج يصف آدا بأنها كانت الساحرة التي رمت بسحرها على اكثر العلوم تجريداً وتشرّبت معرفتهم بسهولة.

8. فيثاغورس (Pythagoras) : أعجوبة الرياضيات

عالم رياضيات في القرن السادس قبل الميلاد. يعود الفضل إلى الفيلسوف وعالم الرياضيات اليوناني في اختراع نظريته التي تحمل اسمه. لكن لا يجب أن ننسى من أن نتيقّن من صحة هذا الكلام.

يقول “كارين إيفا كار” المؤرخ المتقاعد من جامعة بورتلاند بأن علماء الرياضيات البابليون والمصريون استخدموا هذه المعادلة قبل فيثاغورس بقرون عديدة. كان العديد من العلماء يفتحون أبواباً لتطوير الدلائل التي يكتشفوها وعلاوة على ذلك أيضاً فقد كان طلاب فيثاغورس ينسبوا اكتشافاتهم الرياضية الخاصة بهم إلى استاذهم. مما يجعل من الصعب التأكد من هويّة مخترع نظريّته بالتحديد. لكن على الرغم من هذا فنحن نعرف عن فيثاغورس ما يكفي لكي نجزم بأنه أحد أكثر العلماء الرياضيين عبقرية في العصور القديمة. تأثيره في علم الرياضيات واسع وراسخ.

9. كارل لينيوس (Carl Linnaeus) : عراب الأسماء

بدأ الأمر في السويد؛ ابتكار عملي وسهل الاستخدام اجتاح العالم، مما أدى إلى ترتيب الفوضى. لا، ليست فوضى من النوع المثير للشغب وعدم الاستقرار، نحن نتكلم عن نظام التسمية الثنائية (binomial nomenclature system) النظام الذي منحنا لغة واضحة ومشتركة مبتكرة من قبل كارل لينيوس.

كان لينيوس الذي ولد في جنوب السويد عام 1707 رجلا عمليّاً. عاش في وقت لم يكن فيه التدريب العلمي الرسمي شائعاً، ولم يوجد وقتها أي نظام ليعرّف ويميز بين الأفراد والكائنات الحية. كان لدى الحيوانات والنباتات أسماء مشتركة وتتنوع باختلاف اللغة والموقع.

وكان القرن الثامن عشر آنذاك غني بالاكتشافات النباتية والحيوانية من قبل المستكشفين الاوروبيين من جميع أنحاء العالم، حيث ظهرت العديد من الأصناف الجديدة من النباتات والحيوانات. تقول ساندرا ناب (Sandra Knapp) التي هي عالمة نباتات في متحف التأريخ الطبيعي في لندن :” لابد من وجود المزيد والمزيد من الأشياء الجديدة التي ستكتشف والتي يجب أن يتم وصفها وتصنيفها، والنظام الحالي أصبح معقداً للغاية”

كان لينيوس أيضاً عالم نباتات دقيق الملاحظة. استخدم ليونيوس لأول مرة ما سمّاه بـ”الأسماء المختزلة” ضمن هوامش كتابه (Species Plantarum) الذي صدر عام 1753 حيث كان قد أعدّ منهج اللغة الثنائية اللاتيني البسيط لاختزال نوع كل نبتة وسلْك طريقة سهلة لتذكر أسمائهم.

تقول “ناب” عن الأسماء المختزلة التي نعرفها نحن بوقتنا هذا باسم “الأنواع والأجناس” :”لقد غيرت البنية الإسمية لجميع اللغات في جميع أنحاء العالم.” وفوراً تحوّلت الأسماء من وجودها كهوامش في كتابٍ وحيد إلى كونها أساساً في علم النبات وإلى البيولوجيا بحد ذاتها بعد ذلك. لقد بدأ لينيوس ثورة علمية دون حتى أن يقصد.

يعتبر لينيوس اليوم عرّاب علم التصنيف، العلم الذي يُستخدم لتصنيف جميع الكائنات الحيّة بتسلسل هرمي تطوري أو كأشجار الأصل -مثل شجرة العائلة.- فكرة العالم السويدي كانت تتركز حول تسمية الأشياء وليس اكتشافها أو استخراجها، الأمر الذي تطور بعد ذلك بقرن مع ظهور داروين.

