كنوت هامسون الذي قيل عنه تجاوز دوستويفسكي في سبر أغوار النفس البشرية

هلْ عادَ “دوستويفسكي” مرّةً أخرى إلى الحياةِ ليكْتب نصّاً أدبياً نشر تحت اسْم “كنوت هامسُن”؟ أمْ أنّ هُناك بالفِعل رِوائيّاً آخر يستطيعُ أن يصل إلى ذروةِ التحليلِ النفسِيّ في شُخوص أبطاله بقدرِ ما كان يفعلُ “دوستويفسكي”؟.

لقد ذهب أحدُ الروائيّين إلى حُدودِ الإقرارِ بأن “هامسن” تخطّى “دوستويفسكي” نفسِه، قد لا أتفقُ معه بشكل كاملٍ ولكن بعد قراءةِ أسرارِ يمكن أن أقول إنّ “هامسُن” وصل إلى مناطِق مُخيفةٍ في النفسِ البشريةِ لم يصل إليها “دويتويفسكي” نفسهُ.

لم أتخيّلْ بأنِّي سأقولُ هذا الكلام في يومٍ من الأيام ، ولكن هامسن فعلها بجدارةٍ، وكانت مفاجئةُ بالنّسبةِ إليّ ، مُفاجأةً لم أتخيّلها حقّاً. في هذه الرِّوايةِ لا يسندُ كنوت هامسن بل يضربُ، وكأنَّ ما يكتبُ به النّصُّ مِطرقةً وليس قلماً. مطرقة تحطُّمٍ وتبعثُرٍ.

ولكن هذا الضّرب السّرْديّ مقدود من لُغةٍ عذبةٍ وشِعريةٍ للغايةِ. يحفِرُ “هامسُن” في أعْماقِ شخصِيّاتهِ ولا يكفُّ عن الحفرِ … من قال إن هناك عُمقاً قد ينتهي ؟ ففِي النّهايةِ لا وجود لغيرِ هاويةٍ سحيقةٍ، هاوية لا قرار لهُ.

ينتمي كنوت همسون الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1920، إلى عائلة ريفية فقيرة، وقد عاش طفولة قاسية في رعاية عمه الذي كان ينتمي إلى الحركة التقوية (حركة دينية نشأت في ألمانيا في القرن السابع عشر واكدت على دراسة الكتاب المقدس وعلى الخبرة الدينية الشخصية – المنهل).

بعد أن مارس العديد من المهن الوضيعة لكسب قوته، سافر إلى بلاده بسبب المرض الذي أصابه في غربته. بعد شفائه سافر من جديد إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وقد سمحت له هذه الاقامة الثانية بالتعرّف على الحياة الأمريكية في جميع جوانبها. واعتمادا على ذلك أصدر عام 1889 كتابا حمل عنوان «الحياة الثقافية في أمريكا الحديثة» ثم نشر في السنة التالية «1890» مقالا بعنوان: «الحياة اللاواعية للروح» وفي الكتاب المذكور- كما في هذا المقال- هاجم بحدة «المادية الأمريكية الصاخبة».

في بلاده ألقى العديد من المحاضرات في العاصمة أوسلو، وفي المدن النرويجية الأخرى حول نفس الموضوع معتبرا «المادية الأمريكية» ضدّ الإنسان وضدّ الطبيعة وأن الديمقراطية في بلاد «العم سام» مزيّفة. وفي محاضرته هاجم كنوت همسون الكاتب النرويجي الكبير ابسن، مندّدا ب «أخلاقيته العرجاء». وكان كنوت همسون يؤمن بأن البشر درجات، وأنهم ليسوا متساوين في الذكاء، لذا كان يقول بأنه ينتمي إلى ما كان يسميه ب « ارستقراطية الحس والذكاء» وفي كتاباته حاول الدفاع عن أفكاره. وقد جاءت لغته موسيقية، متدفقة وقادرة على أن تلتقط حتى التفاصيل الدقيقة.

