ما هو أكبر خطأ في تاريخ العلوم؟

العلوم هي أحد أهم اختراعات الجنس البشري. وقد كانت مصدر إلهام وفهم رفعت حجاب الجهل والخرافة. واعتبرت المحفز الأساسي للتغييرات والتحولات الاجتماعية والنمو الاقتصادي كما ساهمت في انقاذ عدد كبير من الناس.

رغم كل الفوائد الناجمة عن تطور العلوم، إلا أن التاريخ بين أنها سيف ذو حدين. فبعض الاكتشافات كانت أضرارها أكثر من منافعها. وهناك خطأ لن تجده أبدا ضمن لوائح إخفاقات العلم التي تنشر على الانترنت باستمرار.

إن أفضع خطأ في تاريخ العلم هو وبلا شك تصنيف البشر حسب أعراق مختلفة.

مما هو معلوم، هناك أخطاء فادحة في تاريخ العلم مثل اختراع الأسلحة النووية والوقود الأحفوري،

CFCS) Chlorofluorocarbons)، البنزين المزود بالرصاص والـ DDT ، إضافة إلى نظريات ضعيفة واختراعات مريبة مثل الأثير المضيء، توسع الأرض، المذهب الحيوي، ونظرية اللوح الخالي وفراسة الدماغ وإنسان بلتداون إلى غير ذلك.

لكن نظرية العرق تبرز من بين كل تلك المذكورة لأنها كانت سبب قصص البؤس المسكوت عنها واستعملت لتبرير جرائم الاستعمار الوحشية والعبودية وجرائم الإبادة الجماعية. وإلى يومنا هذا لا زالت تستعمل لتبرير وتعليل الفوارق الاجتماعية وعدم المساواة، وتعتمد عليها جماعات اليمين المتطرف إلى يومنا هذا في جميع أنحاء العالم.

العرق البشري اخترع من طرف أنثروبولوجيين مثل Johann Friedrich Blumenbach وتعود إلى القرن الثامن عشر، إذ تم تقسيم الناس حسب الأعراق إلى مجموعات صغيرة من أجل مساعدة الاستعمار الأوروبي على التوسع.

منذ البداية والطبيعة الذاتية لأقسام العرق معروفة على نطاق واسع، وعادة ما كانت الأعراق تحدد من خلال الاختلاف الثقافي واللغوي بين الجماعات وليس على أساس الاختلافات البيولوجية. كما كانت تعتبر كحق ممنوح إلى حدود القرن العشرين حيث بدأ الأنثروبولوجيين يضعون معايير جديدة للتقسيم العرقي وركزوا على الاختلافات البيولوجية التي يحددها علم النفس. نذكر منها اختلافات مستويات الذكاء والتربية والتعليم والمداخل السوسيوثقافية.

كان هناك دائمًا قدرًا كبيرًا من القلق بشأن العرق واعتقاد سائد يرمي إلى أن الفئات العرقية من الصعب أن يكون لها وجود على أرض الواقع.

ومن أشهر الانتقادات التي وجهت إلى هذه النظرية كانت من طرف الأنثروبولوجي Ashley Montagu الذي كتب سنة 1941: ” تلك العجة المسماة “بالعرق” لا وجود لها خارج نطاق الإحصاء الذي عمل الخيال الأنثروبولوجي على الحد منه”.

إذا كان العرق لازال منتشرًا في الأوساط الاجتماعية والسياسية، فماذا يعتقد العلماء حوله؟ هل يعتقد الأنثروبولوجيون أن الأعراق لازالت صالحة؟

قام 3000 أنثروبولوجي على رأسهمJennifer Wagner من Geisinger Health System وفريقه، بدراسة إحصائية نشرت مؤخرا على American Jounal of Physical Anthropology، وتحتوي على مجموعة من الرؤى توصلوا إليها انطلاقًا من وجهات نظرهم واعتقاداتهم.

الأشخاص الذين شملهم هذا المسح هم أعضاء جمعية الأنثروبولوجيين الأمريكيينAmerican Anthropological Association ، وهم من أهم الأنثروبولوجيين في العالم.

طلبوا بالإجابة على 53 بيان حول العرق شملت مواضع مثل إن كانت الأعراق فعلًا تحدد بيولوجيا وإن كان يمكن أن تلعب دورًا في مجال الطب واستعمالها في الاختبارات الجينية التجارية. وإذا كان لفظ “الأعراق” يمكن أن يستعمل إلى الآن.

وكانت نتائج الأجوبة على بيان “التجمعات البشرية يمكن أن تقسم إلى أعراق بيولوجية”. كالتالي: 86% من المستطلعين لا يتفقون نهائيا. وعلى البيان “التقسيم العرقي يحدد حسب المعايير البيولوجية” 88% عبروا عن عدم اتفاقهم مع هذا المعطى. أما البيان الثالث” معظم الأنثروبولوجيين يؤمنون أن الإنسان يمكن أن يقسم إلى أعراق بيولوجية”. 85% لا يتفقون.

يمكن أن نستخلص أن الأنثروبولوجيين يجمعون على أن نظرية الأعراق ليست حقيقية ولا تعكس الواقع البيولوجي ومعظمهم لا يؤمنون أن للتقسيمات العرقية مكان في العلم.

وبين المسح أيضا أن الأنثروبولوجيين الذين ينتمون إلى جماعات الأعراق “المميزين” كالرجال والنساء البيض إذا انطلقنا من السياق الأمريكي كانوا من بين من اعترفوا بحصافة الأعراق أكثر من جماعات الأعراق “غير المميزة”.

هؤلاء العلماء “المميزين” في جماعاتهم، يمثلون 75% من الأنثروبولوجيين المستطلعين. ولهم تأثير كبير في مجالهم لكونهم يحضون بالتمويل ويعلمون الأجيال القادمة من الأنثروبولوجيين، وهم واجهة هذا المجال باعتبارهم خبراء فيه وآراءهم حول القضايا مثل الأعراق تؤخذ بعين الاعتبار.

ما يمكن أن نستنتجه إذن هو أن الأنثروبولوجيين مثل غيرهم يخضعون لانحيازاتهم اللاواعية خاصة وأن المعتقدات الثقافية والوضع الاجتماعي يؤثر في تحديد معتقداتنا حول مواضع مثل العرق.

“نحن الأنثروبولوجيون” نحب أن نتحدى آراءنا النابعة عن الانتماءات الثقافية كما ينبغي أن نعطي لهؤلاء العلماء الذين لا ينتمون إلى جماعات مميزة الحق الأكبر للتعبير”.

نتج عن هذا المسح بيانًا قويًا تضمن رجع صدى لرفض العرق من طرف العلماء الذين اخترعوا نظام التقسيم العرقي ذاته. كما أنه يمثل تقبل الأنثروبولوجيين على المستوى العالمي لعقود الأدلة الوراثية التي ترمي إلى أن التنوع البشري لا يمكن أن يخضع لنظام التقسيم العرقي.

ترجمة: فاطمة الزهراء رحامني

المصادر: 1