تم استبدال نظام لينيوس مع تحسن فهمنا ومع التطور الذي يحصل بالتحليل الوراثي وكيف أن التحليل الوراثي غير من كيفية تصنيف الكائنات الحية. لكن لا يزال نظامه البسيط وسهل التكيف قائماً.

10. روزاليند فرانكلين(Rosalind Franklin) :البطلة التي هُشِم حقها

في عام 1962 تشارك فرانسيس كريك (Francis Crick) وجيمس واتسون (James Watson) وموريس ويلكنز (Maurice Wilkins) جائزة نوبل عن وصفهم لبنية “التركيب اللولبي المزدوج” للحمض النووي (double-helix ) الذي كان أعظم اكتشاف في القرن العشرين، لكن لم يذكر أحد روزاليند فرنكلين التي تمثل أعجوبة القرن العشرين.

ولدت روزاليند في بريطانيا – إيرلندا، كانت امرأة ملهَمةً ولا تقبل إلا بالكمال وعزلت نفسها بالعمل لوحدها. تقول أخت روز بأن جينيفر غلين (Jenifer Glynn) كتبت في أختها أنها ” كانت حساسة ولم تصنع أصدقاء بسهولة، لكن عندما بنت صداقات كانت في منتهى الإخلاص.”

عالماً كيميائياً بارعاً وفناناً بدراسة البلورات بالأشعة السينية (X-ray crystallography) ما كانت عليه روز – دراسة البلورات بالأشعة السينية: تقنية تصوير تكشف التركيب الجزيئي للمادة استناداً إلى النمط الذي تنتشر به موجات الأشعة.- لا تزال أبحاثها القديمة حول مجهرية الكربون والجرافيت يستشهد بها. وعملها على الحمض النووي (DNA) كان الأكثر أهمية؛ فربما قدم هذا العمل جائزة نوبل لثلاث رجالٍ على طبق من ذهب.

كانت روز على وشك إثبات نظرية التركيب اللولبي المزدوج بعد التقاطها للصورة رقم 51 أثناء تواجدها في كلية الملك في لندن أو حسب ما تعرف بلندن بـ”جامعة لندن” (King’s College London). كانت الصورة تعتبر أفضل صورة لجزيء الحمض النووي في ذلك الوقت، لكن سُنح لواتسون وبريك بعد ذلك بأخذ نظرة مختلسة على عمل روز، فقد أظهر زميلها ويلكنز الصورة رقم 51 لواتسون. ماكس(Max Perutz) الذي كان آنذاك عضواً في مجلس البحوث الطبية في جامعة لندن سلّم لـ”كريك” بيانات ودراسات غير منشورة لروز كانت قد قدمتها إلى المجلس. نشر بعدها واتسون وكريك ورقتهما الأيقونية الأولى في عام 1953 ضمن مجلّة (Nature) وبالكاد تم ذكر روزاليند التي كان طابع لمستها طاغياً في تلك الورقة.

تركت روز جامعة لندن في عام 1953 في خطوة كانت تخطط لها مسبقاً منذ فترة طويلة من أجل أن تنضم إلى مختبر بيرنال(Bernal’s lab) في كلية “بيركيبيك” المكان الذي اكتشفت فيه البُنية الهيكلية لفايروس التبغ (tobacco mosaic virus) لكن روز كانت قد أصيبت بسرطان المبيض في ذروة حياتها المهنية في عام 1956- يحتمل أنه أصابها بسبب عملها على الأشعة السينية وتعرضها الشديد لها- لكن حتى حينها واصلت روز العمل في المختبر حتى وفاتها في عام 1958 في مقتبل عمرها عندما كانت تبلغ 37 عاماً.
” كعالمة، كانت الآنسة روز قد تميزت بالصفاء والكمال والوضوح في كل ما قامت به” هذا كان ما كتبه بيرنال في نعيِ روز.

على رغم انجازاتها التي كانت هي من جذبت اهتمام أصدقاءها المقربين ورفعت من مكانتهم، إلا أن إرث روزاليند الحالي وتذكر الكثير من الناس لها تجلى بالإهمال الذي حلّ عليها.

ترجمة: نور الدين حاتم

المصادر: 1