في عام 1890، أصدر كنوت همسون روايته «الجوع» التي حققت له شهرة عالمية واسعة. وفي هذه الرواية يدين «الحضارة المادية» وجميع مظاهرها التي «لوثت الحياة الإنسانية» وجعلتها «غير محتملة». وهذا ما فعله أيضا في جل الروايات التي أصدرها خلال مسيرته الإبداعية الطويلة. أثناء الحرب العالمية الثانية، ناصر النازية، واعتبر ان هتلر قادر على أن «يقيم في ألمانيا مجتمعا جديدا، متحررا من كل الأمراض التي جلبتها الحضارة المادية».

وقد أصيب كنوت همسون أكثر من مرة بنوبة عصبية حادة، وفي أواخر حياته اشتدت عليه هذه النوبات حتى لم يعد يعي ما يقول وما يفعل.
في كتابه: «كنوت همسون، الحالم والغازي» يضيء النرويجي « انغار سلاتن كولو» جوانب جديدة في حياة صاحب رائعة «الجوع» ويشير إلى أن بعض أفراد عائلة هذا الكاتب كانوا مصابين بالعفة والجنون. كما يشير إلى أن السنوات القاسية التي عاشها في طفولته وفي سنوات مراهقته وشبابه، تركت في نفسه جروحا لم تبرأ حتى عندما تقدمت به السن، وحصل على شهرة عالمية كبيرة. وكان شديد الاعجاب بنيتشه وأيضا بالكاتب السويدي ستراندبارغ.

في روايته «فيكتوريا» كتب عن الحب حيث يقول: «ولكن ما هو الحب بالضبط؟ هل هو ريح تداعب شجرة الورد؟ لا إنه شلة تسيل في عروقنا وهو موسيقى جهنمية ترقص حتى قلوب الشيوخ وهم على حافة القبر!».

يقول «انغارسلاتن كولو» إن كنوت همسون كان فخورا بجذوره الريفية، وكان يتباهى بها أمام الجميع، بل انه حاول في جميع ما كتب أن يبتكر ما كان يسميه ب «الرومانسية الزراعية» المضادة لصخب المدينة الحديثة وللحضارة المادية، وعندما صعد النازيون إلى السلطة في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، راح كنوت همسون يحثهم على ضرورة حماية النرويج من «الخطر البريطاني» وحين اندلعت الحرب الكونية الثانية، حرّض أهل النرويج على مناصرة النازيين. لذلك لم يتردّد في أن يلتقي بغوبلز وزير الدعاية النازية كما أنه التقى بادولف هتلر. وعندما سقطت النازية، وانهارت الدولة التي أقامتها وانتحر زعيمها: قال كنوت همسون ممّجدا «الفوهر»: «لقد كان مُصلحا استثنائيا ومصيره التاريخي جعله يصطدم بفترة تاريخية اتسمت بعنف لا مثيل له. وهذا العنف هو الذي كان سببا في سقوطه».

بعد نهاية الحرب الكونية الثانية، حوكم واودع مصحة الأمراض العقلية، وهناك كتب نصا للدفاع عن نفسه وعن أفكاره حمل عنوان: «على الدروب حيث ينبت العشب».

وفي السنوات الأخيرة من حياته، عاش كنوت همسون العزلة، وكان أهل بلاده يتعاملون معه كما لو أنه «خائن للوطن». أما الروايات التي ألفّها فلا تزال إلى حد هذه الساعة تفتن الملايين من القراء في جميع أنحاء العالم.

رواية الجوع

” يا رب السموات، إلى أي مدى سارت بي الأمور ” … تلك هي صرخة الإنسان الوحيد اليائس وسط العالم المادي القاسي من حوله … و هي الصرخة التي يريد الكاتب النرويجي الكبير كنوت هامسون ( 1859 – 1952 ) إيصالها لمسامعنا في روايته الخالدة ” الجوع ” على لسان شخصيتها الًأساسية ؛ ذلك الكاتب الصحفي المسكين الذي يعاني التشرد و الفقر الجوع في شوارع مدينة كريستيانا الباردة الاسم القديم لأوسلو.

فمن سيء إلى أسوأ، يمضي بطلنا الذي لا نعرف له اسما ً أيامه متنقلا ً من شارع إلى شارع، في محاولات جادة لنيل قوت يومه دون أن ينال النجاح، ليعود كل مرة إلى محولات الكتابة التي تدر عليه من فترة لأخرى دخلا ً ضئيلا ً يسد به رمقه و يدفع به شيئا من ديونه، و يضحي بجزء يسير منه لمن يظنهم أسوأ حالا ً منه باعتباره رجلا ً شريفا ً خانته الظروف و وقفت ضده الأقدار .

