ما هو التفرُّد: اشرحه لي وكأنني بعمر 5 سنوات!

هذه تجربة ملائمة لكل الأعمار؛ لم لا تقترب من والديك وتسألهم بلطف عن ذلك الوقت قبل ولادتك. إن كانا قد فكّرا يوماً بزمن يستطيع فيه الجميع نشر ومشاركة صورهم في شبكة اجتماعية تدعى “فيسبوك”! أو أنهم سيستقبلون إجابات لكل أسئلتهم عبر كيان غامض يدعى “قوقل”! أو أنهم يستمتعون بخدمات من ناصح رقمي يدعى “وايز” يرشدهم لكل مكان عبر الطرقات… إذا تخيّلا يوماً بأن ذلك سيحدث، أحِلهما إليَ بلطف، فنحن بحاجة دوماً لمستقبليين رائعين!

الحقيقة أنه لم يكن سوى القليل من التفكير، في تلك الأيام الخوالي من الماضي، حيث التقنيات مثل الحواسيب العملاقة والشبكات اللاسلكية والذكاء الاصطناعي ستصنع طريقها نحو عامة الناس في المستقبل. وحتى أولئك الذين توقعوا أن هذه التقنيات ستصبح أقل سعراً وأوسع انتشاراً، قد فشلوا في تخيل الاستخدامات التي وضعت لها، أو كيف ستغير المجتمع. وهان أنت اليوم بإمكانك نشر صورتك عارياً على الفيسبوك! فشكراً للتكنولوجيا.

إن التاريخ مليء بالقضايا التقنية الحديثة والتي وضعت حجر الأساس أو كوّنت مجموعة تقنيات غيرت حياة الإنسان بالكامل. لقد كان التغيير دراماتيكياً حيث عاش الناس من قبل الطفرة التكنولوجية، وكم كان صعبا فهم كيفية تفكير الأجيال اللاحقة. بالنسبة للأشخاص فيما قبل التغيير فالاجيال لم تكن سوى كائنات فضائية في طريقة تفكيرهم ورؤيتهم للعالم.

هذه الأنواع من التحولات الدراماتيكية في عصر التفكير تدعى التفرُّد – حيث أن التعبير مشتق من الرياضيات ويصف تلك النقطة حيث نعجز عن فك رموزها لمواصفاتها الدقيقة، إنه ذاك المكان حيث المعادلات تبدو غبية ولا تصنع أي فارق.

قد ازداد التفرُّد شهرةً خلال العقدين الماضيين نسبة إلى اثنين من المفكرين. أولهما العالم وكاتب الخيال العلمي فيرنور فينج الذي كتب عام 1993 :”خلال ثلاثين سنة سنمتلك القيمة التقنية لابتكار الذكاء الخارق. بعد فترة وجيزة، سينتهي عصر الإنسان”. أما النذير الشهير الآخر في التفرد فهو راي كورزويل. في كتابه “التفرد قريب” يتفق كورزويل جوهرياً مع فينج لكنه يعتقد أن القادم يحمل الكثير من التفاؤل حول تصوره للتطورات التقنية.

يعتقد كورزويل أننا خلال 2045 سنخوض تجربة التفرد التقني الأعظم في تاريخ البشرية: ذلك النوع الذي وخلال سنوات قليلة فقط، سيُسقط معاهد وركائز المجتمع وسيغير طريقة رؤيتنا لذواتنا ككائنات بشرية.

يتفق كل من فينج و كورزويل بالاعتقاد بأننا سنصل ذاك التفرد من خلال ابتكار الإنسان الخارق (الذكاء الاصطناعي). حيث أن الذكاء الاصطناعي لربما يحلل أفكاراً لم تخطر ببال البشرية من قبل وستقوم باختيار أدوات أكثر تقدماً و تطوراً مما نعيشه اليوم. أحد الأدوار التي يؤديها الذكاء الاصطناعي أن يقوم بتطوير نفسه وتنفيذه بشكل أفضل، وكم يبدو واضحاً لطف خارق الذكاء ذاك، حيث سيطور اصداراً أفضل لنفسه. خمّن ما الممكن أن تفعله الأجيال القادمة من خارقي الذكاء بعد ذلك؟

هذا ليس إلا سباقاً سيؤدي لانفجار الذكاء، وسوف يتركنا فقراء كبيرين – آلات حيوية بسيطة- خلفه بعيدآ ويمضي.