و مع كثرة الأبواب المسدودة في وجهه، يجد المسكين نفسه دون مأوى لعجزه عن دفع إيجار الغرفة الحقيرة التي يقطنها، و بعدما رهن كل ما يملكه حتى القميص الوحيد المسؤول عن تدفئة جسده الهزيل، يعرف المعنى الحقيق للجوع؛ أيام متتالية دون كسرة خبز، و كبرياؤه تأبى الانحطاط لمستوى السرقة أو التسول، و حتى عندما يجرب ذلك الأخير تحت وطأة شهوة الجوع التي لا تستكين، يلاقي الرفض والذل بانتظاره … ويصل به الحال حد الهبل و الهذيان لولا تدخل العناية الإلهية في أحلك اللحظات لتنتشله و تضعه في نهاية المطاف أمام باخرة تستعد للرحيل عن المدينة، فينضم لطاقمها و كل همه الابتعاد عن شبح الجوع الرابض في الشوارع بانتظار فريسة جديدة تلقى له دون رحمة أو شفقة.

نشر هامسون تحفته عام 1890 و حققت له شهرة كبيرة حول العالم، و حتى يومنا هذا يعتبر صاحب جائزة نوبل للآداب عام 1920 واحدا ً من أشهر الأدباء في القرن العشرين و من أكثرهم تأثيرا ً على الأدب بصورة عامة، وله فضل لا يمكن إنكاره في الوصول إلى مدارس الحداثة وما بعد الحداثة في السرد الروائي، لدرجة اعتباره الأب الروحي للأدب المعاصر بكافة تفاصيله، و في هذا يقول الأديب الأميركي الكبير إرنست همنغواي لشدة تأثره به : ” لقد علمني هامسون كيفية الكتابة ”.

يبدي هامسون في أعماله المختلفة اعتراضه على مدارس الواقعية و الطبيعية في نقل تفاصيل الحياة، و أوجد لذلك أساليب سردية غير تقليدية تقوم أساسا ً على الحوار الداخلي مع الذات والغوص في العقل البشري مع الأفكار فيما يمكن تسميته بالأدب السيكولوجي، والذي تبلور بشدة فيما بعد عن عدد من الأدباء و على رأسهم فرجينيا وولف وجيمس جويس صاحبا الحركات التجديدية في الأدب الحديث، ويرى هامسون أن الغاية الأساسية من الأدب يجب أن تكون ” وصف همسات الدماء ، و التماس نخاع العظام ”، مع تركيزه على تعقيدات العقل البشري المختلفة .

ظهرت هذه الخصائص أول مرة في رواية الجوع ممتزجة بشيء من السرد التقليدي الآتي إلينا على لسان البطل، و مع تسلسل أفكاره نلاحظ الارتباط الشديد بين إنسان هامسون والطبيعة من حوله، لتصبح الأفكار المتتالية انعكاسا ً لتقلبات الطبيعة المختلفة، حتى الوصول إلى شيء من الخبل و الهذيان عند فصل الشتاء الذي لا يرحم .

ورغم المواقف المأساوية التي يتعرض لها الصحفي المتشرد، لم تأت الرواية بلغة شديدة الكآبة و السوداوية، بل على العكس من ذلك، كلما ازدادت صعوبة الموقف تزداد غرابة أفكار البطل و فكاهتها أحيانا ً حتى تصل حد “الهبل المنطقي” من شدة الضعف و اليأٍس .

ما يلفت النظر في ” الجوع ” بشكل خاص، هو حال الوحدة التي يعاني منها البطل، فلا عائلة ولا أصدقاء، و كأنه يمثل الإنسان القابع في داخلنا دون أن ننتبه لما يعانيه من جوع يتخطى المعنى الفيزيائي للكلمة إلى معان أخرى تختلف من شخص لآخر، أو ربما يكشف حقيقة الغرور الذي وصل الإنسان في داخلنا إليه و يعري لنا ضعفه و وحدته أمام تقلبات الزمن و قوى الطبيعة .

تشكل فلسفة هامسون رد فعل صارخ على المادية التي غزت العالم أوائل القرن العشرين، و تشكيكا ً بقدرة الحضارة المادية على بث الراحة و الأمان في قلب الإنسان الخائف، ليبرز بذلك تأثره بفلاسفة كبار كشوبنهاور و نيتشه و بأدباء كفيودور ديستيوفسكي .

ومع مرور الأيام، شكل هامسون حالة إشكالية في تاريخ الأدب العالمي، بآرائه الجريئة و المختلفة خاصة في دعمه للنازية ما دفع لاعتباره خائنا ً للشعب النرويجي و تم وضعه في مصح للأمراض العقلية، لكن كل ذلك لم يقلل من قيمته الأدبية ومكانته في عالم الأدب، فإلى اليوم تعتبر رواية الجوع من التحف الخالدة، وأوردتها صحيفة نيويورك تايمز الشهيرة في قائمتها للكتب التي يجب على كل شخص قراءتها قبل وفاته .

جدير بالذكر، أن العالم يعتبره عن جدارة واحدا ً من أهم الرموز في تاريخ الأدب الحديث، وحالة إشكالية مازالت تلقي بظلالها على الأدب حتى يومنا هذا .

تيار الوعي عند هامسون

إن اكتشاف أن الذكريات والمشاعر والأفكار توجد خارج الوعي الظاهر لهو أهم خطوة حدثت إلى الأمام في علم النفس منذ أن كنت طالبًا أدرس ذلك العلم وليم جيمس– صاحب مصطلح «تيار الوعي»
تيار الوعي هو لون من ألوان التكنيك في كتابة الرواية يهدف إلى الكشف عن الكيان النفسي للشخصيات، ولذلك فإن الروايات التي يُقال عنها أنها تستخدم تكنيك تيار الوعي هي الروايات التي يحتوي مضمونها الجوهري على وعي شخصية أو أكثر.

جدير بالذكر أن تيار الوعي ليس مرادفًا للمونولوج الداخلي، وذلك لأن أدب تيار الوعي هو أدب سيكولوجي وينصب اهتمام أدب تيار الوعي على التجربة العقلية والروحية من جانبيها المتصلين بالكيفية والماهية؛ وتشتمل الكيفية على المشاعر وألوان الرمز وعمليات التداعي، أما الماهية فترتكز على أنواع التجارب العقلية مثل الأحاسيس والتخيلات والذكريات والمفاهيم والحدس، وقد ارتبط مفهوم تيار الوعي في الرواية العالمية بفيرجينا وولف وجيمس جويس ومارسيل بروست.

وتيار الوعي عند هامسون لا يعتمد على الغموض والإبهام في السرد، وإنما على العكس تمامًا يميل إلى الصراحة الفجة والتداعي المتدفق للذاكرة؛ فلا يشعر القارئ بأي تشتت، فقط صراحة مباشرة، ولا يدري القارئ هل يسهل عليه هامسون مهتمه بهذه الصراحة المباشرة أم يصعبها أكثر؛ فهدف هامسون غير مفهوم بالمرة يفضح أبطاله ويظهرهم للقارئ بشكل فج، وتنبسط كوامنهم النفسية وتتجلى بوضوح بالغ وهذا ما ظهر بوضوح في شخصية نايجل برواية أسرار؛ هذا البطل الإشكالي الذي كان يتعمد تحقير نفسه أحيانًا أمام حبيبته من أجل إظهار الحقيقة.

العوالم النفسية لشخوص كنوت هامسون

شخوص هامسون ليسوا أبطالًا بالمعنى التقليدي؛ لا يدافعون عن معتقداتهم ولا يحاربون من أجل مطالبهم وأحلامهم وإنما هم كائنات هشة، يحملون الكثير من الندوب الداخلية ومحاولة فهم تصرفاتهم ليست بالأمر السهل، فهم شخوص معقدة منهم من هو بالغ الذكاء مثل نايجل وهناك البطل الغارق في الذاتية مثل يوحنا وبالنسبة لبطل الجوع فهو شخص لا يفكر أبدًا في تداعيات التصرفات التي يقوم بها؛ وإنما يفعلها فحسب.