سكان آينشتاين!

إذا ما أخافك هذا الخيال، فأنت مع مجموعة جيدة حيث العلماء والمفكرين والمخترعين ذوو الاعتبار على نحو واسع أمثال ستيفن هوكنغ و ايلون مسك، حيث تمثل اهتمامهم بالذكاء الخارق على أنه سيخرج عن سيطرتنا و يصبح ضدنا أيضا.

مما يزيد التركيز حول الفرص العظيمة التي تنتظرنا بما يخص التفرد حيث يعتقد بأنه في حال أحكمت سيطرة الذكاء الاصطناعي، من الممكن أن يحلل ويكشف لنا العديد من روائع هذا العالم.

آينشتاين، بعد كل هذا، كان العبقري الباهر الذي أحدث ثورة في مفهومنا للفيزياء. تخيل كيف سيكون العالم لو أننا طوّرنا العشرات أو المئات، بل الآلاف من “آينشتاين” ليحل لنا كل المشاكل ويجد كل الحلول.

على نفس النحو، كيف ستبدو الأشياء لو أن كلاً منا تمتع ب “طبيبه المنزلي” الخاص، الذي وباستمرار يقوم بتحليل الحالة الصحية ويطوّر التوصيات باستمرار؟ وأي أفكار جديدة واكتشافات ستقوم بها خارقة الذكاء من التقنيات عند دراستها لتاريخ البشرية والكتب المقدسة؟ ها نحن نلاحظ كيف انها بدأت تغير الطرق التي نفكر بها بذواتنا.

الحاسوب” دييب بلو” تمكن من التغلب على غاري كاسبوروف في الشطرنج سنة 1997. اليوم و بعد ما يقارب العشرين عاماً من التطورات الأخرى، لا يستطيع سادة لعبة الشطرنج من البشر التغلب على أنفسهم في مستوى الذكاء الخارق المستخدم في اللابتوب.

لكن و بعد هزيمة كاسبوروف، قام بابتكار نوع جديد من مسابقات الشطرنج بحيث يوجد لاعبين على شكل روبوت حاسوب يحمل مواصفات بشرية، سوياً قاموا بإحراز نجاح أعظم من تلك النجاحات القادر على احرازها بنفسه. بهذا الصنف من التعاون، يقوم الحاسوب ببرهنة سريعة وإعطاء الحركات المناسبة واقتراحها للاعب البشري. إنه مواطن بشري بحاجة للاحتجاج على أفضل اختيار لفهم المعارضين والتخلص منهم بالقوة.

سوياً سيكونان القنطور وهو مخلوق أسطوري تجتمع فيه أفضل سمات الصنف البشري المختلفة. كما نرى، فإن التقنيات خارقة الذكاء لديها القوة كلاعبوا شطرنج لدخول انسانيتها ولعبتها. في العقود القليلة القادمة سنتوقع تفرداً مماثلاً يحدث لباقي الألعاب والمهن والمجالات التي عادةً ما حافظت على طابعها البشري فقط فيما سبق. بعض البشر سيكونون في صراع ضد خارقي الذكاء و آخرين سيتجاهلونهم، اقتراب كليهما سيطور كارثة، حالما يصبح خارقو الذكاء مؤهلين وقادرين مثل البشر، فإن كلاً من المتجاهل والمعارض سيبقى خلفهم. أما البقية ممكن يدركون أن الطريقة الوحيدة لنجاح الراحة هي التعاون مع الحاسوب. هم سيساعدون الحاسوب في التعلم وتوجيه النمو. هؤلاء سيكونون القنطور للمستقبل. هذا الوعي بأن المرء لا يمكن أن يعتمد على نفسه وعقله فقط، بل عليه أن يتعاون و يتظافر مع الحواسيب المتطورة لمواجهة تحديات الغد.

أليس هذا هو التفرّد بحد ذاته!؟

ترجمة: الزهراء عمر

المصادر: 1