بطل رواية «الجوع».. كيف تعصف الحياة بجسد جائع؟

لمدينة أوسلو- تلك المدينة العجيبة التي لا يغادرها أحد قبل أن تسمه بسماتها وتترك عليه آثارها كنوت هامسون* رواية «الجوع»
كان هذا هو مستهل الرواية؛ إذ يتضح أنه لا يوجد بداية واضحة للقصة؛ بطل الرواية بلا تاريخ ولم يحدد الكاتب السياق الزمني للأحداث، ويغيب أيضًا في رواية الجوع السياق الاجتماعي والسياسي، لا يوجد في الرواية سوى العالم الداخلي للبطل؛ نفسه الرحبة بخيالاتها ووجعها وقهرها وأثر الجوع على روحه.

كنت هائج الخاطر ناقمًا على نفسي بسبب حادث القلم الرصاص، وكنت في غاية الاضطراب من جراء مقدار الطعام الذي التهمته ومعدتي خالية، وفجأة خطر لي خاطر عجيب: أحسست في نفسي رغبة شديدة في مضايقة هذه السيدة وإغضابها بأي وسيلة* رواية «الجوع»
بطل الرواية الذي يعمل كاتب مقالات بالقطعة، ويتعرض لأزمات مالية طاحنة يجعله في فقر مدقع وإحساس دائم بالجوع، يهيم متسكعًا في شوارع المدينة حيث يذكر بأنه كانت تراوده أسخف الخواطر التي كان يستمع إليها واحدًا تلو الآخر مع علمه بأنها لن تؤدي لشيء. كل هذه الخواطر سردها هامسون في روايته والقارئ لا يعلم حقيقة ما الذي يرمي إليه الكاتب، حتى يتبين له في النهاية أن الكاتب لم يكن يرغب في أكثر من التحدث عن شخص جائع فحسب وتصور حياته ويومه هكذا فقط دون أن نعلم ماذا فعل البطل في النهاية.

ولا يحاول الكاتب توضيح الأسباب النفسية التي أودت بالكاتب إلى دائرة الفقر ولا ظروف حياته قبل الفقر والبيئة التي جاء منها البطل، فصفحات الرواية تموج بالداخل اللانهائي للبطل وانفعالاته الداخلية ومواقفه المتقلبة من الإله؛ فتارة يسخط عليه ويرى أنه الله يتفنن في تعذيبه حتى يتوب ويرجع إلى حظيرته الإلهية، وتارة أخرى يناجيه بالدعاء حتى يتخلص من إحساسه الدائم بالجوع.

نيجل.. العبقرية في إرباك العقل وهدم مسلماته

كان منتصف صيف العام 1891 بداية لحدوث أكثر الأشياء خروجًا عن المألوف في بلدة نرويجية ساحلية صغيرة، ظهر شخص غريب يُدعى نيجل، شخص فريد هز البلدة بأطواره الغريبة ثم اختفى فجأة مثلما ظهر * رواية «أسرار»

تلك الكلمات هي بداية رواية أسرار، والتي من خلالها يظهر بطل الرواية نيجل قادمًا على إحدى البواخر مرتديًا بدلة صفراء فاقعة اللون ليقرر فجأة الاستقرار في تلك البلدة الصغيرة دون أسباب واضحة، وقبل أن ينزل نيجل بإحدى الفنادق في البلدة قرر أن يمشي على قدميه مسافة طويلة حتى البلدة المجاورة ويبعث لنفسه بثلاث برقيات من مكتب البريد تفيد بأنه ثري ويملك الكثير من الأموال والعقارات، وفور نزوله بالفندق قرر نيجل ترك البرقيات مفتوحة حتى يطلع عليها نزلاء الفندق ويكونوا فكرة عن ثرائه وتنتشر عنه تلك الصورة في البلدة الصغيرة.
كان نيجل مفتونًا بالتساؤلات الصغيرة والاهتمام بأمور لا تلفت انتباه أحد سواه؛ ففي إحدى المرات قرر نيجل التجول ليوم كامل جيئة وذهابًا أمام منزل قنصل البلدة السيد أندرسن على التلة لكي يحاول أن يقيس ارتفاع السقف في غرفة معيشة القنصل.
يستيقظ نيجل صباحًا في أحد الأيام ليشعر بأنه في
حالة ذهنية غريبة ومبهجة؛ إذ يهتز كل عصب من أعصابه وتموج الموسيقى في دمه، ويشعر بأنه جزء من الطبيعة ومن الشمس ومن الجبال، كان عالمًا بكل شيء حيث كانت تتحدث إليه الأشجار والأرض وتتصاعد روجه مثل أرغن، وفي أيام أخرى يستيقظ نيجل في حالة مزاجية سيئة تجعله غير قادر على مغادرة الفندق؛ تلك الحالات وغيرها الكثير هي ما يسردها لنا هامسون على لسان البطل؛ ذلك البطل الذي يحضر حفلات أهل البلدة من أجل السجالات العقلية وزعزعة الثوابت والمسلمات.
في رواية أسرار يعمد كنوت هامسون إلى السخرية؛ سخرية البطل من المعتقدات الثابتة لأهل البلدة؛ السخرية من الرموز الثقافية الكبرى مثل تولستوي؛ إذ يجده البطل كاتبًا عاديًا لم يأت بجديد، ونحن في خضم تلك الأحداث ننسى من أين جاء نيجل ولماذا اختار هذه البلدة تحديدًا ولماذا قرر الانتحار في النهاية.

يوحنا ابن الطحان.. الاحتماء بالحياة اللاواعية للعقل ضد العادات المجتمعية

يمضي ابن الطحان حالمًا صبي في الرابعة عشرة من عمره، ذهنه يغلي بالأفكار على الدوام، في المستقبل سوف يصبح وقادًا. ستضمن له هذه الحرفة اللذيذة الخطرة احترام الأصدقاء * رواية «فيكتوريا»
العامل المشترك بين جميع شخوص هامسون هو: غليان أذهانهم على الدوام بالأفكار، ومشاركة القراء بجميع تلك الأفكار والانفعالات الداخلية، هذا بالإضافة للصراع الذي يخوضونه سواء مع أنفسهم على غرار بطل «الجوع» ونيجل، أو مع المجتمع على غرار يوحنا بطل رواية «فيكتوريا».

يوحنا هو شاب فقير يعمل والده طحانًا ويمتهن هو الكتابة في نهاية الأمر، يقع يوحنا في حب فيكتوريا الفتاة الأرستقراطية، التي تبادله الحب ولكنها تضطر أن تتركه بسبب الفارق الاجتماعي بينهما وتُخطب للملازم الأول أوطو الذي يُقتل أثناء إحدى رحلات الصيد.

تحاول فيكتوريا بعد وفاة خطيبها أن تعود ليوحنا، ولكنه يكون في ذلك الوقت قد خطب كاميلا التي أنقذها من الغرق والتي بدورها تتركه في النهاية وتقع في حب شخص آخر، وبسبب معاناتها المستمرة وتعاستها الدائمة تموت فيكتوريا في النهاية، ومع أن القصة تبدو تقليدية للغاية إلا أن عالم يوحنا طغى أيضًا على جميع صفحات الرواية، وفي الوقت الذي سُميت فيه الرواية باسم فيكتوريا لم تظهر البطلة إلا لمامًا؛ إذ انصب تركيز هامسون على يوحنا.

بينما كان يوحنا يتأمل بزوغ النهار من النافذة واصلت الأفكار فيضها داخل رأسه، ألفى نفسه بغموض كاف على حافة واد في البعد، يعزف أرغن مهجور موسيقاه الشجية، دنا قليلًا ليفحص الآلة الموسيقية فوجدها تنزف: خيط دم يسيل من خاصرتها من دون أن تتوقف عن العزف* رواية «فيكتوريا»

كان يوحنا كاتبًا غزير الإنتاج، ربما كان ذلك عائدًا إلى حبه المستحيل لفيكتوريا؛ إذ كان يكتب بنهَم شديد وفي غضون مدة قصيرة أصبح اسمه فجأة على كل لسان وانتشرت كتبه بجميع الأرجاء، وكعادة هامسون لم يعرف القراء لماذا تخلى يوحنا عن فيكتوريا بسهولة بالغة رغم حبه العظيم لها، ولماذا خطب كاميلا بتلك السرعة ولماذا لم يحرك ساكنًا حين تركته من أجل آخر؟

إعداد: جمال علي

المصادر: 1